الرقم 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
التاريخ 1925/6/2 25/6/27 26/11/15 27/1/18 27/6/20 28/1/20 1928/3/8 28/4/1 28/10/28 29/4/20 29/1/1 29/9/29 30/6/7 31/9/30 31/11/7 32/4/3 32/4/5 33/1/9 34/2/17
عنوان القصيدة تونس الجميلة فى الظلام الزنبقة الذاوية يا شعر الدموع المساء الحزين أغنية الشاعر فى فجاج الآلام قلت للشعر إلى قلبي التائه يا موت إلى الله صفحة من كتاب الدموع ابناء الشيطان فكرة الفنان حديث المقبرة فى ظل وادي الموت الجنة الضائعة الاعتراف
الصفحة 24 30 51 54 72 92 99 101 124 131 137 141 154 176 186 196 203 209 257
وهذه القصة لا تقل عن الشعر لصوقا بحياته ، اذ الحياة عنده بالحب محتوى ، وبالشعر متنفسا وتعبيرا أو لا تكون :
قد كان له قلب كالطفل يد الاحلام تهدهده
من كان له ملك فى الكون جميل الطلعة يعبده
لولاه لما عذبت في الكون مصادره وموارده
ولما فاضت بالشعر الحى مشاعره وقصائده
وستبتدى هذه القصة مع قصيد (( الغزال الفاتن )) حيث اش الشابى أول حبه مع تلك (( الريحانة )) التى عرفها فى بلدة مجاز الباب ذات المزارع والحقول الشاسعة ( حيث ولى والده القضاء ) .
ولن يمحو الزمان ذكرى تلك الحبيبة . فقد كتب فى مذكراته ( الاربعاء 1 جانفى 1930) :
)) أنا جالس وحدي فى سكون الليل ، استعرض رسوم الحياة وافتكر بأيامى الجميلة الضائعة ، واستشير أرواح الموتى من رموس الدهور .
ثم ها هى تلك الريحانة الجميلة التى انبتتها فى سبيلى أنامل الحياة . ها هى تنظر إلى بعينيها الجميلتين الحالمتين بأحلام الملائكة ، ثم تشير إلى براحتها الجميلة الساحرة وبأناملها الدقيقة الوردية ، ثم ها هى تطبع على ثغري قبلة حلوة ساحرة بشفتيها المعسولتين برحيق الحياة )) .
وها هو الشاب المراهق ينطلق من هذه التجربة ، فلا يقتصر على التملى بما لملاكه من الجمال وآياته ، بل يتجاوز ذلك الى نوع من الاستجلاء لا يحني منه الا الحيرة واصداء تساؤلاته :
ليت شعري يا أيها الحب قل لى من ظلام خلقت أو من ضياء ؟
ولا يزال هكذا متوغلا فى متاهات الحب ، حتى ينتهى الى الشعور بعظم منزلة وثنائية فعله :
ان للحب على الناس يدا تقصف الاعمار
وله فجر على طول المدى ساطع الأنوار
ولكن هذه المتعة الروحية المستمرة ، متعة البحث والتمادى فى استكشاف ماهية الحب بدون الاقتصار على عيشه ، لا تلبث ان تزول بموت الحبيبة ( فعلا ) ، وتكون هذه المصيبة أول صدمة وأدهى بلية فى حياته ، يتكدر لها صفوها ، وتضيق الدنيا بما رحبت . فيندب وحق له الحزن فى حياة عادت قفراء :
مات حبي !
فاذرفي يا مقلة الليل الدرارى عبرات
حول حبى فهو قد ودع آفاق الحياة
93
وتشتد الوحدة القاتلة ، وتشتد معها الحاجة إلى المشاركة ، فلا يلقى احسن من الأم ينشد بجوارها الأنس يستعين به على مقاومة وحشه وجودية سحيقة ، ولكنه عبثا يحاول :
ولمـا نـدبت ولــم ينفـــع وناديت أمي فلم تسمع
رجعت بحزنى إلى وحدتى ورددت نوحى على مسمعى
وعانقت في وحدتى لوعتى وقلت لنفسي : (( الا فاسكتى !))
