مقدمة :
ان العديد من المفكرين المسلمين اليوم يتطلعون الى الاجتهاد كعامل مهم من عوامل النهضة والقوة والتجديد فى حياة المسلمين المعاصرة .
فما هو الاجتهاد ؟
الاجتهاد مثل الجهاد مشتق من وهو يعنى بذل الجهد المضنى فى سبيل اكتشاف الاحكام المبنية على الحق والحقيقة مسترشدا بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية لشريفة والقياس والاجماع . ثم العمل على نشر الحق والحقيقة بين الناس والدعوة الى تطبيقهما على الحياة .
لم ترد لفظة "مجتهد" فى القرآن الكريم بل وردت كلمات مثل : "الراسخون فى العلم " فى قوله تعالى" . . وما يعلم تأويله الا الله . والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ... " ( آل عمران 7) "الذين يستنبطونه" فى قوله تعالى ". . لعلمه الذين يستنبطونه منهم" ( النساء 83 ) .
" أهل الذكر " فى قوله تعالى " ...فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " ( الانبياء 7 ) . " خبير " فى قوله تعالى " . . . . ولا ينبئك مثل خبير " ( فاطر 14 ) . "العلماء "فى قوله تعالى:".. انما يخشى الله من عباده العلماء . ." ( فاطر 28 ) .
هذا وفي الحديث الشريف : الله تعالى يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " فالمجتهد اذن هو المجاهد في سبيل الله الذي يحاول جهده ان يحقق الصفات والمؤهلات التى تتضمنها الآيات الكريم والحديث الشريف . والمجتهد انسان سرى ذكى يجمع بين التقوى والعلم والحكمة والشجاعة . ثم انه يمتاز باللطف وحسن القيادة . انه طود شامخ بشار اليه بالبنان ويرجى منه الخير لبنى الانسان .
دور المجتهد فى التاريخ الاسلامى :
لقد وهب الله تعالى المسلمين فى تاريخهم وفي شتى اقطارهم من المجتهدين من اصبحوا من مفاخر العلم والتقوى فى تاريخ الحضارة الاسلامية . فقد كان لهم الفضل فى توجيه المسلمين الى العمل بتعاليم دينهم الحنيف كما أنهم اثروا الفكر الدينى الاسلامى بنتاج بحوثهم واستنباطهم .
وللعديد من المجتهدين الفضل فى الدفاع عن حوزة الاسلام بدعوتهم المسلمين الى الجهاد ضد غزو المعتدين كما فعل المجتهدون فى العراق حين اعلنوا الجهاد ضد الغزو البريطانى للعراق فى الحرب العالمية الاولى وحضروا ساحات القتال . ثم انهم الهبوا الثورة العراقية سنة 1920 ضد الاحتلال البريطانى تلك الثورة التى أدت الى تأسيس الحكم الوطني في العراق . وما يقال عن المجتهدين فى العراق يصدق على ما قام به الامام عبد الحميد بن باديس ورفيقه العلامة الشيخ البشير الابراهيمى ( رضي الله عنهما ) . اذ كان لهم الفضل الاول فى اذكاء العاطفة الاسلامية فى نفوس المجاهدين الاحرار الذين حرروا الجزائر من الاستعمار .
أجل ان للعلماء المجتهدين الدور الايجابى البارز فى حمل رسالة الاسلام ومقارنة الالحاد والفساد والاستعمار .
وما ضعف المسلمون وما استكانوا الا حين ضعف المجتهدون فى العالم الاسلامى : حين استبدت السلطات الحاكمة وحجرت الافكار وبدأ التناحر والتعصب والتمذهب بين فئات المسلمين . فبعد أن كان الاجتهاد موضع التقدير والاجلال من قبل المسلمين عموما شعوبا وحكاما مرت عصور اضطهد فيها المجتهد أو عذب أو استشهد . وذلك حين اصطدم رأيه بمصالح الفئة الحاكمة المستبدة . ولكن هذه الحوادث نادرة فى التاريخ الاسلامى ولله الحمد .
