الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

رأي الأستاذ الكبير، عند الحميد عنبر، عضو مجلس الشورى

Share

هذا سؤال تقدمت به المنهل جريا على عادتها فى كل مناسبة تريد به الانارة والتوجيه كما جاء في خطاب رئيس تحريرها . وانا بدورى اقول : هل سأل السيد رئيس التحرير نفسه هذا السؤال ولو سئل فماذا كان يجيب ؟ هل يتنحنح ويستقيم فى جلسته ليقول أوه ان التفاؤل يجب أن يكون اساسا فى هذا الجواب ، نعم ان مستقبل العالم الاسلامي والعربى زاه وزاهر جدا . ستكون الفتوح وستكون الانتصارات وسيسير كل شئ على ما يرام ؟ أم ان رئيس التحرير يعتزل بنفسه ويخفض رأسه فى تفكير وتأمل عميقين يستعرض فيهما حال العرب والمسلمين وما هم عليه من تفكك وتفتت وتفرق شمل ومجانبة فى الاقوال والاعمال ، ثم يكون الجواب صريحا صادقا مدويا يصدع فيه بالصدق والاخلاص قلب كل عربى وكل مسلم ليستيقظ من غفلته ويستنكر كل ما يفعل مما لا يتفق ومبادئ الانسانية . ومبادئ الانسانية ليست الا مبادىء الاسلام .

لقد مضى على المسلمين عصر كانوا فيه تحت ضغط الاستعمار المباشر ، فالاستعمار هو الذي كان يخطط ، وكانوا هم المنفدين ولقد وجد فى هذا العصر الاستعمارى بعض العلماء الذين كان الاستعمار يلجأ اليهم لاصدار الفتاوى لصالحه وللضغط على كل

عالم قد لا يرضخ لبحبوحة الاستعمار وسعة العيش عنده فيصدع بالحق ويوجه الى الهول الذى يجر اليه الاستعمار ، وبذلك ينخفض صوت الحق ويرتفع صوت الضلال ! ومر هذا الدور والمخلصون العاملون من المسلمين فى كبت وحرمان وتشرد ، وصب المستعمر امواله على الجهلة والزائفين وسودهم واعطاهم حق الأمر والنهى فى الخاصة والعامة فساروا على منهاجه وضيعوا واضاعوا ، كان هذا العصر أسوأ عصور الاسلام فى تاريخه الحديث .

واليوم وقد تبدلت أحوال الدنيا ولم يعد الناس يطيقون حياة الفرقة التى كان الاستعمار يسخر بوساطتها عامة الشعب لمصالحه وغايته لم يستطع الاستعمار ان يقابل ثورة الثائرين وعناد المعاندين فشد رحاله ومضى ولكن التركة التى تركها تركة ثقيلة بائسة والاصابع التى تركها تلعب خسيسة دنيئة ، فتزاحم اكثر الحكام بعد الاستعمار على الرئاسة والحكم وجلهم يدعى انه المصلح النافع ففي الهند مثلا وجدت دولة الهند والباكستان ووضعت عقدة كشمير لتكون محل النزاع الدائم والانانية الخبيئة . وفى الشرق العربى وجدت اسرائيل لتهدم كل بناء وتحرم كل بلد من بلدانه الهدوء والاستقرار . وفي افريقية وفى كل بلاد عربية ومسلمة صور من هذه العقد لم يبخل الاستعمار عن تنميتها وتغذيتها في كل لحظة وفى كل مناسبة .

اذن فحال العرب والمسلمين اليوم اسوأ وأسوأ ؛ خصام بين الحكام ومطامع لا حدود لها فيما عند الغير ، شيوخ فى يأس وعزلة ،

وشباب فى قلق وحيرة وانغماس فى تيار الشهوات ، تسابق لاقتناء المال من غير سبيله وتهور فى الاستخفاف بالقيم والاخلاق ، غلو فى البعض ، وتفريط فى البعض ، هذه يا عزيزى القارىء حالة المسلمين والعرب ولا يصلح المسلمون ما لم يصلح العرب ولا يصلح العرب ما لم يصلح المسلمون .

الاستعمار بجميع أشكاله بدأ يغزونا بعقائد نوع أسماءها : ديمقراطية واشتراكية وشيوعية ، هذا الاستعمار الذى أسس الفرقة المغرورة الجاهلة فى الشرق بل وفى كل دول الأسلام ، أوجد هذه العقائد لتكون موضع النزاع الدائم بين أفراد كل أمة ، بل كل بلد وسبيل : حقد دائم ، ونزاع لا ينتهى ، وبهذا ضمن المستعمر اسباب الهدم وموجبات عدم الاستقرار

ان مستقبل أمة هذا شأنها يتوقف على مساعى اولى العزم من الرجال . . هؤلاء الرجال الذين لا يخلو منهم زمن مهما طغت شروره ، وكثرت آثامه ، ان الفيصل فى دعوته للتضامن الاسلامي وبذله الرخيص والغالى في سبيل تحقيقها يضع أسس البناء للامة الاسلامية الحديثة . فاذا اجتمع اهل الحل والعقد من المسلمين والعرب ، وعرف كل منهم مشاكل الآخر ، وعالجها ، بلطف واخلاص ، فان الامل كبير فى انشاء مجتمع اسلامى حديث بأيد مسلمة مخلصة تثبت دعائم الاخلاق الاسلامية ، فى النفوس وتحيى البيئة الاسلامية الفاضلة فى عصور الاسلام الزاهية ، لتحل محل بيئة انشأها الاستعمار ، وبذر فى نفوسها الحقد والكراهية ، والتكالب على المادة ، ونسيان

كل حق لله فى سبيل قرش يدخل الجيب .

ان الطموح الى مستقبل اسلامى عظيم يجب ان يبتدئ داخل كل بيت عربي واسلامى : البيت الصغير قبل البيت الكبير يجب ان تدخل التربية الاسلامية فى كل بيت ، يرضع الطفل لبانها منذ يرى النور حتى يشتد ويقوى .

ان التى سترضع رجال المستقبل مبادىء الدين والاخلاق والفضائل هى الأم - فعلينا جميعا دون تخلف او استثناء ان نعتنى بالأم : أم الدول الاسلامية الحديثة ، وأم الدول العربية الحديثة . ان العناية بالأم يجب ان تكون المطلب الاول لاصلاح المجتمع العربى والاسلامى . فيجب ان نخطط لتربيتها تخطيطا دقيقا شاملا بعيدا عن العقد والتزمت والاسراف والتقتير

ان أم المستقبل يجب ان تكون متفتحة واعية سمحة واسعة الافق لا يعتمد على توجيهها للاستقامة بالقوة بل بالخلق .

وبعد فهل ترانى أجبت على سؤالك يا عزيزى رئيس التحرير ! انه يسعدني ان كنت قد فعلت فانى اتوق من كل قلبي ان تكون لى يد في عمل يهدف الى الانارة والتوجيه - كما قلت فى رسالتك - وان لم استطع فهذا جهدى ، والعذر بعد الجهد عند خيار الناس مقبول .

جدة

اشترك في نشرتنا البريدية