اعتقد انه ليس مين اليسير ان يحاول كاتب تخيل هذه الملامح . . . فى صورتها الحقيقية . . كما يهدف اليه هذا الاستفتاء
لاني اعتقد ان ملامح مستقبل الامة العربية . . او المستقبل العربى - على حسب تعبير الاستفتاء - انما يمكن تمييزها او تحديدها متى امكن تمييز او تحديد مختلف العوامل . . او بعبارة اخرى متى امكن تمييز او تحديد ما يصح ان نسميه " المقدمات ، التى لا بد ان تكون هي وحدها الوسيلة إلى تخيل ، ملامح هذا المستقبل المرتقب !
فلننظر - اولا الى حاضر امتنا العربية . . اعني إلى ما يدور فى محيطها من احداث سواء فى مجال السياسة ، او فى مجال الفكر . او مجال الاقتصاد
فى مجال السياسة لا يزال العرب
يعيشون كفاحهم القومي العنيف مع الاستعمار من ناحية . . واسرائيل من ناحية اخرى . .
وفي مجال الفكر لا تزال رواسب الاستعمار - مع بالغ الإسف - تغزو اكثر اوساطنا العربية سواء فى ميادين التقنين والتشريع . . أو ميادين الثقافة والتربية والتعليم
وفي مجال الاقتصاد . . ما زالت حياة معظم الشعوب العربية بدائية . . على رغم ما يبدو فى بعض قطاعاتها من تطور ، أو من تحفز لا يكاد يذكر فى ميدان الانتاج والتصنيع !
فالحكم اذن . . على ملامح المستقبل العربى انما يكون اقرب الى الصواب عندما نتبين أى خط سير . . سير نمضى فيه قدما بالنسبة لكل هذه المجالات !
نعم اذا ما عرفنا ان كفاحنا السياسي مع مختلف القوى الرهيبة المناوئة لنا سوف
يستقر على اسس اقوى واوضح مما هي عليه الآن !
فانه - من غير شك - لا يمكن ان نقول ان مجرد كفاحنا - على ما فيه من مواطن ضعف - يكفي لوصولنا إلى الغاية المنشودة . . ما لم يتركز هذا الكفاح اولا وقبل كل شئ على دعائم أمتن وأرسخ . . من صدق النيات ، وصفاء النفوس واتحاد الكلمة . ثم ماذا ؟ ثم الحرص على اعداد القوة - كما ينبغي ان تكون القوة ! - ثم يتبع ذلك او يصحب ذلك ثبات الى نهاية الشوط فى وجه الاعداء المتكالبين :
وفي المجال الفكري . . غير خاف على كل ذى بصيرة ان لا بد لنا من أجل ان يكون كفاحنا مثمرا . . لا بد من ان نتحرر تحرروا من كل اثر من آثار الاستعمار الثقافي . بما فى ذلك استعمار الأنظمة والقوانين !
واخيرا : وفي مجال الاقتصاد ، من الواضح اننا اذا لم نعمل على أن نبني حياتنا الاقتصادية ، وشعارنا في ذلك الرغبة الجادة في ان نصل إلى درجة من الاكتفاء ، الذاتي لا تجعلنا نظل باقين - كما
نحن الآن - عالة على ما يجيئنا ، من غرب او من شرق . . فانه من المحال ان ننتظر لعالمنا العربى ما نرجوه له من تقدم حقيقي يمكن ان يتيح له ازدهار في المستقبل بحيث يغدو هذا المستقبل شيئا آخر يختلف عن الحاضر . . كل الاختلاف
من البدهى ان حجر اساس تطور الامة العربية عامة . . ووصولها الى درجة اكتفائها الذاتي المرغوب . . انما هو ما يجمع عليه الكل - ولا يختلف حوله اثنان - انما هو " التصنيع " !
