تستعمل كلمة ثقافة فى عصرنا هذا فى عدة معان بعضها خاص والبعض الآخر عام :
( 1 ) فحين نصف انسانا بأنه مثقف نعنى انه نال قسطا من العلوم والآداب فهو يمتاز عن الشخص الذى لم يسعفه الحظ ولم يتعلم العلوم والآداب .
( 2 ) وحين نقول : إن فلانا ثقافته علمية ، والآخر ثقافته قانونية ، والثالث ثقافته أدبية فنحن نستعمل كلمة ثقافة بمعنى الاختصاص اى ان اختصاص الفرد هو فى العلم المضبوط أو القانون أو الادب .
( 3 ) وحين نتحدث عن وزارة الثقافة اليوم فنحن نقصد الوزارة التى تعنى بكل ما يغذى النفس ويسمو بها على الحياة الرتيبة ويعدها لمجابهة الحياة بنشاط متزايد وحيوية متجددة . فالموسيقى والتمثيل والشعر والقصة والتصوير والسنما والغذاء الفكرى الذى يرتفع بمستوى الانسان ويحقق له انسانيته هى بعض ما تتعهده وزارة الثقافة . فكلمة ثقافة هنا لها مدلول خاص يدل عليه نشاط وزارة الثقافة .
( 4 ) وفى علم الانسان (( الانثربلوجى )) تستعمل كلمة (( ثقافة )) مقابل كلمة (( Kultur )) الالمانية بمعنى شامل يتضمن كل ما توصل اليه الانسان من خبرات ووسائل واساليب مادية كانت أو معنوية نتيجة لتفاعله مع بيئته الطبيعية والاجتماعية . فوسائل وأساليب المعيشة والانتاج وطرق ادامة الحياة والدفاع عن النفس والتعبد والتعبير عن الافراح والاحزان والاساطير والمعتقدات وكل ما تشتمل عليه محتويات الحياة فردية كانت أو جماعية تدخل فى نطاق الثقافة بالمعنى الانثربلوجى . فاستعمال الانسان للآلة واستخدامه الحيوانات والنباتات لادامة حياته وتنظيم العلاقات الاجتماعية عائلية كانت ام قبلية ام دولية وانواع التقاليد والآداب ووسائل الغذاء والعلاج وقواعد الحروب وفض المنازعات كلها تدخل فى حيز الثقافة بالمعنى الانثربوجى الشامل . فالثقافة بالمعنى الانثربوجى لا تقتصر على الفنون الجميلة والآداب فحسب بل تشتمل ايضا على العلوم والفلسفات والاديان
واساليب الصناعة والزراعة وحفظ الصحة والمواصلات وما تتطلبه من مهارات وتنظيمات اجتماعية واقتصادية وسياسية . فكل هذه تكون مجتمعة ثقافة الامة وثقافة الشعب . فالمعنى الانثربلوجى للثقافة واسع وشامل سعة الحياة وشمولها .
( 5 ) إن ما تقترحه ( وهو ما يعبر عن وجهة نظرنا التربوية ) هو الأخذ بالشمول الانثربلوجى لمدلول كلمة (( ثقافة )) على ان يخضع المحتوى الثقافى المعايير ثلاثة هى :
الحذق والابداع والسمو . فكل عنصر ثقافى انثربلوجى يتصف بالحذق وبالابداع وبالسمو هو ثقافى حقا والا فلا .
فالطباخ يكون مثقفا إذا كان طبخه يمتاز بالحذق والابداع والسمو ( بأن يكون الاكل نافعا وصحيا ) . والشاعر يكون مثقفا إذا كان شعره يتصف بالحذق والابداع والسمو . فهذه المعايير الثلاثة تنطبق على كل نواحى الحياة مادية كانت أو معنوية ، فكرية أو يدوية ، موضوعية كانت أو ذاتية . فكل انتاج بشرى يخضع للمعايير الثلاثة هذه : الحذق والابداع والسمو . فان اتصف بها فهو ثقافى والا فلا .
و بالحذق نعنى المهارة و الاتقان والدقة واحترام الاصول الفنية والقواعد الاساسية للعمل الثقافى . والحذق يشتمل على الصدق والاصالة فى الوقت نفسه . والحذق هذا يتطلب مراسا طويلا ومجهودا شاقا باشراف أساتذة ماهرين وقدوة حسنة . فمن يريد ان يتعلم فنا او يكتسب مهارة فى صنعه او علم عليه ان بحث عن أستاذ ماهر يعلمه الاصول ويسدد خطاه حتى يتقن مادته . فالموسيقار البارع والجراح الماهر يصبح قدوة للطالب ويصدق الامر على الشاعر او العالم .
