مشاعر شتى عنيفة رقيقة ، غريبة مألوفة أثارتها فى نفسى رسالتك المفاجئة توافيني ، بل تنزل وتنقض على غير انتظار بعد سنة ونصف من انتهاء دراستك ، وليس من خبر عنك . أين تكون وفي أي بلدة تباشر تدريسك ؟ !
وفتحت الرسالة وإذا عهد كله تحسس واكتشاف ، كله رغبة واندفاع يعرض علي ، يدهمني بصوره الغامضة البليغة ومعالمه الخفية المشرقة
نعم كانت مفاجأة عذبة هذه الرسالة . كانت ، على قصرها ، مرآة اجتليت فيها وجها من ماضي ، قطعة من حياتي لا تنسى . لسبب بسيط جدا . هو أننا لم نكن مجرد " معارف " تستقبلنا قاعة الدرس وتلفظنا في ساعات معدودة من النهار . لم يكن هناك أستاذ وتلاميذ . لقد تدانيتم مني . لقد تقاربنا إلى حد من الالفة غريب أحار في تعليله ولا أزال أتساءل عن سره والباعث عليه إلى اليوم
ولقد تأثرت خاصة لما فى رسالتك من مشاعر الود والوفاء والشوق والتقدير . ولعمري إن كان من قيمة ومعنى في مهنتنا الثقيلة المضنية فإنما ذلك فى الصداقة العقلية . . فى الاخوة الروحية التى تنشأ بيننا وبين تلاميذنا وإلا فهو الغبن والخسر والإفلاس
وليس يعدو عملنا إذ ذاك - وقد رفعه بعضهم إلى مقام الرسالة ومستوى التقديس - أن يكون نشاطا آليا لا فرق بينه وبين شغل
أى كويتب أو قابض صغير فى إدارة . رتابة وتكرار ولا حرارة حياة ولا خفق شعور . آفاق مسدودة إلى حد اختناق النفس وتضاؤلها . إنه الموت البطيء .
ولئن كان لنا من جزاء حق وسلوى فى شغلنا فهو اتصالنا بالبشر ، اتصالا رفيعا ، إذا أردناه كذلك ؛ فهو مخاطبتنا لاجمل جانب فى الإنسان وأعنى بذلك قوى الخير والنور ، قوى الخلق والإبداع فيه . فأينا معشر المعلمين يستطيع أن يزعم بأنه أدى هذه المهمة الشامخة النبيلة على الوجه الافضل ؟
فلا منجى لنا من القلق والوسواس وشقاء النفس وتأنيب الضمير إلا بأن نحب جهدنا هذا العمل الذى اخترناه أو اختارته لنا الظروف ، أن نصدق فى حبنا ونعمق حتى تتحول حصة التدريس موعدا تهش له النفوس ، جزءا من صميم سعادتنا لا أقل إيناسا وإمتاعا من لقاء الاهل وصحبة البنين .
لقد شكوت إلى فى لهجة مريرة عناء التدريس وازدحام الوقت بالعمل متبرما " من هذه الكراسات التي أخذت من حياتنا مأخذا كبيرا وهذه المذكرات اللعينة ، التى نصفها أشكالا ونحبرها ألوانا فنغرق فى سيلها أو نكاد ويضيق منها القلب والخاطر فنفر . . وأين المفر ؟ ! "
نعم ! لقد قلتها . فأين المفر ؟ وما حيلتنا فى هذا ؟ إلا بأن نصبر و نضحي " في صمت . بكل سماحة وبساطة
فالتعليم مهنة رغوب تقتضى الإنسان أن يعطيها من عفو نفسه ويجود وإلا آمتنعت عنه وتنكرت له ولا أشد حينئذ من مضايقتها وإحراجها وتنغيصها طعم الحياة
كذا هذه الخطة . لا سبيل إليها إلا بالرفق واللين والمحبة وإلا فهى جبارة عنود ، لا تزال بصاحبها حتى تصرعه صرعة القوة أو يفر فرارا .
