الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

رأيى فى حاضر شعرنا، وفى مستقبله !

Share

الشعر الذي نريد أن نعطي رأينا فيه هو لشعراء سعوديين معاصرين ويحتوى على مجموعات من الدواوين ، طبعت حديثا . وعلى بعض القصائد والمقطوعات التى نشرت في الصحف والمجلات المحلية والخارجية ، ولا نريد ان نتقيد بتفسير المراحل التى شملت هذا الشعر لان معظم اصحابه كانوا من مواليد عهدين ، ونستطيع باختصار ان نسمى العهد الاول من هذا الشعر عهد التفتح ، والثاني مرحلة النضج والواقع ان شعرنا فى عهد النضج يمكننا ان نشير الى ان اصحابة قد نسجوا خيوطه الفنية من احاسيسهم الوثابة ، وتجاربهم المتعددة ، وكان

من أهم ما لاحظناه فى هذه المرحلة هو الاقبال على صنع الملاحم الشعرية , وهذا النوع من الشعر لم يكن معروفا فى شعر عهد التفتح ، فى حين انه يعتبر فى مرحلة النضج وبالنسبة لشعراء هذه المرحلة أول المراحل الفنية في الدفاع عن الحرية الفكرية ، والثورة على احلاس الجمود ، كما كان من الاسس التى دعمت النهضة

الادبية في البلاد السعودية وبالنسبة للشعر الحديث في العالم العربي شعر التفكير والاداء الفني ، ومن شعر التفكير والاداء الفني اعلام القصائد ، كالسلام والغد ، ومناجاة ، والحرب الخفية ، ووداع ، وجدة ، وهي قصائد معروفة ومنشورة في الدواوين وفي الصحف المحلية ، وهي تعتبر من الآثار الشعرية التى تستحق الخلود لانها من نبع الحياة .

شعر الملاحم

ولا ننسى شعر الملاحم حيث انه يعتبر من شعر التفكير والاداء الفنى ، ولاقبال شعرائنا على هذا النوع اسباب وهذه الاسباب تتلخص في أن بعض اصحاب هذه الملاحم كانت لهم نزوات ظاهرها الاعتداد ، وباطنها التنافس على خصوصيات كانت موضع صراع بين طرفين ، الامر الذي أدى إلى امتداد

لهيب الحرب بحيث امتشق كل منهما سلاحه ليثبت ذاتيته كشاعر ، وفي مدى وقت قصير خاض الطرفان معركة قلمية هائلة ، وقد انضوى تحت لوائهما انصار يؤيدون تارة ويكافحون احيانا ، والتأييد والمكافحة هما صورتان للدفاع المشترك عن مذهبي الطرفين المتحاربين ، وكان من نتيجة هذا الصراع ان ظهرت وقائع هذه المعركة فى صور ملاحم كبرى ،

وهذه الملاحم أشرطة حية تزدحم بالاشباح المعروفة ، والمعالم الواضحة وكل شبح من هذه الاشباح هو معرض لرأى ، أو مرآة لسانحة او خلجة ، ومدار هذه الآراء عند احد الطرفين هو مصادرة ما يدين به الجانب الآخر من آراء وسوانح وخلجات ، غير قائمة على اساس من العلم الصحيح او المنطق السليم او التفكير المنظم

وكل من اطلع على هذه الملاحم يستطيع ان يسمع صوت العلم والفن مجلجلا بالحقائق والتجارب مما كان محل تأييد الجمهور المستنير في فترة من فترات هذا الصراع المستحر ، وما ارتفع صوت العلم والفن في دنيا الشعر الا كان دليلا على صحة وعي المعرفة في الامة ، وعنوانا بارزا على سمو شعرها في عالم الفن الرفيع ، وعلى هذا الاساس فالشعر في البلاد السعودية يدين فى هذه الفترة بالذات - فترة النضج - لشئ كثير من يقظة الفكر ، وحرارة الشعور ،

وحيوية الدم ، ومن جميع ذلك يتكون المثلث الذي يتألف منه الكيان الجديد للشعر الحي الخالد . .