نقاط القوة والضعف فى تكوين المجتهد على النهج القديم :
ان للاجتهاد في العالم الاسلامي مزاياه العالية من حيث التكوين العلمي والخلقي والروحي فقد كان طالب العلم ( لاجل ان يبلغ منزله الاجتهاد ) يطوى الليل والنهار فى درسه وابحاثه وعبادته . كما كان يقوم بتدريس من هم دونه فى المنزلة العلمية . كل ذلك فى سبيل الله وحبا فى اكتشاف الحقيقة والاستزادة من العلم والمعرفة . وكان يتحلى بالزهد والقناعة فى المعاش . فلا تطغي عليه اطماع المادة او الجاه او المنصب .
و كانت الدراسة المستمرة والبحث الدائب مقرونة بالتدريس تضمن لطالب لعلم التعمق والاتقان فى العلم والتعليم . وكان الدرس والتدريس يجريان فى جو هادىء حر لا يعكر صفوهما امتحان آخر السنة ولا الشهادات المدرسية . فالدرس يجرى بلا الحاح ولا استعجال ومواعيد الدراسه تعين حسب الاتفاق والاقتضاء بين الاستاذ وطلابه . علام الاستعجال والعمر كله درس وتدريس بلا انقطاع ؟ .
ومن مزايا الاجتهاد أنه"افرادى" يؤسس على الاستقلال الفكرى والاستنباط للمجتهد الفرد . فالمجتهد يكون رأيه بعد الدرس والتأمل العميقين ثم يجهر برأيه بكل جرأة وحرية مهما اختلف رأيه مع آراء غيره من المجتهدين .
ولما كانت مجموعة العلوم والمعارف القديمة محدودة فقد كان فى وسع طالب العلم ان يكون موسوعيا اذا استطاع ورغب فى ذلك . فالى جانب اختصاصه فى العلوم الدينية كان يمكنه الغوص فى الفلسفة أو التاريخ أو الادب أو الرياضيات مثلا .
ولما دب الضعف والانحلال في المجتمعات الاسلامية اغلقت ابواب الفكر والعقول في وجه ما يدعى بالعلوم الدنيوية واقتصر الاجتهاد على العلوم الدينية . واصبحت الحياة الفكرية الاسلامية راكدة تقريبا بينما سار الغرب فى حقول العلوم المضبوطة والاكتشافات الجغرافية بخطى حثيثة . ولم يعد المسلمون يعنون بما يجرى فى الغرب من تقدم واستعداد الامر الذي أدى الى استيلاء الغرب على معظم اقطار العالم الاسلامى نتيجة لما انتشر فى العالم الاسلامي من انقسامات وما سادها من استبداد وعدم استعداد .
وفي عصور التخلف هذه منى البعض من العلماء المجتهدين بالعزلة والانكباب على الدرس والعبادة على الكثر . فلم يتصلوا اتصالا كافيا بالشعوب ولا بالحياة المعاصرة داخل العالم الاسلامى وخارجه ليطلعوا على
مشاكل الانسان المسلم وما يعانيه من مشاكل عقائدية واخلاقية واقتصادية واجتماعية . وما يحيط به من اخطار خارجية . انتشر فى العديد من الاقطار الاسلامية الاستبداد والفساد فى نظم الحكم وانفصال بين الدين والدولة . وبين الشباب والايمان ( كنتيجة للثقافة العلمانية ) وحصل تساؤل وتضارب بين ما يدعو اليه علماء الدين وبين التطبيق الواقعي في حياة الناس عامة . والكثيرون يعيشون هذا التناقض فى عصرنا هذا .