فإذا امكن تحقيق كل هذه المقدمات . . - وهو ما نأمله ونرجوه في ايمان وفي ثقة وفي حرص كاشد ما يكون الحرص . . اذا امكن تحقيق ذلك . . امكننا ان نقول فرحين مستبشرين : ان ملامح المستقبل العربى سوف نراها ان شاء الله ، أو يراها من سياتي بعدنا حتما ، ملامح امة ماجدة قوية مستقلة واقعيا . . امة تحكم نفسها ، وتكفى نفسها . . . يحيى فيها المواطنون جميعا - ولا اقول يعيشون ! - فى ظل عدالة اجتماعية شاملة وسعادة ورفاهية واطمئنان دون ان يسيطر عليهم دخيل من الامم ، أو دخيل من مختلف العقائد والمذاهب والنظريات
ونسأل الله ان يحقق الآمال
رأى
ذلك هو الموضوع الذي رغبت مجلة المنهل في ان تجمع آراء الكتاب عنه وانا من بينهم وبشرط ان لا تزيد الاجابة عن " مقدار " صفحتين من المنهل . .
لقد فكرت كثيرا في هذه الملامح وتخيلتها ، وجمعت جميع ما في خاطرى من صور لواقع الامة العربية في السنوات الاخيرة منذ قيام
حرب فلسطين ثم ثورة مصر ، وثورة العراق ، الى الايام الكالحة التى تمر بها الامة العربية ليس مهددة في سلامتها بل منهارة في سمعتها وكرامتها وذلك بسبب السهم الطائش المسموم الذي اطلق على الكويت ليغتاله .
لقد جمعت خواطري من صور ذلك الواقع وما جد في غضون هذه الفترة من تقلبات ومد وجزر واتجاهات واضحة الاهداف تارة وغامضة فى اغلب الاحيان . وما نشأ من مذاهب وتطورات في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما ترتب على ذلك من صداقات وعداوات واصطدامات فى داخل محيط الامة العربية وخارجه وانتهيت بعد تقليب وجوه كل ذلك الى ما ينتهى اليه الغارق فى كابوس مخيف وليس له من مفزع الا ان يستيقظ من حلمه المرعب المخيف . ويفزع الى طمس معالم تلك الصورة التى جثمت على قلبه وعقله وانتقلت بخياله الى اودية من الرعب والفزع .
ولقد تصورت هذه الملامح تجمع في خيالى هيئة لمخلوق غير واضح الصورة مشوه الاطراف يمشى على الشوك وهو يرسف فى اغلاله . ولا يكاد يتحرك حركة مستقيمة حتى يتعثر فى مزالق يكبو فيها ثم لا ينتفض مستقيما حتى يعاود كبواته فى نفس المزالق . ومن العجيب انه لا يكاد يبدو على هذا المخلوق البائس انه قد احس بما لحق به . فهو كما يبدو ممن في غروره يتعثر ما يتعثر ثم لا يحاول ان يغير خط سيره .
ولست في هذا مغاليا ولا متشائما ولكنى فتحت طاقة من خيالي على كل بلد عربي لأحصى فى نفسى جميع ما سمعت وقرأت او ما عرفت وخبرت وما يترتب على ذلك فكان الخيال صورة مزعجة فزعت منها بالبعد عنها ولو اردت متابعة توضيح
ما ذكرت وعرض اسبابه ونتائجه وظروفه لضاقت به جميع صفحات المنهل كما يضيق به صدرى ولذلك فقد رأيت ان اطور السؤال الى شئ اخر لعله ايسر منه ادراكا واكثر اشراقا بالنسبة لى وللقارئ وهو :
" ما هى الصورة التى اتمنى ان تكون عليها الامة العربية في مستقبلها ؟ "
وتحت هذا العنوان وباختصار كما يريد صاحب المنهل يمكنني ان ارسم خطوطا ان لم تعط صورة كاملة واضحة فانها ولا شك سترسم ملامح هذه الصورة كما احب وكما اتخيلها .
اما الخط الاول - وهو بمثابة الروح
فهو العقل الموجه والمفكر الذي يرسم الاهداف ويخط الطريق ، وهو الحكومات العربية وتمثل النواة في قلب الدائرة وصميمها تحيط بها هالة من العلماء ورجال الفكر والمال والعمل .