ويتلخص اتجاه اصحاب المذهبين المتنافسين - كما يظهر من قراءة ملاحمهم - في أن اتجاه احدهما له زئير الاسد الذى خرج من العرين تاركا وراءه الغابات والسراديب ليواجه الحياة بمشاكلها ومتاعبها وآلامها . كما ان نظرة الجانب الآخر الى الحياة هى نظرة المستغرق فى التفكير ، ومن هذا يتضح بان الاول ينظر الى الدنيا

نظرة الشاعر الذى يحس فيعتبر ، فى حين ان الثاني ينظر الى الكون نظرة الفيلسوف الذي يفكر ويتدبر ، وفي دنيا الاحساس يحلق التفاؤل بأجنحته الوادعة ، كما انه في عالم التفكير يتعثر التشاؤم فى خطواته المتخاذلة ، ومن هنا يتضح بان بعض هذه الملاحم يميل الى الايجاب ، والبعض الآخر يسير في طريق السلب ، ومن المقرر بان الايجاب سبيل البناء والتدعيم ، كما ان السلب وسيلة الهدم والتعرية والتجريد ، ولكلا المذهبين انصار وجنود ومؤيدون ومكافحون . .

والملاحم او العلواءات كما يسميها العلامة اللغوي انستاس الكرملى هي ديوان الشعر القصصى الحماسى ، وهي نوع من الشعر الثائر يصور روح الكفاح في الفرد والجماعة ، ويسجل تطور الفكر الحضارى بالنسبة للمجتمعات الانسانية فى الامم القديمة

والحديثة ، وفي وقت من الاوقات يقوم بمهمة الاشادة بصحة المبادىء التى تشع بنور الحمية والثورة ، ومن هذا السبيل عرفت الملاحم في جاهلية الاغريق كالياذة هوميروس ، وعرفت الملاحم القصيرة التى تصف حرب البسوس في جاهلية العرب ، وفي العصر الحديث توجد ملاحم لشعراء

من العالم العربي منها ترجمة الشيطان للعقاد ، وعمرية حافظ ابراهيم ، ونيرون لمطران والحرب العالمية الكبرى لاسعد داغر ، ورسالة الشعر القومى وهي وثيقة لحوادث حرب فلسطين ، كما توجد ملاحم اخرى لشوقي والجارم وكلها تدل على كثرة الملاحم في الشعر العربى قديما وحديثا . .

هذا هو مجمل رأيى فى شعرنا حاضرا ومستقبلا ، وأخص بالذكر شعر الملاحم لانه يمثل شعر الفحولة ويمتاز بقوة الاداء واستقامة التفكير وصحة المنطق يضاف الى ذلك براعة فى سرد الوقائع والحوادث بحيث تبرز فى اساليب واضحة بعيدة عن اللبس والغموض ، وما يصدق من

رأيى على شعرنا الحاضر فهو يصدق بطريق التسلسل والارتباط على شعر المستقبل ، وقبل فوات الفرصة اشيد بمجهودات شعرائنا وأهنئهم على توفيقهم ولا اريد بهذا ارضاء احد من الناس او خصومته ، لان آثارنا الادبية خصوصا في بلادنا القليلة الانتاج تحتاج إلى عملية البناء والتشجيع اكثر مما تحتاج الى الهدم والتشنيع ، وفي هذه التهنئة والاشادة لا نقصد الا التماس التمجيد الباني . .

أما الشعر فهو بخير ، كما اننا نبشر بان الشعراء في بلادنا هم في حالة جيدة من العافية الفكرية والصحة الشعورية وحيث يكون الفكر المستقيم والشعور الحي يكون الشعر الخالد ، وعسى أن يمتحن شباب شعرائنا عقولهم ومشاعرهم فيجدوا السلامة والعافية وسوف نلتقي معهم ان شاء الله على ابواب الغد حين نقرأ لهم شعر المستقبل وهم على أوفر ما يكون من صحة الفكر وسلامة الشعور . .

اشترك في نشرتنا البريدية