حاجتنا الى اجتهاد جديد : قبل الحديث عن تكوين المجتهد المطلوب للعصر الجديد . يجدر بنا ان نستعرض المبادئ الاساسية التى تقودنا فى حياتنا الاسلامية الجديدة والتي لا بد من اخذها بعين الاعتبار فى تكوين المجتهد الجديد :
(1) ان الدين الاسلامي وهو دين الله الخالد دين شمولى يتناول حياة الانسان ( كفرد وكجماعة ) من كل جوانبها . انه دين يربط الحياة الدنيا بالآخرة . انه يدعو الى الآخرة ولكنه لا يهمل الدنيا " وانتغ فيما آتيك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ... " ( القصص 77 ) ولذلك فهو لا يقتصر على العقائد والعبادات بل يشمل ايضا حياة الانسان الصحية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والابداعية والاخلاقية والوطنية والدول الخ . فالمطلوب من المجتهدين ان يرشدوا ويوجهوا الانسان المسلم في شؤون حياته كلها .
( 2 ) ان الدين الاسلامي وهو دين الله الخالد جاء لبني الانسان في كل مكان . وتعاليمه المتضمنة فى القرآن الكريم والسنة النسوية الشريفة صالحة لكن الازمان . ولكن تطبيقا على الحياة والظروف واللازمنة والامكنة المتغيرة والمتطورة تتطلب تطويرا فى التطبيق . التعاليم الدينية ثابتة ولكن الظروف الكونية والحياتية دائمة التغير ولا سيما بعد تطبيق الاكتشافات العلمية والاختراعات الحديثة على حياة الانسان المعاصر . ولذلك فيصبح لزاما على المجتهد ان يلم بالعوامل التى تؤدى الى تغيير الظروف ويقدر نتائجها فيصدر احكاما تلائم الموقف الجديد .
( 3 ) لما كانت كل العلوم وكل الاكتشافات والمخترعات تدل على عظمة الخالق وهى من نعم الله التى لا تحصى على الانسان فانها تدعم في نفس الانسان المؤمن ايمانه بالله تعالى والاعتراف بكل تواضع وخشوع بعلم الله وقدرته وارادته . فكل العلوم وكل المخترعات لها فى نظرنا صفة دينية .
فهي قد تصبح من علوم العقائد حقا إذا ما احسن توجيهها دينيا . ولذلك فلا يصح فى نظرنا تقسيم العلوم الى علوم دينية وعلوم دنيوية فالعلوم كلها دينية . والتقنيات كلها دينية ، وآيات الله سبحانه وتعالى تتجلى فى علوم الدين والدنيا على السواء . ألم يقل سبحانه وتعالى : " ستريهم آياتنا فى الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " ( فصلت 53 ) إذن فالعالم الديني مؤهل لان يدرس علوم الدنيا والدين على السواء ، كما ان العالمين بعلوم الدنيا فى وسعهم ان يدرسوا العلوم الدينية . كل العلوم وكل الفنون والمخترعات هى منح الهية للانسان فهى دينية .
( 4 ) لما كانت البحوث العلمية والتطبيقية قد بلغت درجة عالية من الضبط والدقلة والتوسع والتفرع لم يعد فى وسع اى انسان مهما بلغ من الذكاء وسعة الاستيعاب ان يلم باكثر من فرع من العلوم . . ولذلك قاعداد المجتهد يتطلب دراسة عامة واسعة فى العلوم لرؤية الكل . ثم الشروع فى التخصص . ولما كانت مرحلة التخصص هى مرحلة الاعداد للاجتهاد يترتب على ذلك تعدد المجتهدين الاخصائيين فى شتى العلوم الدينية والدنيوية . ويستحسن ان يقرن المجتهد فى العلوم الدينية اجتهاده باختصاص آخر كالرياضيات او النبات او التاريخ الى غير ذلك او بمهنة كالطب او الفلاحة او الاقتصاد الى غير ذلك ..