ويطغى عليه الحزن ، وينغمس فى اعماقه الى حد البحث عن الاتحاد بمثله من الحزانى ، ويتصور او وكانه قد حل ، أو ليس الحزن مدخلا إلى الموت؟ :
وان جرفتني أكف المنون الى اللحد او سحقتك الخطوب
فحزنى وحزنك لا يبرحان اليفين رغم الزمان العصيب
ولكن سرعان ما ينبع فيض الحياة فى قلبه ، فيشعر بالحاجة الى من يشاطره لمقاومة الاحزان ، وتفريج الكروب ، فلم يجد انجع شريك واصدق مواس ، وأنبل رفيق من الشعر ...
وما هى الا فترة حتى تعاوده الذكريات ، فتنجم من كل حدب كالاشباح ، منطلقة من عالم الموتى عالم الحبيبة : الميتة فى عرف الناس ، الخالدة في عالما الروحى - فتثير اللوعة من مكمنها ، ويطغى اليأس :
ضاع أمسى ، وأين مني أمسي؟ وقضى الدهر أن اعيش بيأس
وقضى الحب في سكون مريع ساعة الموت بين سخط وبؤس
ولكنه الحب : فما كان ليتقيد بالظروف ، فهو يتجاوز الانسان وهو خالد خلود الروح - وها هو الشاعر يتحدث عنه حديث الفيلسوف الذى يبدى رأيه عن روية وسابق تجربة ، ويعتبره نعمة إلهية وأساسا لخلق المجتمعات ودوامها : لانه سر الحياة ومبعثها :
لولاه ما سمعت فى الكون اغنية ولا تتآلف فى الدنيا بنو أفق
ولكن الوفاء لا يهادن صاحبه ولا تمحى فى نفسه آثاره ، فعروقه أعمق من ان تأتى عليها الظروف العابرة : وكيف ينسى تلك التى فجرت فى قلبه ينابيع الحب والتى ودع بفقدها كل المسرات :
ثم اختفت أواه طائرة بأجنحة المنون
نحو السماء وها أنا فى الارض تمثال الشجون
وتتحرك سورة الشباب فى نفسه ، فتدعوه الى الخروج من سلطان الحزن ، وها هو يقوى ويقاوم صامدا متحديا :
فالذى يرهب الحياة شقى سخرت من مصيره الاحداث
ولكن الذكرى تعاوده ملهبة قلبا كم كان اليأس اوهاه ، فيتوق الى الانعتاق من دنيا فقدت كل معنى وقيمة الى عالم خالد حقا :
مات الحبيب وكل ما قد كنت ترجو أن تكون !
ويعود مرة أخرى الى الشعر رفيقه الوفي فى السراء والضراء يلتمس فى رحابه التنفيس عن نفسه الثكلى :
يا ربة الشعر غنيني فقد ضجرت نفسى من الناس ابناء الشياطين
لولاك فى هذه الدنيا لما لمست أوتار روحى اصوات الافانين
الا ان الشابى ، سواء حرقته لوعة الباكى على من لا تعود حتى تاق إلى عالمها وزهد فى هذه الدنيا ، أو حاول جاهدا الاستعانة بالشعر كمنفذ ضرورى للتعبير والتفريج ، ما كان ليركن الى انطوائية على النفس وانغلاقية برعاجية ، بل لا يلبث ان يشعر بالحاجة الماسة الى أخيه الانسان يشكو له ما يعانيه فى سبيل الحقيقة ، ويبث فى قلبه معانى الانسانية الحق :
يا رفيقي اما تفكرت فى الناس وما يحملون من آلام ؟
فلقد حز فى فؤادى ما يلقون من صولة الأسى الظلام
فاذا سرنى من الفجر نور ساءنى ما يسر قلب الظلام
كم بقلب الظلام من انه تهفو بغصات صبية ايتام
ونشيج مضــرم من فتــاة ابهظتها قوارع الايام
ونواح يفيض من قلـب أم فجعت في وحيدها البسام
وانين من معدم ذى سقام عضه الدهر بالخطوب الجسام
ولكنه يشعر بقلة الجدوى ، فلا ذلك الرفيق مواس ، ولا الحقيقة مدركة ، بل التيه ، التيه المتواصل والتوق الى عالم بعيد المنال .