والمعيار الثانى هو الابداع : وهو الموهبة الخلافة فى الانسان . فالانسان السوى بمل الرثابة والنمطية ويرغب فى التجديد وابراز الشخصية . والابداع قد يأتى تلقائيا فى ظروف مؤاتية . وليس الابداع الاتيان بشئ من لا شئ . بل هو ثمرة خيال خصب وفكر ثاقب يتفاعلان مع ما هو موجود فى البيئة فيكتشفان صيغة حديدة فى الحياة او يعيدان بناء صيغة قائمة فيجددان كيانها . لا شك فى أن الافراد يختلفون من حيث قابلياتهم ومواهبهم فى الابداع والتجديد . فالاكثرية الساحقة من الناس تعيش فى النمطية والرتابة فى معظم نواحي الحياة .
ان الحاذفين المبدعين هم قلة نادرة فى كل مجتمع . وواجب المربين ان يبحثوا عن المبدعين ويبرزوهم . وواجب الدولة ان ترعاهم وتهئ لهم الفرص
ليقدموا لامتهم مما يحملونه من ثمار عبقرياتهم . ان لكل انسان قابلية ابداع تعظم او تصغر وواجب المربى اكتشاف هذه القابلية وتنميتها واستثمارها فى كل فرد . وذلك الى اقصى حد ممكن . فبالابداع والتجديد تنمو ثقافة الامة وتزدهر .
المعيار الثالث هو السمو وتحقيق الخير العام . فكل نتاج ثقافى ينبغى ان يستهدف الخير العام ويسمو بالانسان الى الاعلى . فالحذق والابداع وحدهما لا يكفيان اذ قد يتحقق حذق وابداع فى افعال شريرة . فالسارق قد يكون حاذقا ومبدعا فى السطو على البيوت أو سرقة السيارات ولا يجوز ان ننعت عمل السارق بالثقافة اذن فلا بد من المعيار الثالث اعنى به السمو وتحقيق الخير العام .
ولنضرب مثلا على ذلك الاداء الموسيقى . فقد يكون الاداء ثمرة حذق وابداع فى التأليف والايقاع ولكنها اى الموسيقى لا تكون مثقفة الا متى ارتفعت بالانسان وغذت مشاعره النبيلة . أما إذا كانت من النوع المخدر او اليائس او الماجن فلا نعتبرها مثقفة . وما يقال عن الموسيقى يصدق على كل انتاج فى او فكرى او مهنى او يدوى . فالمطلوب فى الانتاج الثقافى ان يكون ثمرة حذق وصدق واتقان ثم ان يحتوى على طرافة وابداع فلا يجوز ان يكون عمل نقل او سرقة مما انجزه آخرون . ثم ان يرتفع بالفرد والجماعة الموجهة اليهم نحو الخير والى الاعلى . وربما كان حقلا الرياضة البدنية والخدمة الاجتماعية من افضل ما يجسمان مبدأ السمو هذا فى ثقافتنا . فالمطلوب فى لعب الكرة مثلا الحذق والابداع ولكن الاهم من الحذق والابداع هى الاخلاق الرياضية وحب الخير فى الخدمة الاجتماعية . وقد يتساءل البعض عن معنى السمو والخير الذى نريد . الجواب هو ان السمو الذى نريد هو ما يؤدى الى تقوية الفرد والمجتمع فكل ما يؤدى الى الصحة الجسدية للافراد والجماعة وكل ما يقوى الروابط الانسانية فى البيت وفى المجتمع وبين الشعوب وكل ما ينمى العواطف النبيلة . وكل ما يغذى الحياة الروحية والاخلاقية فيرببط الفرد باسرته ومجتمعه وأمته وخالقه هو من دلائل السمو وبالعكس فكل ما يؤدى الى المرض والى الضعف والانحلال هو لا ثقافى .
ولذلك فبعض الانتاج الذى يدعى الانتساب الى الثقافة هو ابعد ما يكون عن الثقافة . وذلك لانه قد يكون من النوع الضار لحياة الامة او المضعف لكيانها فى بعض الحالات .
الخلاصة والاقتراحات :
انه لمن الامور المنعشة والسارة حقا ان تعنى شعوبنا وحكوماتنا عناية بالغة والأمور الثقافية هذه الابام . فالى جانب احداث وزارة ثقافة فى العديد من البلاد العربية نشاهد نهضة مباركة فى انشاء النوادى والجمعيات واصدار الكتب والمجلات والصحف في الشؤون الثقافية . وما نقترحه في هذا الصدد هو :
( أ ) ان تتسع نظرتنا وفكرنا عن الثقافة فلا تقتصر على الشعر والقصة والرواية والسنما والموسقى بل تشمل الانتاج والابداع فى العلوم الانسانية والعلوم المضبوطة كافة كما تشمل المهارات فى الصناعة والزراعة والهندسة والطب والصحافة الى غير ذلك .
