الى الرياض والاحساء والبحرين
قام السيد حامد رحمه الله برحلة الى الرياض والاحساء والبحرين سنة ١٣٦٠ ه ليلة فى البهيتاء :
خرج رحمه الله معنا - ونحن في طريقنا الى الرياض مقر عملنا . وكنا في سيارتين وبعد أن وصلنا إلى البهيتاء ) البوباة ( وقفت احدى السيارتين لنفاد وقودها الذي اخذه السواق كمقرر لثلث المسافة بين مكة والرياض . فابقينا السيارة والامتعة وبقي معها الاخ عبد الحميد في البوباة وعدنا بالسيارة الثانية الى مكة لمراجعة شركة السيارات وبعد ان انتهينا من الاجراءات مع الشركة بتغيير السيارة رجعنا إلى الاخ وسألناه كيف قضى ليلته فى تلك الفلاة فقال :
بعد عودتكم جاءني خادمكم السليماني وقال : يا عمى الدنيا برد ! واذا تغطينا ورقدنا عرضنا أمتعتنا لاخطار السرقة لان المكان ) مطروق ( والسيارات رائحة وجائية . فقلت له : وماذا نفعل ؟ قال : عندى فكرة . قلت : هاتها . قال : اقوم الآن بجمع الحطب واذا ) كبس ( علينا النوم اشعلت في هذا الحطب وجلسنا حول النار في دفء أو اقعد وحدى وانت بكيفك (
فقلت له : افعل ما بدا لك
فذهب بسبب ، ناحية الجبال ، وأتى بعدما يقرب من نصف ساعة بحزمة حطب كبيرة على رأسه . ثم بدأ فى اعداد العشاء - بعد أن استأذنني . وكأنه يعد طعاما لمائة شخص . يجرى من هنا الى هناك او يصعد الى السيارة لاخذ شىء منها ثم ينزل او يرمي نفسه من فوق وكانت الاوانى والمواعين يسمع لها قعقعة و ) طقطقة ( كأنه يضرب بعضها فوق بعض . وانتهى من حركاته هذه بعد العشاء وتعشينا . وبعدها جلس معى يتحدث معى فى موضوعات لا ناقة إلى فيها ولا جمل . كفشله فى زواجه ومغامراته فى الجارة - حارة السليمانية بمكة . ثم قلت له اننى اريد النوم فتركني وذهب الى كومة الحطب ليشعل النار فيها تنفيذا
لفكرته . ويقيت أراقب حركاته الجنونية وأنا مضطجع . أراد ان يرفع الامتعة فى السيارة فأخذ يرمى كل شئ من مكانه الى السيارة وبعد ان انتهى من ذلك جاء بمعون ) الجاز ( وأفرغ نصفه فوق الحطب واشعل النار فيه فاذا عمود النار واللهيب يرتفع الى عدة أمتار فى الفضاء وانار الارض والجبال ثم رفع عقيرته بالغناء المصرى مرة وبالحجازى اخرى وأحيانا بالمجرور . . والخلاصة لا نام ولا تركني أنام من أصواته وغناه وحركاته ) وكركبته ( وقبيل الفجر . نام ولم يصح الا بعد طلوع الشمس
روضة خريم والسهباء :
بعد وصولنا الى الرياض تلقينا أمر جلالة الملك الراحل بالالتحاق بالمخيم الملكي فى روضة خريم . وقد فرح - رحمه الله لهذه الرحلة البرية ليتمكن من الاستمتاع بمناظر الربيع والعشب وحياة المضارب أكثر مما استمتع به فى الطريق بين مكة والرياض
المخيم :
كان من عادة جلالة الملك الراحل رحمه الله أن يأمر لنا بعدد من الخيام وكل ما يتعلق بها ويترك لنا الحرية فى نصبها حيثما نشاء . . وبناء عليه اخترنا بقعة بعيدة عن المخيم وقريبة من كثيب مرتفع من الرمل يشرف على منطقة المخيم كلها . ونصبنا احدى الخيام الكبيرة على قمة الكثيب وبقية الخيام نصبناها فى السفح . وخصصنا خيمة الكثيب للتدريس وجلوسنا بعد انتهاء التدريس . والبقية للطعام والطبخ والامتعة .