وفي هذا الخط اتمني ان تبقى حكومة ، كل بلد حاكمة مطمئنة على سلطانها ونفوذها فى مجتمعها الخاص بها كما يطمئن كل صاحب منزل على سلطانه داخل منزله وبين افراد اسرته ويأمن بوائق جاره ، بل يحس بأن جاره هذا بمثابة الصديق الذي يحفظ غيبته ويكرم ثقته ويحمى حقوقه ، ويمنعه من كل ما يمنع منه نفسه وعرضه وماله وكل عزيز عليه ومتى ارتبطت قلوب الحكام بمثل هذا الرباط فان التفاهم والتعاون سيتم بينهم على اساس من الصراحة المكشوفة والواقع الطبعي بالنسبة لظروف كل حاكم وما يحكم والاحوال التى يعيش فيها . وسيتم في هذا الوضع تبادل النصائح وقبولها وتنشأ وحدة مامونة العواقب قوية الاركان بين اطراف الجسم الواحد الذي يطلقون عليه الامة العربية والبلاد العربية - وحدة قوامها المصلحة المشتركة والاهداف
المشتركة والعواطف الصادقة الصريحة الامينة .
اما العلماء ورجال الفكر - فاتمنى ان تتوافر لهم صفات الطموح والامانة - فلا يقفلوا عقولهم وقلوبهم على أفكار معينة ولا علوم محدودة ولا اهداف ضيقة ولكن يجاروا تيار الفكر العالمي في العلوم والمعارف والفنون والآراء ثم بعد ذلك يكونون أمناء على أداء رسالتهم العلمية والفكرية التى يبلغ بهم اليها ذلك الطموح المتحفز .
وان يمحض رجال المال والاعمال مجتمعاتهم النصح بحيث يقدمون المصلحة العامة على مصالحهم الخاصة ويوجهون جميع طاقاتهم المالية والعملية ونشاطهم في سبيل خلق مجتمع عامل قوى غني يشعر بالمسؤولية العامة ويحرص على ادائها - ان المجتمع العربي بحاجة إلى التمسك بهذا المبدأ وهو ان يؤدى كل انسان العمل المطلوب منه اداء كاملا وفي وقته من غير ان يحتاج الى مراقبة خارجية . وان يكون الرقيب بالنسبة لكل فرد فى واجباته العامة هو ضميره وحده .
أما الخط الثاني - وهو بمثابة الهيئة الخارجية :
وهو الشعوب العربية - فاتمنى ان ينتشر بين افرادها التعليم حتى لا يوجد فيها جاهل وان يرتب لها غذاء دسم من العلوم والمعارف باسلوب يحبب لها قراءته والاخذ به ليعرف كل فرد من افراد هذه الشعوب تاريخه والادوار التى مر بها والمثل الحية السامية التى تعكس امجاده وترسم له الطريق الى المستقبل السعيد . ويعرف الحقوق التى يجب ان تؤدى له والواجبات التى يجب ان يؤديها لغيره .
اما الخط الثالث - وهو بمثابة العقيدة :
فهو ان نطرح جميع النداءات والمذاهب كالقومية والاشتراكية وخلاف ذلك لانها لا ترتكز إلى سند من تاريخ الامة العربية . ونتشبت بنداء الجامعة الاسلامية لانها السند الحقيقي الذي جعل من الامة العربية تاريخا وحضارة وعلما وفنا ومجدا ولهذه الجامعة رمز خالد لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الكعبة وحصن تتحصن به وقلعة تحتمي بها وهي البلاد المقدسة كما انها ذات نظام خالد يحفظها ويقيمها على سنن متين وهو الآذان والشعائر الدينية . ولها مؤتمر دائم وهو الحج ومتى تنظمت العلاقات وصدرت عن هذا المصدر فانها ستعم بخيرها العرب جميعا مسلمين ومسيحيين ويتصل سندها ودعمها وقوتها بجميع الشعوب الاسلامية عربية كانت او غير عربية .
ان الملامح التي تنم عليها هذه الصورة هي الملامح التى استطيع ان اتخيلها مشرقة واتمنى ان تتحقق للامة العربية وان ينم عليها مستقبلها .
