كثيرا ما يمتزج فى القصص الشعبى تاريخ شعب باحلامه ، وواقعه بخياله ومعتقداته بأساطيره . وقد اخذ الانسان بحكم تطور فكره فى تفسير العلاقات الطبيعية بين الاشياء ، وبين الاسباب والمسببات يتحرر من الخوف الذى كان يستحوذ عليه من قوى الطبيعة الهائلة ويخلص من الافكار السوداء التى كانت تستولى عليه حين يرى العالم كأنه طلاسم وألغاز تسيره قوى ماردة ، ليتحول إلى عالم انسانى ملئ بالوقائع العجيبة ، والمغامرات البطولية أو نحو ذلك مما يستهدف اثارة الدهشة والخيال والاعجاب .
وأكثر هذه القصص لا تسير فيها الاحداث سيرها الطبيعى كما تقتضيه سنن الحياة ، لكن تسيره قوى سحرية تصنع الخوارق ، وتهيئ الصدف وتخلق الظروف الملائمة لتمضى به فى المنهج الذى رسمه القاص الى النهاية .
ومن هذا النوع مثلا قصص ألف ليلة وليلة ، والعنترية ، واحداث سيف بن ذى يزن ، وابى زيد الهلالى والجازية ، ومجون ليلى ، وحمزة البهلوان ، وفيروز شاه ، وجان دارك .
ويختلف النقاد فى نظرتهم الى القصص الشعبى باعتبار مصدره . فيرى ( مكسيم فوركى ) أن أروع ما صنعه الشعراء هو مستمد من القصص الشعبى ، ذلك النبع الزاخر بكل ألوان النماذج والصور . فالشعب هو صاحب الحكايات والاغانى والامثال .
ا ن عطيلا الحقود ، وهملت المتردد ، ودون جيون المغرور ، كل هؤلاء وأضرابهم نماذج أوجدها الشعب قبل أن يولد شكسبير وبيرون بزمن طويل،
والشعب هو الذى أنشأ أسطورة ( فاوست ) ليسجل من خلالها عجز الفرد الذى يحاول مقاومة القوى الشعبية ، وليسخر من فلسفته ، محاولا أن يكشف ما استغلق على المعرفة .
وان متلون ، ودانتى ، وقوت لم يرتفعوا الى القمم الشامخة الا حين استمدوا خيالهم ووحيهم من الشعب ، إذ هو بعيد الغور . شديد التنوع ، عميق الحكمة رغم ما يبدو فى قصصه وأمثاله من سذاجة ! ويرى ( شارل لالو ) أن الفن الشعبى ينطلق انطلاق الازياء من الاعلى الى الادنى ، لا العكس . وهو فى الحقيقة فن ارستقراطى صار شعبيا باتصافه ببعض صفات البساطة التى جعلت جمهورا واسعا يتبناه . بعد ان نالت منه تشوهات متعاقبة لم يكن ينطوى عليها فى الاصل .
فنحن نعلم ان اشهر الخرافات والحكايات الذائعة فى الاوساط الشعبية انما صدرت عن ينابيع دينية قديمة جدا . وهذا يعنى أنها انتشار حكايات أسطورية أو تقاليد شبه تاريخية كانت فى الماضى وقفا على ارستقراطية دينية ، ثم ذاعت فى الناس فاصبحت شعبية .
فمن الاعلى اذن صدرت هذه الخرافات الى الشعوب ، لان من الوهم الكبير الاعتقاد بان التخيل العفوى للشعب يجعله يعنى بذاته ، ويهتم بما يتميز به عن الشعوب الاخرى . وانما ترمى الوظيفة الطبيعية لهذا التخيل الى انتزاع الشعب من حياته اليومية التافهة ، وحمله الى عالم آخر غير العالم الذى يعيش فيه ، ذلك انه لا يعجب عادة الا من قصص يحدثه عن عالم يجهله ، او يعرفه قليلا .
فالاددب الشعبى حسب رأيه (I) هو الذى ينقل الشعب الى أوساط ارستقراطية أو الى أحلام .
والحق ان القصص الشعبى الرائع ليس الا عمل الفنان ايا كان . والموهبة الفنية ليست قاصرة على صنف معين من الناس أو على الطبقات الارستقراطية. كما ان ينابيع الفن ليست محدودة فى الزمان والمكان . فقد تكون ظاهرة شعبية بسيطة ، ولكنها مصدر ايحاء فنى ، وقد تكون ظاهرة ارستقراطية
براقة ولكنها لا توحى بشئ ، لان الفن من اعماق النفس والحياة ثم ينعكس على الشعور .