( ب ) ان نسعى لجعل انتاجنا الثقافى نابعا من حضارتنا متصلا بحياتنا . وهذا ما يتطلب الحذق والابداع . فقد ينخدع البعض فيحسبون تقليد الاجنبى تقليدا سطحيا هو ابداع . فالكثير مما يدعى بالفن الحديث او الادب الحديث فى بلادنا هو بضاعة مستوردة نحن فى غنى عنها . فقد قام صاحبها بتقليد أديب غريب ينتمى الى ثقافة اخرى . وليس أدل على التقليد الذى منيت به ثقافتنا من زج كلمات اجنبية فى لغتنا مع توفر ما يقابلها بالعربية بصورة ادق وافصح . أذكر على سبيل المثال كلمات : بيدواغوجية ، ديماعوجية , ايديلوجية ، استراتيحية كوادر وما شابهها . فقد يعتبر البعض ممن يستعملون هذه الكلمات ان فى استعمالها ابداع . والحقيقة انه تقليد وليس ابداع . ولو توفر لديهم حب الابداع لابدعوا فى لغتهم الام .
( ج ) من حب الابداع والخلق في الثقافة يتطلب العناية والتشجيع المستمر . ولكن الابداع يكون واهيا ما لم يستند الى الحذق . فالكتاب والشعراء والفنانون قد يحتاجون الى الحذق والى اتقان القواعد والاصول فى ممارسة الابداع . وهلأنا أذكر بعض الامثلة من خبرانى الشخصية :
أزور بلدة نابل بين الحين والآخر لاطلع على نواحى الابداع فى صناعة الخزف . الابداع متوفر ولا شك . ولكنى طالما نصحت بعض المنتجين بأن يعملوا على تحسين الخط العربى الذى ينقش على الخزف .
أنا من المولعين بالاستماع الى الالحان المنعشة فى الموسيقى الالحان التى ترتفع بالنفس الى الاعالى . ولكنى أنصح الشبان المستجدين بعدم تقليد الموسيقى التى تمثل الميوعة والتخنث او التى تبعث اليأس والبؤس فى النفوس . أنا أحب الشعر وانتعش بتلاوة قصيدة بديعة تغذى العواطف وتستثير الهمم وتوقظ الضمير . ولكنى ماذا أفعل بشعر ركيك لا أفهمه و لا
يحرك عاطفتى . أتساءل أين أحمد شوقى اليوم فقد هبط الانسان على سطح القمر ؟ ولم أقرأ قصيدة تسجل هذا الحادث وكنت حفظت أبيات شوقى يوم استخدم الغرب الطيران وكنت طفلا انذاك :
قم سليمان بساط الارض قاما ملك الغرب من الجو الزمام
حين ضاق البر والبحر بهم ألجموا الريح فساموها اللجاما
وكان عمرو بن كلثوم قد سبق حين قال فى معلقته :
ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفينا
فكل من الشاعرين عمرو وشوقى يتطلع الى السمو والرقى ويمثل الدعوة الى النهوض والقوة ! وترك اليأس والبكاء والاستكانة .
( د ) نحن فى حاجة الى اعادة نظرة جذرية فى شؤوننا الثقافية يعهد أمرها الى مجلس ثقافى يضم أبرز العناصر التى عرفت بالحذق والابداع والسمو فى حياتنا الثقافية . هذا (( المجلس )) او (( المجمع )) يتولى تخطيط السياسة الثقافية للامة العربية بل وللعالم الاسلامى من مشرقه الى مغربه .
( ه ) الثقافة والتربية متلازمتان . فلا ثقافة بدون تربية . فالتربية هى العامل الاساسى فى تنمية الثقافة ونشرها بين الناس . فمن الضرورى اذن ان تصبح تربيتنا مثقفة ( بكسر القاف ) فى البيت وفى المدرسة وفى البيئة الثالثة . وهذا يتطلب ان تصبح الحذق والابداع والسمو فى مقدمة اهدافنا التربوية
( و ) ان نظرتنا هذه الى الثقافة قد تكون نظرة موضوعية ظاهرية سطحية على الاكثر . أما النظرة الذاتية العميقة الى الثقافة فانها تتطلب الغوص فى نفس الانسان وتحقيق ثقافة الضمير والفكر والوجدان وغرس الايمان . والثقافة العميقة الذاتية هى فى نظرنا الاساس الذى ينبغى ان تقوم عليه الثقافة الظاهرية الموضوعية . وبتوحيد الظاهر والباطن والانسجام بينهما يعيش الانسان عيشة هانئة ومطمئنة وهو ما نرجوه لامتنا ولبنى الانسان فى كل مكان .
وبعد فهذه آراء شخصية فى الثقافة وتقييمها معروضة للحوار والنقاش الحر بكل صدق وترحاب . والله الهادى للصواب !