رأى
إذا كنت في غرفتي المعدة للراحة والاستجمام وكانت النوافذ المطلة على الشارع ينساب منها النور الساطع ، ومع شعورى بالراحة واللذة والاطمئنان احس فى قرارة نفسي بشئ جديد وهو شمول المتعة التى تجاوزت حدود غرفتى الصغيرة الى ماوراء الاستمتاع باللذة من وراء النوافذ التى يتدفق منها الضياء وهذا النور الوافد من الخارج الى داخل الغرفة دليل على ان ماوراء الغرفة عالم اوسع بما يحتويه من ذخائر متعددة فى الالوان والاساليب والمناهج
فى العيش والفكر والحضارة . وهذه التباشير التى نسميها " النور " الوافدة من الشمس الى داخل الغرفة هي صورة تقريبا لطلائع التطور التى بدت فى " محيطنا العربي " فالطلائع التى تبشر بالخير تظهر اول ماتظهر فى " النهضة الشاملة " ومن المسلم به ان هذه النهضة قد شملت التعليم بسائر درجاته وطبقاته حتى عم كافة قطاعات الشعوب العربية ، والاقبال من ابناء الشعب العربي على التعليم متوفر الى حد بعيد ، بدليل ان الدول العربية قد اكثرت من انشاء الجامعات العلمية داخل بلادها بعد الانتهاء من تعميم المدارس الابتدائية والثانوية للبنين والبنات . بالاضافة إلى نشر المعاهد التربوية والزراعية والصناعية ، وهذا دليل واضح على اهتمام ولاة الامور فى الدول العربية بتعليم شعوبها بكافة وسائل الترغيب في الداخل والخارج ، ومن المؤكد ان نهضة التعليم في البلاد العربية تواكبها وثبات اخرى فى يقظة الوعى السياسي والفكرى والحضارة ، وقد نجحت بعض المحاولات التى اتخذت بوساطة " مجلس الجامعة " لتقريب وجهات النظر وتوحيد الاتجاهات وتوسيع طاقات التعاون والتآلف لتجميع القوى داخل وحدة متكاملة من التضامن الجماعي للوقوف صفا واحدا امام التيار الاستعماري الجارف ، وهذه بوادر طيبة تبشر بالنتائج الحسنة حينما تكتمل اسباب النجاح الشامل فى المستقبل القريب ان شاء الله .
وكل حكومة او امة تعمل جادة في سبيل تطوير بلادها هى امة ناجحة ، إذا كان الجهد الذى تبذله فى صالح الشعب قائما على اساس من الاحكام والتنظيم ، ولافائدة من الارتجال الذي يؤدى الى الفشل الذريع والتأخر الشنيع
ونحن كبلد عربي داخل ضمن نطاق المحيط العربي نشاهد في بلادنا كآثر من آثار حكومتنا الناهضة هذا المجلس الذي يسمى " مجلس التخطيط الاعلى " ، ومهمه هذا المجلس هو رسم المخططات لكافة مشروعات الحكومة والشعب بعد دراسة مشبعة وتمحيص دقيق للمقدمات والوسائل والنتائج لكل مشروع ، ومن ثم يبدأ التنفيذ على اساس الدراسة الواعية ، وهذا هو مانؤمله فى هذا المجلس حين نرجو على يديه تحقيق كثير من مشروعات بلادنا فى شتى المرافق والمطالب التى نحتاج اليها باعتبار انا أمة ذات مجد مؤثل ومض مشرق وتاريخ عريق فى العلم والحضارة
والواقع ان مجلس التخطيط بقدر حاجة البلاد الى وجوده لأهميته القصوى ، نرى اننا فى امس الحاجة الى وجود مجلس اخر يدعى " مجلس الاحصاء يقوم بجانب مجلس التخطيط ، لان رسم اى مشروع من المشروعات تحتاج اليه بلادنا ينبغى ان يكون مسبوقا بدراسة " احصائية " تتناول صلب المشروع بالنسبة لطاقة البلاد ومبلغ تحديد هذه الطاقة - استيعابا واستهلاكا - طبقا لواقع الاقتصاد المحلى ، وعلى قدر حاجة السكان ، وبعد استكمال دراسة الاحصاء يبدأ مجلس التخطيط في وضع المخططات اللازمة لرسم كيفية التنفيذ وتأمين موارد الصرف وتقديم الاهم على المهم .