(5) لما كان الاسلام يدعو المسلم الى طلب العلم " ولو بالصين " ويعتبر "الحكمة ضالة المؤمن التقطها انى وجدها " يترتب على طالب الاجتهاد ان يكون متفتحا على العالم ولا سيما فيما يتعلق باختصاصه فى العلوم الدينية أو العلوم الدقيقة : فيتعرف على النشاط الذى يمارسه ابناء سائر الاديان . كما يتعرف على احوال المسلمين وشؤونهم فى سائر الاقطار الاسلامية . وهذا يتطلب اتقان لغات أجنبية واحدة على الاقل الى جانب اتقان العربية .
(6) من المستحسن جدا فى نظرنا ان يكون طالب الاجتهاد ممن زاولو ( أو يزاولون ) ناحية من نواحي الحياة العملية التى تتصل بشؤون كسب المعاش : كاشتغال فى معمل أو اشتغال فى حقل كما فعل الامام على بن طالب او اشتغال فى متجر كما فعل الامام ابو حنيفة . فالمفروض فى المجتهد ان تكون له خبرة مباشرة بالحياة العامة مطلعا على مشاكل الحياة وسلوك الانسان . يفكر في سبل تعديل هذا السلوك ان كان معوجا ويشجعه ان كان مستقيما .
فالمجتهد ينبغي أن يكون رجل دنيا ودين فى الوقت ذاته
( 7 ) المفروض في المجتهد ان يكون ملما باحوال أمته وما تحويه من امكانات عظيمة ينبغى ان تستثمر وتوجه نحو الخير من جهة وما تعانى منه من جهل وتخلف وفساد واستبداد من الجهة الاخرى . وذلك يتطلب من أبناء الشعب نفهما جديدا لحقائق الدين الحنيف وتعاليم القرآن الكريم والسنة الشريفة . فالقرآن والسنة يدعووان المسلمين الى الوحدة والى القوة والى العلم والى العمل الصالح مع التحلى بروح الاخاء والعدل والانصاف والرحمة . والمهمة التى يتعهدها المجتهد هى حمل المسلمين على أن يعيشوا دينهم فعلا وتطبيقا . وأداء هذه المهمة يتطلب الالمام بقواعد التربية .
( 8 ) والى جانب معرفة المجتهد باحوال أمته يجدر به ان يتعرف على مواطن القوة والضعف فى المدنيات الاخرى فمدنية الغرب مثلا فيها من عناصر القوة فى الاسلوب العلمي وفي الاختراع ما ينبغى الحصول عليه والعمل به . ولكن العلم والاختراع وما حققاه فى الغرب من انجازات فى حقول غزو الفضاء ونفجير الذرة والعقول الالكترونية والاوتومية فى الصناعة والهندسة البيلوجية وما تشتمل عليه من تلاعب بالوراثيات ( الجينات ) وطفل الانبوب الزجاجى وزرع الاعضاء فى جسم الانسان وتعريف الموت والحياة كل هذه الانجازات العلمية خلقت للانسان المعاصر مشاكل واخطارا اجتماعية الى جانب المنافع الممكنة . وعماء الدين والاخلاق والتشريع فى الغرب لم يتوصلوا بعد الى حلول ناجطة للعديد من المشاكل والاخطار المحدقة بالانسانية . وهى تتطلب من المجتهد المسلم فى عصرنا هذا ان يكون مطلعا بصورة مباشرة على المسائل هذه والمشاكل التى تنجم عنها ليجد الحلول الاسلامية الناجعة لها .
(9) نظرا لتعقد الحياة العصرية وتنوع المشاكل واتساع العلوم وتطبيقاتها على الحياة اصبح من الضرورى ان يتخصص المجتهد فى حقل واحد من حقول المعرفة . وان يتنوع المجتهدون وفق الاختصاص وان يصبح الاجتهاد عملا تعاونيا بعد ان كان فرديا وان تؤسس مجالس اجتهاد يحضرها مجتهدون من شتى الاختصاصات . فلم يعد فى وسع المجتهد الواحد ان يلم بكل علوم الدنيا والدين ويجد الحلول لكل مشاكل الانسان فى هذا الزمان . (10) نستخلص من كل ما مر اعلاه ان العالم الاسلامي اليوم هو فى امس الحاجة إلى قيادة دينية حكيمة قيادة تتصف بالتقوى والعلم ( علوم الدنيا والدين ) والحكمة والشجاعة في الافصاح عن الرأى والقدوة الصالحة . وهذا ما يجب ان يحسب له الحساب فى تكوين المجتهد فى عصرنا .
