رسالة وحسبي أن تكون رسالة منى الى صديقى الاستاذ الانصارى الذى شاءت له عبقريته أن يستطلع آراء زملائه ، ومن ثم طلابه ، أو مريديه ، وقد أكون من أولئك الذين تتلمذوا أو تطفلوا على أدبه وعلمه الغزيرين . .
حسبى اذن أن تكون هذه الرسالة منى استجابة للاستاذ الانصارى فى استطلاعه عن :
" ماذا تنتظر للعالم الاسلامى والعربى فى عام ١٣٨٨ ؟ "
فلست أعتقد بأننى سآتى بأى جديد ما دام موضوع البحث قد عرضه الاستاذ على
كثير ممن هم أقدر منى على استطلاع مكنونات السياسة الاسلامية والعربية . . أو أنه استطلع من لهم دراية بأمور السياسية التى قد تخفى علي أو هى قد اختفت أمورها لدى ، بالنسبة لتقاعدى عن الكتابة السياسية مدى أكثر من عقدين من السنين .
على أننى استطيع أن أتمثل بالقول المشهور : كذب المنجمون ولو صدقوا .
تمهيد وتوطئة
سيدى الاستاذ :
ان الذي قرأته انما كان تمهيدا أو توطئة لما ساكتبه لك عما انتظره للعالم الاسلامي والعربى فى عام ١٣٨٨ :
اننى يا سيدى لم أكن متشائما أبدا وأعتقد أنك عهدتنى كذلك ، ولكنى اؤثر فى كتابتى أن أتروى وأمحص ، فلا آتي بفج تغص به العقول قبل الحلوق . . فالقراءة زاد - كما تعلم - فان كان الزاد قمينا بالهضم والاستساغة ، كان قمينا بالنفع والفائدة ، والا فهو وسقط المناع صنوان ، لا رغبة ، ولا نفع
قبل أن انتظر للعالم الاسلامى والعربى شيئا فى العام الذى نحن فى مطلعه ، هل لى ان اتساءل : آين هو العالم الاسلامى والعربى فى هاته الايام وما سبقها من أيام ؟
بين المتفائلين والمتشائمين
وقد يقول المتفائلون : ان العالم الاسلام بخير ، وان أمة محمد صلى الله عليه وسلم بخير ، وان هذه الامة انما هى أمة وسط وخير أمة أخرجت للناس
وقد يقول أيضا المتشائمون : ان العالم الاسلامى والعربى قد تقاذفت به أهواء السياسة والاستعمار وانه أصبح شذر مذر لا رابط ولا وازع بين شعوبه وأممه ، وأقطاره وأقاليمه . . أمم تفشت بينهم الفرقة وعمل الاستعمار - وعلى الاصح كاد لهم - حتى فرقهم وجعلهم شيعا وأحزابا ، وداخلتهم مذاهب فتكت بعقيدتهم وسرت فى نفوسهم فكانت أشد هدما لجماعتهم من المعارك والحروب . .
واننى وان كنت أريد أن أتفاءل كثيراوأن أزجى كلمات التفاؤل أكثر مما أزجيت ، مما قد يتشاءم منه القارىء ، لكنى أريد أن أنصف الاستطلاع ، وما أردت الا أن يكون استطلاعك - يا أستاذى - جديرا بأن يحمل على محمل الاخلاص لما ننتظره جميعا للعالم الاسلامى والعربى من خير وبركة فى عام ١٣٨٨ ه . على ان الذى يريد أن يقول قولته عما ينتظر العالم الاسلامى والعربى لا بد له أن يستقرىء التاريخ منذ فجر العالم الاسلامى . . وهذا كما ترى - يا أستاذى - أمر يطول البحث فيه ، ولست استطيعه . كما لا يستطيعه كثير من كتاب هذا العصر
ذلكم لأسباب كثيرة يعرفها كل ذى لب فطن ، وانى انأى بالقارئ أن يزج بنفسه فى معترك أفكار تاريخية متضاربة .
تلكم الافكار هى التى دست بيننا . . وأوحت الينا بالتفرقة ، وجعلت الافكار الهدامة تندس بيننا ، فصرنا شعوبا وقبائل متفرقة ، خلافا لما جاء فى القرآن الكريم " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم
بسبب التهاون
بعد هذه التوطئة أو التمهيد ماذا يريد الاستاذ الانصارى أن أنتظره ؟
هل أنتظر للعالم الاسلامى والعربى نصرا مؤرا على الصهيونية الغاشمة ؟
وقد كانت النكبة أو النكسة كما يقولون بسبب تهاونهم فى تقدير قوى عدوهم وعدم الاستعداد لمصادمته بحق . .
أو هل أنتظر للعالم الاسلامى والعربى جمع الكلمة ولم الشعث ورأب الصدع ؟
فالكلمة والشعث متفرقان . . ورأب الصدع لا يكون الا بتوحيد الكلمة . . واننى لآسف أن أقول : أننا اضعنا توحيد الصفوف يوم أضعنا توحيد الكلمة . .
او هل أنتظر للعالم الاسلامى والعربى الازدهار الذى يتطلع اليه كل مخلص لاسلامه وعروبته وهو يرى الاسلام فى أقصى الشرق وقد منى بأقسى ما منيت به شعوب مسلمة من حروب ودمار أثرت على كيانه فجعلته عاجزا عن حماية مقدساته والدفاع عن نفسه وبالأحرى الدفاع عن اخوانه في الاسلام ؟
أو هل أنتظر من عالم اسلامي يعد بعشرات الملايين وقد وقع بين براثن اللاسلامية ، بين روسيا والصين الشيوعية ؟ أن ينهض بضعة أشهر ؟
قد يقول القارىء انني أكثرت في التشاؤم حالما أني تنصلت منه فى بعض ما كتبته بهذه الرسالة ، ولكنى أعود لما يريده الاستاذ الانصارى فأقول :
لنتمسك بالاسلام
اننى أنتظر من العالم الاسلامى العربى : أن يتمسك باسلاميته وان يجاهد فى سبيل الاسلام .
أن يشارك المسلم اخوانه المسلمين عربا كانوا أم عجما فى جهادهم ضد أى طغيان ، ضد الاسلام .
أن يكون المسلمون متماسكين لا يفرق شملهم احد من الدساسين أو المستغلين
أن يكونوا قدوة لغيرهم من الامم . - أن يفطن المسلم والعربى للمبادىء الهدامة فلا يجعل الها سبيلا لان تندس وتفتك بمبادئه ومعتقداته ومبادئ اخوانه فى أى مكان ومعتقداتهم الاسلامية
أن نكون وفق ما أمرنا به الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم : من أن المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .
أن تكون مهتدين بهدى الإسلام ، هداة لغيرنا لا أن نهتدى بغيرنا .
أن نتزود بالتقوى وأن نعد لاعدائنا ما استطعنا من قوة . . من دبابات وطائرات وذريات ، وكل ما يجعلنا ندافع عن أنفسنا لئلا نؤكل يوم اكل الثور الابيض .
فهل يكون العالم الاسلامى والعربى كما أنتظر وعلى مستوى ما اؤمل ؟ اننى أرجو ، وانه اذا تحقق ذلك وما انطوى فيه من اتحاد كلمة ووحدة علم وعمل فاننى أنتظر للعالم الاسلامى والعربى فى عام ١٣٨٨ ه كل خير ونجاح ان شاء الله والله ولى التوفيق
جدة