والشعب السعودي يهتف من اعماقه بحرارة الاخلاص لمليكه وحكومته الرشيدة وفي صدى هذا الهتاف اثر القناعة بان وجود مجلس التخطيط كان محل الاهتمام والاعتبار من جميع طبقات الشعب . ولكن الشئ الذي يبقى لتدعيم هذا المجلس هو ان تعنى الدولة عناية خاصة بانشاء مجلس آخر يسمى مجلس الاحصاء لعلاقته بالمجلس
الاول علاقة طبعية وفنية وتاسيسية ولأن كلا المجلسين متمم للاخر . وعندي ان وجودهما ضرورة بل اكثر من ضرورة لازمة ، لان بلادنا بحكم نهضتها الفتية مقبلة على قيام كثير من المشروعات الحيوية ويحسن قبل تنفيذها ان تأخذ طريقها المرسوم إلى هذين المجلسين لتدعيم المخططات بالدراسات التى تكفل نجاح التنفيذ وتضمن حسن العاقبة لاموال الدولة التى تصرف في هذا السبيل ، والعمل النافع - وهو الذي يسبقه الدرس والتمحيص - خير من الجهد الضائع الذي يذهب بالنفس والنفيس
هذه هي طلائع النهضة الشاملة التى تبدو فى بلادنا خاصة وفي البلاد العربية عامة في الوقت الحاضر ، وهي في ملامحها المتفتحة بالوعى والحركة والتوثب اشبه ما تكون " بالفضاء الذي غمر بتباشيره فضاء غرفتي وهذه التباشير هي صورة . النهضة التى غمرت " المحيط العربي " واقعا ملموسا فى شكل " طلائع " وخيالا مانوسا فى صورة " ملامح " وهذه هي ملامح المستقبل كما اتخيلها تتدفق في الوطن العربى وثبة عارمة ووعيا متفتحا " وتنساب فى . غرفتي " نورا . . وراحة . . واطمئنانا " وما اكثر صدق الخيال في دنيا الواقع الملموس . . والواقع هو مرآة المستقبل . وسيكون المستقبل العربي ان شاء الله صورة حقيقية لهذا الواقع المتفتح وسيكون حافلا بالانتصارات الحاسمة في شتى ميادين العلم والعمران والاقتصاد والصناعة والزراعة والحرب والسياسة . وهذا ما نؤمله لبلادنا والشعوب العربية . حقق الله الآمال ووفق المخلصين لما فيه الخير والعزة والكرامة لمستقبل الوطن العزيز والشعب العربي الناهض
رأى
المستقبل ذلك الجنين المكنون في احشاء الحياة المخبوء في حنايا الأيام ، ما الذ الحديث عنه وما امتع التفكير فيه وما احسن التطلع اليه . يستوي في ذلك الفرد والجماعة والشعوب . . والاستاذ الانصاري يحلو له بين كل آونة واخرى ان يرفع الستار ويكشف الحجب عما وراء الفكر العربى من مشاعر واحاسيس وآمال وامانى تنبعث اشعتها من خلال الشعور بالواقع المتحرك والاحساس بالحاضر الواعي لسير الإمة العربية في طريقها الصاعد الى الحرية والمجد والعزة والسيادة .
ولكن السؤال مجمل فهل يريد الاجابة عن المستقبل الاقتصادى او المستقبل الثفافى او المستقبل السياسي او المستقبل الاجتماعي لامتنا العربية ؟ ! اغلب الظن أن السؤال يتطلب الاجابة عن كل هذه النواحي من البناء الحضاري لحياة العرب . . فأقول :
ان الامة القوية سياسيا هي الغنية اقتصاديا وهي بالتالي المتقدمة ثقافيا - وانا اقصد بالثقافة هنا معناها الواسع العملي والنظرى وهى فى النهاية المتحضرة اجتماعيا أشياء يرتبط بعضها ببعض اذا اختل منها جزء اختل الكل .