المقترحات
أ - تكوين المجتهدين :
ان بروز المتهدين المجددين العظام نادر فى التاريخ وهو منحه الهية ولا شك . فقد كان المجتهد فى ما مضى يبزغ فى بيئته بصورة طبيعية تلقائية من دون اى تخطيط أو قصد من قبل المجتمع الذي ينبت فيه . و كان الاجتهاد مقتصرا على العلوم الدينية غالبا . أما اليوم وقد اشتدت الحاجة إلى العدد الوافر من المجتهدين على اتساع العالم الاسلامى فنحن ندعو الى تشجيع بروز المجتهدين باعداد كافية كما تدعو الى الاجتهاد فى علوم الدنيا و الدين على السواء . وها نحن فيما يلى نشير الى بعض الاسس المقترحة لتكوين المجتهد :
( 1 ) ان يكون قد نشأ على الايمان والتقوى . ( 2 ) ان يكون قد نشأ على حب العلم والتواضع امام الحق والحقيقة فلا يخضع لمؤثرات ذاتية او خارجية تزيغه عن الحق والحقيقة . ( 3 ) ان يتحلى بالصبر فلا يكون سريع الهياج والانفعال ولا سيما ازاء غير المسلمين أو الذين يختلفون معه فى الرأى . ( 4 ) ان يكون داعيا وعاملا لوحدة المسلمين رافضا التمذهب والتعصب للذين يسببان الانشط بين المسلمين . ( 5 ) ان يكون قد درس واحدا من العلوم المضبوطة ( دراسة معمقه ) على الاقل إذا كان اجتهاده في علوم الدين وان يدرس العلوم الدينية اذا كان اجتهاده في العلوم الدنيوية . ونقترح ان يكون درس الصحة مطلوبا من الجميع .
( 6 ) ان يتقن لغة اجنبية واحدة على الاقل الى جانب اتقانه العربية . ( 7 ) ان يكون قد مارس ( او يمارس ) خدمة عملية فى الحياة كعامل او مزارع او تاجر أو طبيب أو محام الى غير ذلك . . ممارسة التعاون مع الآخرين فى التنظيم والقيادة . (9)ان يكون شجاعا في دفاعه عن الحق والاصداع برأيه . ( 10 ) ان يكون مفكرا واقعيا فى حياته حكيما فى تصرفاته صادقا فى وعوده ومواعيده وتحمل مسؤولياته .
ب - مجمع المجتهدين : تقترح انشاء مجمع علمي رفيع المستوى يدعى "مجمع المجهتدين " ينتمى اليه البارزون الممتازون من خريجى الجامعات ممن عرفوا بصدق العقيدة وتقوى الله . ويرغبون فى تكريس اوقاتهم كلها او جلها لخدمة الشريعة الاسلامية . اشخاص ليست لديهم اطماع مادية او سياسية ويعتبرون انتماءهم لهذا المجمع اسمى ما يطمحون اليه فى هذه الحياة . الحد الادنى للمستوى العلمي المطلوب للانتماء لهذا المجمع هو"دكتوراه الدولة " او ما يعادلها او البروز فى العبقرية والانتاج بدرجة لا تقل ان لم تفق حملة دكتوراه الدولة .
ان الانتماء لهذا المجمع يكون مدى الحياة . البحث العلمي والانتاج الفكرى فيه حر ومستمر . تهيأ للعضو فيه الوسائل والفرص للدرس والبحث والسفر فى سبيل الاتصال بمراكز البحث والتحرى فى العالم وتحلب الكتب والوثائق والوسائل الآلية التى يتطلبها الباحث .