عاصفة هوجاء :
وفي اليوم الذي حللنا بأرض المخيم ثارت فى عشيته عاصفة هوجاء من ناحية الشرق
وأخذت تتقدم نحو المخيم كقطع الليل المظلم او كجبال متحركة . . واخذ كل من بالمخيم ينادى بأعلى صوته " جاءكم جاءكم إى جاءكم العج . . وبعد برهة وصلت طلائعها فثارت الرمال واخذت الطبقات العليا من ذرات الرمال تتطاير بقوة وشدة وعلى أثرها بدأت أعمدة الخيام واروقتها وقبابها تهتز اهتزازا قويا متواصلا ، ودخل بعضنا فى الخيمة العليا والبعض في السفلى ودخل المرحوم الاخ عبد الحميد مع الاستاذ الشيخ صالح خزامي حفظه الله وكان زميلنا الثالث فى مدرسة الامراء في الخيمة العليا . ليأمنا شر العاصفة والغبار وذرات الرمل التى تنزل على الوجه والاطراف نزول الابر . واشتدت العاصفة سرعة وشدة وغدت الارض مسودة لا يرى الانسان نفسه بله الأشياء البعيدة
التفاف الحبل حول العنق
كانت أطراف الخيام وأروقتها تتطاير كأنها خرق بالية واخيرا اقتلعت اوتادها وتقطعت اطنابها والتفت اجزاء الخيمة مع بعضها فى شكل كرة وقذفت بها الرياح الى اسفل الكثيب والتف أحد حبالها حول عنق الاخ عبد الحميد وجره الى اسفل وكما ان الشيخ صالح التف عليه " التيزاز " وتدحرج معه الى تحت الكثيب .
توه مازان البر :
ورغم حراجة الموقف والقلق النفسى والتعب الجسمى لم يترك الاخ - رحمه الله - مرحه وضحكه وأخذ ينادى على الشيخ صالح ويقول له " يا شيخ صالح . توه مازان البر " أى الآن زان البر وتحسن . وهذه الجملة كان يسمعها الاخ من أهل المخيم وهم يقولونها اذا تلطف الجو او نزل غيث . فرد عليه الشيخ صالح ) زان ايش ومان ايش
خلينا نخلص من هذه الورطة بسلامة (
عاصفة عاتية :
وامر المخيم - بعد أيام - بالانتقال من خريم الى السهباء بمنطقة الخرج فارتحلنا مع الناس وكنا متأخرين عن الركب . . وحل الليل ببرده وظلامه ونحن نقطع الفيافى والمفاوز واخيرا قررنا المبيت في الطريق لنستأنف السير صباحا . ونصبنا شراعا واحدا بكل جهد وعناء وبعد تناول العشاء وصلاة العشاء اضطجعنا استعدادا للنوم . وبعد ان نام بعضنا والبعض في طريقه الى النوم اخذت جوانب الشراع تهتز بشدة فقال الاخ : اخشى ان تتكرر مأساة الكثيب فكونوا على اتم الاستعداد للوثوب والقيام . . واذا رأيت الخطر يدنو فسأعد عليكم من واحد الى ثلاثة . والواحد معناه - القيام من الفراش وعند الاثنين لكل منكم يلف فراشه واذا قلت " ثلاثة " فما على الجميع الا الوثوب والقفز إلى خرج الشراع والالتجاء الى السيارة . فقال له احد الرفاق ياشيخ نم . ودعنا ننام . ويظهر انك لست متعبا .
وبينما هما فى هذا الكلام اذ هجمت عاصفة عاتية واشتدت حلكة الليل فلا نجوم ولا سماء . . وما هى الا لحظة حتى كان الشراع قد تطاير من فوقنا كأنه مظلة وكان للشراع ثلاثة أعمدة فنزل أحدهما على الاخ عبد الحميد وهو واقف فقال " ثلاثة " وهو يضحك وكلنا فى حالة فزع لا يعلم حقيقتها الا الله .
مطر وبرق ورعد :
وعندما هدأت العاصفة وبلت السماء وكان لمعان البرق يضئ الكون وقصف الرعود يكاد يصم الآذان تركنا كل شئ فى محله ودخلنا السيارة واغلقنا الزجاج . ولم يطل نزول المطر بل تحول المطر الى ناحية
اخرى وظهرت النجوم . فخرجنا من السيارة وأوقفنا الشراع مرة اخرى وقلب كل منا فراشه لابتلاله ونمنا وجلين من أن تعود العاصفة .
جانب المرح في حياته :
كان للمرح جانب كبير فى حياته وقد وجد فى حياة ) المقناص ( فراغا كبيرا فى أوقاته فلم يكن يشغله بنوم او فى غير فائدة بل كان يجلس الى اوراقه وقلمه ويدون ما يخطر بفكره من الآراء أو الخواطر ثم يمزق بعض ما يكتبه ويبقى بعضه . وكان للوقود ) الحطب ( أهمية كبرى فى حياة المقناص ولذلك كتب ذات يوم مقالة خيالية بعنوان " اليوبيل الحطبى " ) اورد منها نبذا قصيرة ( فقال :
" قبل أن ينبثق الفجر الصادق وقبل أن تسمع زقزقة الطيور والبلابل من يوم الخميس ٢٣ ربيع الاول سنة ١٣٦٠ ه الموافق ل ٩ نيسان ١٩٤١ نهضت دنيا المخيم عن بكرة ابيها تستعد للاسهام فى اليوبيل الحطبى الذى أقيم فى هذا اليوم بمناسبة انقضاء ثلاثين يوما كاملا من أيام الربيع على حياة المضارب الجميلة الرائعة .