ولنا ان نسأل الآن : ما هو نصيب الامة العربية في حاضرها الراهن من كل هذه الأشياء ؟ لان المستقبل نتاج الحاضر في كل شئ اعتقد ان الكلمة الصريحة فى هذا المجال أفيد من الكلمة المليحة على كل حال .
نحن ضعفاء من حيث القوة السياسية ( . . هذا إذا كانت القوة تعنى في القاموس السياسي : ) الاسطول والصاروخ والذرة (
- اما إذا كانت القوة ليس لها هذا المدلول السياسي فنحن - واقولها بكل فخر - اقوياء بايماننا اقوياء بعروبتنا اقوياء باتحادنا . .
لقد وعينا ذاتيتنا وادركنا مصالحنا وشعرنا باهميتنا واصبحنا من أجل ذلك كله قوة عظيمة يحسب لها كل حساب فى ميزان القوى الدولي ومجال الصراع العالمي
ونحن فقراء ) اقتصاديا ( اذا كان الغني يعنى فى مصطلح ) اساطين الاقتصاد ( هدير الآلات الصناعية ، وصرير الدواليب الزراعية . . أما إذا كان الغني الاقتصادي ليس له هذا المدلول الضيق فنحن واقولها بكل فخر ايضا - اغنياء إلى درجة التخمة بما تنطوى عليه أرضنا من ثروات ومعادن سائلة وجامدة ، وبما يمتاز به موقعنا الجغرافي من استراتيجية عالمية تجعل منا همزة وصل بين الشرق والغرب ، فاذا استطعنا ان نسلط اضواء الكشف العلمي على المخبآت الطبعية وأخضعنا جهازنا الاقتصادى لقانون التخطيط الفني المنظم فان بلادنا العربية حرية ان تاخذ مكانها الرفيع بين كبريات بلدان العالم الصناعية والزراعية .
ونحن ) جهلاء ( ثقافيا - اذا كانت الثقافة تعنى في مدلولها العلمي السيطرة على نواميس الطبيعة وتسخيرها لخدمة الانسان . . أما إذا كان هذا بعض مدلول الثقافة : فنحن - واقولها بكل زهو فى مقدمة الامم - زكانة وفطانة لما ينطوى عليه العقل العربي من ذكاء فطرى ولقانة ذاتية تنقدح لأول شرارة تحتك بها من نور العلم او فنون المعرفة فتتوهج وتتالق ولكنها مع الاسف لاتجد الرعاية الشاملة ولا العناية السابقة التى تجعل منها مصباحا وهاجا ومنارا كاشفا .
ونحن متاخرون اجتماعيا - اذا كان التقدم الاجتماعى يعنى في معجم ) الحضارة ( الملاهى والمسارح ، اما إذا كان التقدم الاجتماعى يعنى شيئا آخر غير هذا . . فنحن - واقولها بكل زهو - متقدمون اجتماعيا لما تمتاز به اخلاقنا العربية من اباء ووفاء وشمم . . اباء للضيم ووفاء بالعهد وشمم من الترهات . .
وبعد فان النظرة العميقة لحياة الامة العربية في حاضرها الراهن لا تجعلنا مسرفين فى التفاؤل اذا نحن اعتقدنا ان ملامح
المستقبل العربي تبشر بالخير العميم والنجاح العظيم لأن أول درجات الكمال هو الشعور بالنقص ، وما دام شعبنا العربي قد شعر بنقصه في كل هذه النواحي واخذ فى حاضره الراهن يكرس جهوده وموارده لتعويض ما فاته واستكمال ما ينقصه فانه جدير ان نقول فى حقه ما قال شاعرنا العربى حين رأى ملامح السؤدد ومخايل الشرف . .
واذا رايت من الهلال نموه
ايقنت ان سيكون بدرا كاملا