وقد قيل : الاثر الفنى لا يترك أثره فى النفس ، ولا بقاءه على الزمن ما لم تلتق فيه ومضة الفكر بخفقة القلب ، ولفتة الذهن بحركة الشعور ، ومنطق العقل بقدرة الوجدان ، ولا عبرة بمصدره شعبيا كان أم ارستقراطيا
وموقف الجمهور من هذا القصص المخالف فى أكثر الاحيان للنواميس الطبيعية والخالى من التحليل النفسى والتعليل المنطقى أشبه بحال المنوم الذى تقف فيه حركة العقل لتملى عليه المواقف والصور .
لا ن الجمهور كالذوات التى لا تعرف التعقل ولا التأمل فى حدة التخيل وقابليتها للتأثير الشديد ؛ وغير المعقول هو الاشد فعلا فى نفوسهم .
ومن هنا كانت الجوانب الغريبة فى هذا القصص أكبر مؤثر فيها ولا سيما فى القصص الدينى الذى لم يقتصر فيه الناس على ما أوردته الكتب السماوية ولكنهم بزيادات الرواة جعلوا منه على مر الدهور مرتعا لتصوراتهم ومسرحا لتخيلاتهم ومعتقداتهم . ومن ذلك : أن لويس الحادى عشر كان ينفق جل ماله أملا فى ان ينال - بما يقدم - حماية العذراء وابرار الفردوس معتقدا فيما يرويه مؤرخ له أنهم يتدخلون فى أعمال الانسان دائما ، وانهم القادرون وحدهم على ضمان الانتصارات ، ويدعم له هذه المعتقدات بأساطير شعبية يقصها عليه فتثير دهشته ، وتنال اعجابه .
وظاهرة المغالاة فى هذا اللون من القصص المستوحى من الدين ، والذى جرت أحداثه فى عصور غابرة تبدو جلية فى عرض ما هو الى الخيال والتهويمات أقرب منه الى الحقيقة والواقع .
ومن هذا اللون ما يرويه الكسائى : أن يوسف عليه السلام قال لاخوته لما أتوه وهم لا يعرفونه : (( يا أولاد يعقوب ! ان من العجب أن يأكل الذئب أخاكم ، وفيكم من يصيح بالاسد فيخر ميتا ، وفيكم من يأخذ برجل الذئب فيشقه نصفين ، وفيكم من إذا صاح وضعت الحامل ما فى بطنها . وفيكم من يقطع الشجرة من أصلها ، وفيكم من يعدو مع الفرس فيسبقها ! قالوا : نعم !
أيها العزيز ، وفينا من يفعل أكثر من ذلك ، لكن اذا حم القضاء ، عمى البصر وضعفت القوة (2) .
ومما يروى عن معجزات عيسى عليه السلام : أنه أحيى صديقا له اسمه العازر بعد موته بثلاثة أيام ، فأخرجه من قبره ، وعاش وتزوج وانجب .
ومثله ما ترويه بعض الاساطير الشعبية أن النمرود مات ببعوضة صعدت الى دماغه ، فاتخذ عصا له ، وأمر أعوانه أن يضربوا رأسه لكى تسكن البعوضة التى تؤلمه بحركتها . حتى ضربه احد وزرائه يوما بهراوة فشق راسه نصفين وخرجت البعوضة فى حجم فرخ الحمام وهى تقول : لا اله الا الله ، ابراهيم خليل الله (3) .
وهكذا نجد فى كثير من القصص الشعبى ان الوهمى فيه هو السائد على الحقيقى لانه كثيرا ما يستمد من خبايا الفكر والعاطفة ويصدر عن أحلام اليقظة ، وعن آمال عز تحقيقها ، وعن رغبات مكبوتة فى النفوس ، تدفع الى الفرار من الواقع المر ، الى عالم لا وجود له فى واقع حياتنا بحد فيه المحرومون والبائسون متنفسا .
يقول فيون Guyan : (( اننا لم نخلق لنحبس فى ذواتنا ، لان دموعنا أكثر مما تحتاج اليه آلامنا ، وأفراحنا أعظم مما تقتضيه سعادتنا ، وأخيلتنا أخصب مما يقيدنا به واقعنا ))
وهكذا فان هذا القصص الشعبى - على ما فيه أحيانا من تجاوز للواقع ، أو تحد للمنطق - ظل وسيبقى على مدى الايام منبعا ترا يستوحى منه علماء النفس والاجتماع ما يعينهم على دراسة الشعوب وتحليل نفسياتهم ، كما يستوحى منه الكتاب والشعراء ما يذكى قريحتهم ، ويمدهم بزاد لا يستهان به من المعرفة ، وقد يمثل لهم صورة عصر وحياة شعب .

