الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

رأيت اسمه في القائمة

Share

حين أردت أن أكتب عن (الشعر المعاصر في فلسطين) في نطاق حلقات عن الأدب العربي المعاصر أردت بها التمهيد لمؤتمر الأدباء العرب التاسع الذي سينعقد خلال هذا الشهر ببلادنا - لم أجد على شفتي غير اسم " أبو المجد " صديقي الذي لا أعرف غير اسمه البطولي الذي أستشهد به .

كان هذا الصديق زميلاً لي بالجامعة طيلة سنوات عرفته خلالها كما يتصور المرء الآن ذكرى من ذكرياته بعيدة المنال ، ثم مر ولم يترك بذاكرتي منه سوى سحر المحبة واسمه الحركي ، مضى دون أن أعرف عنه شيئًا عدا ما علق بالذاكرة من تلك اللقاءات القصيرة التي كانت تجمعنا في بيته أو بيتي أو بإحدى المقاهي حين كان يأتيني بأحدث ما يُنشر من أشعار في الأرض المحتلة لنقرأها سويًّا ونحفظها مِرارًا :

خلوا الشهيدَ مُكفَّنًا بثيابِه خلوه في السفح الخبير بما بِهِ

لا تدفنوه وفي الشفاه جراحه تَدوي وصية حبه وعذابه

هل تسمعون ؟ دعوه نسرًا داميًا بين الصخور يغيب عن أحبابِهِ

خلوه تحت الشمس تحضن وجهَه ريحٌ مُطيبةٌ بأرض شبابه

لا تُغمضوا عينيه إن أشعةً حمراءَ مازالت على أهدابِهِ

وعلى السهول الْجُرد رجْع ندائه يا آبها بالموت لستُ بآبه

كان أبو المجد طيبًا رائعًا ، ولعله الوحيد الذي جعلني أومن بأن الشاعر بمثل ما يمكن له أن يكتب عن الثورة شعرًا حماسيًّا ثوريًّا بإمكانه أيضًا أن يجعل من قلمه حربة أو غدارة أو حتى صاروخًا في حجم القلم يُطهر به الأرض التي هي بحاجة إلى تطهير وتحرير.

للحبر رائحة الدم

نسقت من وعر حدائق

ونحت من صخر مطارق

وتلوت ما عندي من الصلوات

في الليل الطويل

للحبر رائحة الدم

ولقد كان أبو المجد نفسه من المؤمنين بأن للحبر رائحة الدم حيث كان يقضي على مقاعد الدراسة بعض اليوم ثم يغيب عنّا فجاة في مواعيد تختلف ، وعندما كنا نتلاقى في بيتي أو في بيته كان يعاجلني قبل أن أفوه بالسؤال عن حاله بسؤال تعودته منه : ألا تريد الجديد من الشعر الفلسطيني؟

عندئذ أجد نفسي مُعفى من الاستفسار عن صحته وألمح الإجابة في نظرات عينيه اللتين ما عرفتا قط الحزن والألم.

ما دامت لي من أرضي أشبار

ما دامت لي زيتونة

ليمونة

بئر وشجيرة صبار

ما دامت لي ذكرى

مكتبة صُغرى

صورة جد مرحوم وجدار

ما دامت في بلدي كلمات عربية

وأغانٍ شعبية

ما دامت مخطوطة أشعار

أعلنها حربًا شعواء

باسم الأحرار الشرفاء

عُمالًا طلابًا شعراء

وعندما كان أبو المجد يلمحني صامتًا متأملاً ساهمًا في تصوّر أرض البرتقال والزيتون . . أرض الديانات والدماء والثورة - كما يريد دائمًا أن يرتبط بكل ذرة من ذرات ترابها بكل بيدر وبستان من بساتينها - ترى أبو المجد يحاول أن ينتشلني من سهومي بقراءاته من الأشعار الجديدة قائلاً لى بروح لا تخلو من دعابة ومرح : " إننى أغار عليها.. أرجوك أقلع عن تمثلها ، ولا تشاركني حبها "

فى المكتوب الألف

المبعوث إليها في مأتم ضيف

أكتب والبسمة في شفتي

أكتبُ والدمعة في عيني

أكتبُ والغصة في رئتي

يا وردة قلبي المذبوح

يا روحي

يا وشم الحب على صدري

يا أعمق نبضٍ في شعري

سأعود إلى حضنك أبني عليه

أتزوج أنجب ذرية

أنظر في أعقاب هذه القصيدة إلى وجه أبى المجد : بسمة لا تفارق شفتيه ويد مُضمدة الجراح مضمومة إلى صدره ، وبدلة نصفها حربي ونصفها مدني وبعض الكراسات التي يدون فيها دروس الجامعة تحت إبطه . يرى في نظراتي اتهامًا بأنه لم يحب واحدة فقط في حياته وإنما هو مسرف في حبه وكاذب إذ إني أعرف له أكثر من قصة رواها على مسامعي بنفسه - يتحفز عندئذ لدفع التهمة ولإثباتها في نفس الوقت فهو لا يرى له حبًا أكبر من حب ، ولا يرى تناقضًا في سيرة من يحب أكثر من محبوب واحد في نفس الوقت