ويجتاز الشاعر ازمات تنوء تحتها الجبال الرواسى .
- منها فقدان والده الرحيم .
- ومنها خيبة مريرة تدمى قلبه ، يلقاها من شعب لئيم ، يرفض عطاءه السخي ويجازيه سوء جزاء :
فى صباح الحياة ضمخت اكوابى واترعتها بخمرة نفسى
ثم قدمتها اليك ، فاهرقت رحيقى ودست يا شعب كأسى
ولكنها ازمات ، ما كانت ، على بالغ اثرها ، لتنسيه الحب العظيم الخالد ، لا يزال يتضوع اريجا كلما حركه نسيم الذكريات :
- فهذه مقارنة مؤلمة بين ماض ذهبى ، وحاضر حالك :
غنـــاه الامس واطـــربه وشجاه اليوم فما غــده ؟
قد كان له قلـــب كالطفل يد الاحــــلام تهــتدهـــده
من كان له ملك فى الكــون جميـــل الطلعـــة يعبــده
واليـوم لقـد غشــاه الليـــل فمــا فى العالم يسعــده
- وها هو تجواله الشعرى ينتهى به الى عالم من الحب الارضى فيحتار فى عذارى (( افروديت )) .
ولكنه لا يلبث ان تنقشع حيرته ويجد الحل الفصل فى هذا الموضوع الخطير :
غير باق فى الكون الا جمال الروح غضا على الزمان الابيد
ولا يزال فى متاهات ترحاله يتوق الى حياة شعرية صرف لا يمكن تحقيقها ، تشده مشاكل الحياة المادية والفكرية شدا ، فيخاطب قلبه تارة ويستحضر الماضي طورا لا يرى فيه الا الحب . ويعود اطوار الى الناس ولكنه لا يلفيهم الا عبيدا للشرور :
أى ناس هذا الورى ؟ ما أرى الا برايا شقية مجنونه
جبلتها الحياة فى ثورة اليأس من الشر كى تجن جنونه
واذا به يغيب عن كل ذلك ولا يستيقظ الا وهو فى (( هيكل الحب )) يصلي لتلك التى يضفى عليها من آى الجمال ابدعها ، ومن حلل الفتنة ابهاها شأنه شأن (( بقماليون )) مع (( قالتيا )) الجميلة . 832 96
فلا يزال مشدوها فى ذلك العالم الجمالى المطلق تحيطه الاستفهامات من كل حدب وتفيض صلواته سخية :
أى شئ تراك ................................. !؟
انت فوق الخيال والشعر والفن وفوق النهى وفوق الحدود
ويغنم فى هيكله ، ومن صلواته تلك إلهاما ذا ابعاد هائلة يغذى ينابيع شعره ، ويبعث فى نفسه ما لا يحد من الرؤى الشعرية ، والمشاعر السامية .
وتستمر هذه النشوة الشعرية المنطلقة من المنظور لتسمو الى عالم الالهام المبدع ، عالم الخلود حقا :
اراك فاخلق خلقا جديدا كأنى لم أبل حرب الوجود
وتتواصل نشوة الحب هذه ، ووجدانية صوفية رفيعة لا تحدها الحدود ولا تأتى عليها العراقيل ، لانها منبثقة من القلب (( الشباب الخالد )) ، منبع (( العطف الجميل )) :
شيدت على العطف الجميل وانها لتجف لو شيدت على التفكير
وهكذا لا تنقطع هذه العلاقة وتتواصل متينة بين الشاعر والحب حتى آخر حياته : وتتجسم صورها وتحيا ..
- اما فى ماض قصرت صروف الزمان عن محوه .
- واما فى حاضر ملهم خلاق .
- واما فى ظروف مستقبلية يتطلع اليها مندفعا ، فيتفتح لها قلبه ويزدهر وجدانه ، فيثرى من معينها ولا يتسنى ان يعيشها الا من كان شاعرا مثله أقر ان الحياة حب يعاش وشعر يعبر أو لا تكون .

