تعود الاستاذ عبد القدوس الانصارى استفتاء الادباء في كل ما يشغل اذهان قراء المنهل الاغر ، وهي عادة ذات اثر نافع للادباء وشعراء جميعا . . فهى تحرك فى ادبائنا حاسه التفكير . . وتفصيل الاهم على المهم في الكتابه . وتلفت اذهان القراء الى امداء واسعة . . قد يكونون لاهين عنها وقد اتبعت هذه الطريقة فى كثير من الصحف بل فى كثير من الاذاعات ايضا .
وهذه العادة التي جرى عليها الصديق عبد القدوس الانصارى تسربت الى ابنه الشاب نبيه فما كاد يغتنم فرصة سفر والده الى مصر للاستجمام . . حتى اخذ يستفتى الادباء عن : " ملامح المستقبل العربى كما اتخيلها " وقد اتبع سيرة ابيه فتلطف ببعث استفتائه الى - على بعد الشقة بيننا طالبا مني الكتابة . . ولا يسعني حيال هذه الغاية الا الاستجابة لطلبه شاكرا . . مؤملا لمجلتنا - " المنهل " كل نجاح وتوفيق فى اداء رسالتها .
المستقبل العربي كما اتخيله
انني لا استطيع ان اتخيل المستقبل العربى ، مستقلا عن المسقبل العالي . لاننا نعيش في عصر ازيلت فيه الاسوار التى كانت تحجب امم الأرض وشعوبها عن بعض . واصبح العالم متصلا ببعض عن الف طريق وطريق . وهذا الاتصال جعل المشاكل العالمية مترابطة . وقد ترك هذا الاتصال وهذا الترابط اثره البالغ في حاضرنا . وسيؤثر بطبيعة الحال في مستقبلنا . ولا مناص لنا من هذا الترابط وهذا الاتصال فقد مضى عهد العزلة والفصام وليس في استطاعة امة من الامم ان تحيط نفسها بسور يعزلها عن العالم . لان الارض اصبحت غير صالحة لاقامة الاسوار
لهذا كله فانى اتخيل ان المستقبل العربى لا يتم الا بتخيل المستقبل العالمي . ولما كانت الصورة الخيالية لا تتكون من لاشئ . وانما هى تعتمد - فى تكوينها - على الواقع وما يزخر به من احداث . . فان الصورة التى اتخيلها تتكون من الواقع . . وواقعنا - اى واقع العالم كله - كما نراه - يسوده توتر شديد بين الكتلتين الكبيرتين الشرقية والغربية . ومخازن الأسلحة المدمرة مفتحة أبوابها . وهي في متناول الايدى التى تمتلكها . وليست هى فى حاجة الا الى الايدي المجنونة التى تمتد اليها بدون وعي وتقذف بها ذات اليمين وذات اليسار . وللقارىء ان يتخيل - كما يشاء - ما عسي ان يكون مستقبل العالم ؟ وما المسقبل العربى الا جزء ، منه . فاذا استبعدت الايدي المجنونة
وقفلت مخازن الاسلحه المدمره باقفال قوية من الحكمة والرشاد ، والتعقل والاتزان . فاننا نجد مواد اخرى لصنع صورة اخرى للمستقبل العالمي بما فيه المستقبل العربى . . لقد تكون للعالم ضمير يتمثل في دول عدم الانحياز . هذا الضمير يقف أمام جبهات ثلاث . . الجبهة الاولى يبذل فيها جهدا جبارا ويكافح فيها كفاح المستميت لاستخلاص حقوقه المغتصبة من ايدى المستعمرين والغاصبين . كما هو واقع في الجزائر . وفي فلسطين . وفي عمان وفي عدن وتوابعها وفي البريمي . وفي هذه الجبهة يتقارع الإحرار مع اعدائهم بالحديد والنار . ومثل ما هو واقع في بلادنا العربية واقع في البلاد الأخرى التى تشبه مشاكلها
مشاكل العرب والجبهة الثانية تعتمد على المقارعات الفكرية بين معتقدات العرب ، والافكار الهدامة الهاجمة بموجاتها العاتية علينا . ومن ينابذها من غير العرب يقوم بما نقوم به من مقارعتها وردها ، ايضا .
اما الجبهة الثالثة فهي تعتمد على غصن الزيتون وحمامة السلام هذا الشعار الذي يحمله العرب وتتابعهم فيه دول عدم الانحياز . . ويتعرضون للوساطة بين المعسكرين الكبيرين الشرقي والغربي لانهاء حالة التوتر السائدة بينهما - على ما فى هذه الوساطة من مصاعب .
فاذا انتصرت دول عدم الانحياز فى نشر السلام على العالم ونجحت في مهمتها
استخلص العرب حقوقهم المغتصبة ونجحت كل امة مسلوبة الحق في استرداد حقوقها . وفطن العرب الى الحجة الدامغة والاسلوب الفعال في وقت الموجات الفكرية الهدامة وردها عن بلادهم . فسيكون الربح الادبي والمادي كبيرا جدا للعرب وللشعوب التى تحتذي حذو العرب
وستؤمن الكتلتان الكبيرتان بهذه القوى الناشئة ، وبالآثار الحميدة والنتائج الحسنة التى تعود على البشرية كلها من وراء افكارها وجهودها . وسيكون ميزانها راجحا عند الفريقين لما يتبين لهما من ان العالم في حاجة الى احياء الضمير الانساني وتدعيمه والعمل على وقايته من كل الاهتزازات . لان هذا الضمير هو صمام الامن والسلام في العالم . وهذا الضمير قد تجسد بوضوح فى الدول غير المنحازة . فاذا ارتفعت الامم الصغيرة الى هذا المستوى العالمي المرهوق . واذا احتفظت به وحافظت عليه وصانته من كل اسباب التدهور والارتكاس . فسيكون المستقبل العربى كما اتخيله - مستقبلا تنعم فيه الشعوب العربية بكل ما تطمح اليه من اهداف سامية
حقق الله السلام للعالم . وحقق الله للعروبة آمالها واحلامها الجميلة . . حتى تنعم الإنسانية بمستقبل جدير بان يحياه الانسان على وجه الأرض . وليحقق خلافة الله له فيها . وما ذلك على الله بعزيز . " مصر - الروضة "