إنه الخيار المر . فإما . . وإما . إذا لم تستطع أن تصادقها وتداريها وتنزل عند شروطها ، وإن عزت ، فاهجرها هجر الابد فلست لها ولا هي إليك .
وإنى قد أكذب يا صديقي لو زعمت لنفسي أو لغيري أني لم أغتبط فى قرارة نفسي ولم أبتهج بما أتحفتنى به من شكر وثناء على ما قمت به من جهود نحوكم عهد صحبتنا الجميلة ؛ ولكنى أبادر فأقول جازما بأن فضلكم أنتم تلاميذي ، علي ، لا يقل عن فضلي ، إن صح ، عليكم .
فمهما تكن كفاءة الاستاذ ومهما يكن إخلاصه فإنه لا يبلغ شيئا مذكورا إلا إذا استجاب له التلاميذ وأعطوه من نفوسهم وبث فيه من لقاح الفكر والعزم ما يحفزاة على تجاوز ذاته والوصول إلى درجة الخلق المثمر والابتكار الصحيح .
فهل بعد هذا ، تعجب إذا قلت إنى أدين لكم بتلك الفرص الثمينة القليلة التى دفعتموني فيها بل حملتموني حملا التي بنقاشكم الحاد وجدكم العنيد - على أن آتي شيئا ، إن لم يكن رائعا باهرا ، فهو لا محالة قيم محترم لا بأس به
كيف لا يكون اعترافي بجميلكم نحوي أعظم من اعترافكم أنتم ؟ !
ألستم أنتم الذين كشفتم عن نفسي لنفسي ، وأطلعتموني على نواح مجهولة مغمورة من ذاتي لولاكم لما تنبهت لها أو أحسست بها وصدقت بوجودها ؟
هذه هبتكم إلي ، وإنها ليست باليسيرة الهينة . إنها معنى شريف ، صورة جميلة ، رائعة الجمال انتقشت بالفؤاد ، والتحمت بالنفس التحاما . وإنها بعض من معنى حياتنا نحن المدرسين
قد تجد مهنا كثيرة أوفر غلة من التدريس وأضمن للعيش الطري الرفيه بل الناعم المترف . فلم التعلق بهذه الحرفة وعناد النفس في التمسك بها والوفاء لها ، والجهد مضن والمكافأة متواضعة قليلة ، كتشبث الفلاح ، عبثا ضربا من اللا معقول ، بأرضه الغليظة الكزة ، والسهل دونه مخصب مريع ، والآفاق على فسحتها تدعوه حثيثا من كل جانب .
نعم ! لم العناد ! هذه هي المسألة كما قال " هملت أن تكون أو لا تكون
إما أنك تشعر برباط يشدك شدا إلى عملك ، مهما قسا وعبس وكشر في وجهك . اما أنك تكتمل به وتتسع وتخصب روحيا حتى لا تجد عوضا عنه ولا بديلا . إما أن يكون هذا . تماما كالتحامك بمن تحب وهل تدري بالضبط لم أحببت هذه أو تلك إلا بأنك تميل وتنجذب إلى كائن يجانسك ، كأنه صيغ على مثالك . حميم ذاتك وضو روحك . إما أن يكون هذا وإلا فالطلاق والقطيعة أولى والفرار !
- ١ إنها قضية توازن نفسي ومحض ضرورة ذهنية لا فكاك لنا منها .
وكأني بإخوانى من المدرسين يعللون النفس أحيانا بخاطر لذيذ جميل كانتسامة البرق الخلب : " إذا دهمتنا أشباح الشيخوخة ولاحت لنا بوادر العجز والسأم فإننا نجدكم - أيها الاخوة التلاميذ نجد أطيافكم بانتظارنا تطالعنا من خلال صوركم وذكرياتكم . وهل ينسى الاحرار آباءهم أو أصدقاءهم ؟ !
ونعم الذخر عندئذ في الوحدة ! ونعم الكنز نقتات به ونأنس ، ونلذه ونعيش عليه ونجتره . . فإن طال ذا فقد قصر الدهر