وفي الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة بدأت ارتال السيارات تدخل منطقة الاحتفال واستقبلت القادمين فرقة الكشافة تحت رئاسة الرئيس ابى نعيج وصدحت الموسيقى بقيادة صويلح الغومان . .
وبعد أن تكامل عدد المدعوين أعلن الاستاذ الحموى افتتاح الاحتفال قائلا :
- أتقدم البكم جميعا بخالص الشكر على تلبيتكم للدعوة وتجشمكم المشاق سبيل الاسهام فى هذا اليوبيل الحطبى وهو أول يوبيل فى شكله واسمه . . ولا أكمتكم بأننا في قلب الربيع الفصل البهيج الذي
يبتدئ من اليوم الثاني والعشرين من شهر آذار وينتهى فى اليوم الثالث والعشرين من شهر ايار ونحن كما تعلمون فى شهر نيسان شهر الغيوم والامطار شهر البروق والرعود وما زال الربيع فى ميعة شبابه اليانع . وازيدكم علما أن فصل الربيع يسميه الشعراء الشرقيون والغربيون فصل الحب والهيام فصل تضطرم فيه دفائن القلوب وتنصهر فيه كوامن الصدور فيبث الشجيون الآلامهم وتباريحها وينهض الخليون بمرحهم ولهوهم ويمسى الجميع فى أفلاكهم يسبحون
وينزل الاستاذ الحموى بين زوبعة من التصفيق الحاد ويقوم مدير البوفيه المعلم بيكير الريس فيطوف على الحاضرين بشراب الصبار ) تمر هندى بلغة أهل الرياض ( ثم يصعد الاستاذ حويمد التنهاتى وكان يرتدى عباءة حمراء وصمادة كويتية وألقى الكلمة الشعرية الآتية
حيوا خريما ) ١ ( وحيوا ارضها الحمرا
حيوا الربيع وهذى القبة الحمرا
حيوا النسيم وحيوا الغيث والمطرا
حيوا الطيور وحبوا النغم والوترا
حيوا اللواتي حضرن اليوم في شغف
يسمعنكم من نشيد الحب ادوارا
حيوا الذين اتواكم حاملين لكم
حبا وشوقا وتقديرا واكبارا
اهلا بكم يا هواة البر والزهر
أهلا بكم بوجوه تشبه القمرا
ان مجد الناس فيكم ادمغا ونهى
فاننا لنحيى الفن والشعرا
لا تحسبوا هذه الحمراء ان رقصت
من الدبور ومالت ميلة صغرا
بل شجعوها على ميلانها دوما
فتلك منها تحيات لكم تترى
ما البرق ما الرعد ما الانوار في دجن
الا ربيع ربيع جاوز دهرا ) تصفيق حاد (
اني لاعجب من قوم أجلهم
هم يكرهون نزول الغيث منهمرا
يا قوم ان نزول الغيث مكرمة
من الاله فكونوا فيلقا شكرا
ولا تكونوا عصاة ناقمين على
آياته الغر فوق الروض والصحرا
عاشت خريم وفيها القبة الحمراء
عاش الربيع وعاش العشب مزدهر ) اعد اعد ! (
وقال مازحا وهو يودع روضة خريم في يوم ٦-٤-١٣٦٠ وكانت الحرب الثانية قائمة على اشدها :
ودع خريما فان الجو ملتهب
واقصد رياضا وعذ بالله يا رجل
قم للحقائق فالاخطار محدقة
واحسب حسابا فان النار تشتعل
كفى كفانا ربيع طاب فى حمل
والآن ثور وان الثور ينفعل
الناس قد فكروا من بعد ما لعبوا
ونحن لا هون لا عقل ولا مال
يا قوم هبوا فان الفجر يقترب
وارموا الدثار فان الليل مرتحل
اني ارى الجو في الآفاق معتكرا
واشتم رائحة البارود تشتعل
يا قوم هبوا الى المذياع ينبئكم
ما في الحروب من الاهوال تنتقل
ما في البحار من الاخطار والغرق
وللبوارج ضربات لها الويل
وفي الهواء ازيز بعده مطر
من القنابل فى اصواتها الوجل
لفوا الخيام وشدوا الرحل بالعجل
وامعنوا الفكر فالايام تنفتل
وجانبوا البطء فالإهوال مسرعة
واسرعوا قبل ان يؤذيكم الكسل
الله يحفظنا والله يرشدنا
نهج الصواب ولا يغرى بنا الاهل .