البحث والدرس والتدريس فى المجمع لا يقيد بزمن فهو مستمر وللمجتهد ان ينظم اوقات درسه وتدريسه كما ينظم اللقاءات مع زملائه او طلابه حسب مواعيد متفق عليها بكل حرية . فالدرس والتدريس في المجمع حران فلا امتحانات ولا شهادات . درس وبحث وانتاج حر . المجتهدون يحاضرون وينشرون فى حقول اختصاصاتهم المتنوعة فيحققون الاشعاع الفكرى والديني للعالم الاسلامى كله . ان عالمنا الاسلامي لفي أمس الحاجة اليوم الى العديد من " مجامع المجتهدين " فى شتى أنحاء المعمورة . ومتى تعددت هذه المجامع فى شتى انحاء العالم الاسلامى فيمكن اذذاك التعاون فيما بينها وتبادل الزيارات فيما بين اعضائها .
ج - مجلس شورى المجتهدين : لم يعد الاجتهاد الفردى فى نظرنا كافيا لمجابهة قضايا العصر التى يعيشها العالم الاسلامى بل لا بد من شورى بين ذوى الرأي من المجهتدين . فالله سبحانه خاطب نبينا ( عليه الصلاة والسلام ) بقوله "...وشاورهم فى الامر . . ." (آل عمران 159 ) .
لما قال تعالى فى وصف المؤمنين " وأمرهم شورى بينهم " (الشورى38) . فالشورى ينبغي ان تمارس فى كل نواحى الحياة الاسلامية بما فى ذلك الشؤون العلمية والدينية . ولذلك فنحن نقترح تأسيس مجلس شورى
اسلامي يضم ابرز المجتهدين فى فروع الحياة المختلفة . نذكر على سبيل المثال لا الحصر الاختصاصات المالية :
المجتهدين فى العلوم الدينية . المجتهدين فى الاقتصاد والسياسة والادارة . المجتهدين فى الشؤون الدولية والدفاعية . المجتهدين فى التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع . المجتهدين فى علوم الحياة والطب وعلم البيئة . المجتهدين فى الرياضيات والفلك والهندسة . المجتهدين فى الفيزياء والكيمياء وطبقات الارض . المجتهدين فى الزراعة والصناعة والتجارة .
ان مجلسا كهذا يضم ابرز العلماء المجتهدين فى العالم الاسلامي يكون بمثابة الدماغ المفكر والموجه لحياة المسلمين . ان العالم الاسلامي في أمس الحاجة اليوم الى توحيد الفكر وتوحيد الاتجاه والسير الى الامام بشكل حركى نام . ونرجو ان تصبح لغة المجتهدين ( أفكارهم وأفعالهم ) منسجمة مع روح العصر ومتطلباته بحيث تنتهى القطيعة وتزول الفجوة بين حملة العلوم الدينية وحملة العلوم الدنيوية فالكل يحبون علماء دنيا ودين فى الوقت ذاته .
ونحن مع ابداء اجلالنا وتعظيمنا للائمة المجتهدين من السلف رضي الله كبنهم جميعا وحازاهم أجزل الجزاء على ما أسدوه من خدمات للدين كانت ثلاثم عصورهم . فانا ندعو اليوم الى تكوين جديد للمجتهدين تكوين يواكب متطلبات العصر الثقيلة . نحن فى أمس الحاجة الى مجتهدين يشخصون الداء ويصفون الدواء للمجتمع الاسلامي من جهة . ويخططون ويرشدون لتحقيق مجتمع اسلامي جديد قوى يتسلح بالايمان والفضيلة وعلوم الدنيا والدين والعمل الصالح .
من الجهة الاخرى . أختم تاليا البيتين المشهورين :
لسنا وان احسابنا كرمت يوما على الآباء نتكل
نبنى كما كانت اوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا

