الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

رأيت الله في غزة

Share

حليبك في دم الشهداء ساقية

تهيم على جهات الأرض

ثم تصب في بحرك ..

حليبك خمر دالية

يعب كؤوسها الندمان

ثم يكون من دمهم طلى ثغرك ..

حليبك غيمة بيضاء

تشرب منك وهج الجرح

ثم تغوص في صدرك . .

وليلة أن برحتك

ضعت في الأحقاف

أشرد عنك . . فى أثرك . .

وعدتك عند بستان القيامة

أسرجي فرس الصباح

وجنحي الدنيا على قبرك. .

هبي أن النجوم توارت الليلة

فتلك تضيء فيك بنادق الثوار

هبي أنْ شحّ منك الزيت

في الشعلة

فتلك صدورهم دفقت نبيذ النار

لأنك أنت في واحد

هي البستان . . والندمان . . والخمره

لأن جبينك المارد

هو الثوار . . والثوره

وقلبك وردة مشكوكة في الرمح

وهو على أكف غزانه جمره

وأنت الآن مكة كل قافلة

وغار حراء كل نبي

وأنت الآن طير البعث

يهبط معبد اللهب

يحط الليل..

ينفخ في قراب السيف

روح الحرف

بين قبائل العرب..

وأنت الآن آمنة

وأنت حليمة الصحراء

وأنت الآن جبريل القصيد

وسورة الشعراء

وجرحك صار مائدة المسيح

وزمزم الشهداء . .

وأعلم أن فوق الطور

من خشبي ، ومسماري

سأصعد فيك جلجلي

وبعد . . يكونني الإنسان

فخلى بيننا وعدًا

خلال الليل والبستان

وجُزّي خصلة من فوق خدك

نار تذكاري

ولو أني نسيت إليك ما النسيان

وهاتي قبلة لفمي

وهاك دمي

على شفتيك

لون شقيقة النعمان

لأني فيك غصت غيابة الجب

وأصعد فيك طور الحزم والحب

وها أجراس قافلة

تجيء إليَّ عبر سفوح جلعاد

فسوف أشيد مئذنتى

على بوابة السلطان

وأقرأ فيك أدعيتي . . وأورادي

وأنشد فيك إنشادي ....

أحب حبيبتي . . ياليل

خذ بوحي وإسراري

وتحت ربيع شرفتها

فتحت جروح قيثاري

فناد على كل الحي

من عسس ، وسُمار

يظل لديّ قبل الموت

قبل البعث . .

عمر فراشة النار

وعمر قصيدة تُتلى

وأدعية

وعمر عِناقِ

وعندئذ . . .

يُشبه للمدينة

أن وصل اثنين .. كان فراق.

أن وصل اثنين

حليبك في دم الشهداء . . منك . . إليك

أنت ، وهم ، خلوص البحر في المزن..

وأنت ، وهم ، نشيد الحب والحزن

نهايته ..

بدايته على الكون ..

ونحن هنا . . على الأحقاف

سكنى الليل والجن

فنادينا . . .

يظل لنا إذا ناديت

شبه القلب ، والأذن

وشبه الدمع في العين..

ونحن على أرائكنا

نَمد الآه . . تلو الآه..

ونحيي للصباح ولائم العِرْق

ونغسل عارنا بالعطر ، والدبق

ونحن هنا ..

نعمر من مجاعتنا بيوت الله

لكي ننساه بين خرائب الأقصى

لكى ننساه . .

ولكي صعدت إليه طور سنين

رحت إليه حتى قمة المأساة

ويا قومي ، أبشركم ..

رأيت الله...

وكنت ، وكانت الأشياء

دخانًا فوق وجه الغمر

وهو يعيد بدء الكون من سيناء

ويا قومي..

رأيت الله بين حرائق الحرب

يضم لصدره الدنيا

يصب الغيم في النابالم

يطبع قبلة الحب..

ويا قومي . . رأيت الله في غزة

يؤرجح فوق نور ذراعه طفلاً

إلى أعلى

ويمسح في سكون الليل

أدمع أمه الثكلى

رأيت الله في الساحات

يغمض أعين القتلى

ويسقي في مدافنهم

غصون الآس والدفلى

رأيت الله يأتي الكوخ ، والخيمة

يزق صغاره السغبين باللقمة

يطوف على شبابيك السجون

يضيء فوق شفاههم بسمة . .

رأيت الله يبرح قبة الجامع

وينزل في صدور المؤمنين

ويملأ الشارع . .

رأيت الله روح العزم في الناس

أمام سرية يمضي

ويكمن خلف متراسِ

رأيت الله وجه الشمس

فوق عباءة السحب

يجيء مدينة الأبطال

يسقي الأرض غيث الصبر

في جام من الغضب

رأيت الله يرفع من خرائبها

منارة كل بحار

وها أنا فوق صدر اليم

أمخض موج أقداري

وأسأل عنك . . واغزاه

فى مُقل النجوم

ونورس الصارى

وأعلم أن ما بيني وبينك

أفق أسوار

ولكنى اعتليت اليك صهوة همتى

وجنون إصراري

وأنت البحر . . والبحار . . والمرسى .

وحمى الأهل والدار

ومنك ، إليك ، أسفاري . .

وها أنا ، فى عباب اليم ،

يسألنى نزيف جبينك المصلوب

إكليلا من الغار

ولكن ٠٠ آه لو تدرين . . .

ذاك العام لم نفلح مواسمنا

وكل حصادنا الصيفي

كان طحالب العار . .

وأنت على بهيم الليل

وحدك كنت دالية الصباح

وكنت أغنية من النار

أرددها على سوط الخليفة

آه . .

أُحدس يا ملاك الموت

من سيكون زواري

أحس حفيف أجنحة

تحلق فوق أسراري

ونحن على أرائكنا

نمد الآه . . تلو الآه

ونحيي للصباح ولائم العرق

وأنت . . هناك..

يشمخ فيك وجه الله

وجرحك ريشة الشفق

وأنت جزيرتي . . وأنا

إليك سفينة الأفق

وأنت قصيدتي . . وأنا

نزيف الحبر في الورق

وأنت عناق أخيلتي

وأنت قلادة العنق

وثغرك حبتا حبت كرز

وعطرك غابتا حبق

وصدرك جرتا عسل

وشعرك نخلتا عذق

ونام على يديك الدهر..

نام البحر..

واستيقظت فوق وسادة الأرق

لأنك أنتِ صقر قريشنا بقية الرمق

لأنكِ أنتِ آخر رايةٍ لم تهوَ

فاصطفقي..

لأنكِ أنتِ طير البعث

فاحترقي..

وعبر رمادك انبثقي..

حليبك في دم الشهداء دالية

تذوب على لظى ثغرك

وهم ساقوك حتى الصبح

ما شربوه من خمرك

وأنت ، وهم ، عناق الموج والرمل

وأنت ، وهم ، مزاج الدمع والكحل

وأنت ، وهم .

بلا أهل

بلا أهل

بلا أهل

فشقي ثوبك العربي عن سِترك

ودقي صدرك المسبي في الليل

ونادينا بأعلى الطور

نسهر ليلة البستان في حجرك

لأن هناك فصح البعث

ينهض من دُجى قبرك.

اشترك في نشرتنا البريدية