أقول له . . ألست القائل :

عيناك وارتعش الضياء بسحر أجمل مقلتين

وتلفت الدرس السعيد مُخدرًا من سكرتين

وتبرج الأفق الوضيء لعيد مولد نجمتين

يا حلوة العينين إنكار الهوى زور ومَيْن

رُحماك رُديها ولا تقضي بموتي مرتين

وتشجّعي وبقبلة صغرى أبيعك قبلتين

يتضاحك أبو المجد عقب هذه القراءة ويدرك أني أمازحه فيخف إلى جيبه ليلقى إليّ المزيد من الأشعار التي يعتبرها مقدسة أشعار الثورة الفلسطينية وقصصها وملاحم نضالها تلك هي حبه الكبير الذي لا يعادله حب :

يوم وُلدنا وُلد الرفض

فاستبشري أيتها الأرض

عيوننا مفتوحة في الدجى

ضلّ على شطآنها الغمض

نقول للمرهق في ليلنا

لا يصمد الليل إذا ومض

نحن هنا.. نحن هنا فاهدئي

واستبشري أيتها الأرض

ذات مساء ما زال مائلاً في خيالي جاء أبو المجد إلى بيتي وطرق باب غرفتي وكان الليل قد توغل ، فتحت دفة الباب فإذا به يناولني متاعًا له وبعض الكتب وهو يخبرني بأنه سيغيب عنا في سفر قد يطول .

عزّ علي أن أفارقه من غير أن نجلس قليلاً ونتحدث ، كنت أريد أن أعرف عنه في تلك الليلة أكثر مما عرفت ولكنه ظل صامتًا لا يريد البوح بسر حياته وتاريخه وحتى باسم القرية الفلسطينية التي جاء منها .

وعندما كان يلمح خيبة الآمال مرسومة على وجهي يقرأ لي تلك القصيدة التي ما فتئ يعيدها عليّ كلما سألت عن أحد من الأصدقاء :

وُلدت في اليونان

وهاجرت في أسري من صولة الطغيان

ليلاً إلى الهند

وألفت رحلها عامين في السودان

وكان يا ما كان

أن ساقها الجوع إلى إيران

ويوم أن كبرت

زوجني أبي راعية شقراء من لبنان

وخنتها في الصين

وبعتها بحفنة من مال

للحاكم المندوب عن صاحبة الجلالة

في مصر والصومال

حاربت في البلقان

قُتلتُ في كوبا قُتلتُ في المكسيك

نُفيتُ مخفورًا إلى نيبال

شربت في الطريق من آبار كردستان

ويوم أن وُلدت من جديد حفرت في مناجم الأورال

واليوم أُشهر السلاح

في وجه الاستعمار والعدوان

في قمم الجبال في البحر وفي الأدغال

كانت هذه القصيدة من بين ما كنت ألح على ( أبو المجد ) على قراءته في كل آونة ، إذ كنا نرى فيها الشاعر الفلسطيني الإنسان الذي يتوحد بأوجاع هذا العالم جميعًا ويَعد نفسه في كل ضحية من ضحاياه .

ولست أدري الآن السبب الخفي الذي دفعني لأن أسأل أبا المجد عمن يكون هو في تلك الليلة ولكنه فضول كتمته أزمانًا وأزمانًا ، وخفت أن تفلت مني فرصة الوداع ويرحل أبو المجد رحيله الذي لم يعد منه وقد حدس من قبل أنه ربما كان رحيلاً أبديا وصدق الكلمة الوحيدة التي سمعتها منه يترحم فيها لنفسه في تلك الليلة ما تزال صادية في أذني :

كنت طفلاً أنذاك

كنت أمتص حليب التاسعة

وحليب الفاجعة

كنت جدياً حالم العينين

من حولي آلاف الشِباك

يوم قالت لي أمي في ارتباك

هذه الليلة لا تخلع ثيابك

ساعة النوم ولا تخلع حذاك

لم أكن أفهم ما تعنيه بالضبط

ولكني بكيت

وذهب أبو المجد ولم يعد ، ولكنا رأينا اسمه يُعلق في المكان المخصص لأسماء الفائزين في الامتحانات ، ومع الاسم رأينا صورته وهو يحمل بندقيته وعلامة الشهادة طافحة على محياه تحت ذلك الاسم أخذت قلمًا وكتبت آخر الأبيات التي أسمعني إياها أبو المجد من الشعر الفلسطيني :

خذني إلى بيتي

أروح خدي على أعتابه

وأبوس مقبض بابه

خذني إلى كرْم

أموت ملوعًا

ما لم أكحل ناظري بترابه .

اشترك في نشرتنا البريدية