الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

رأي الاستاذ الكبير، احمد عبد الغفور عطار

Share

كانت فترة مابعد الحرب الكبرى فرصة        مهياة للعالم الاسلامي والعربي لينقذ تراثه الانساني ، ويوحد كلمته وصفوفه ، ويجعل من نفسه الكتلة الثالثة تقف بين الكتلتين : الغربية والشرقية

وللعالم الاسلامي والعربى وضع جغرافي واقتصادي يمكنه من قيام كتلة ثالثة توفر لها كل الاسباب لقيامها ، فهي تحوى ثروات طبيعية عظيمة . وطاقات بشرية كبيرة . . ولا تفصل بين اقطارها فواصل طبيعية ، بل هي مترابطة متماسكة جغرافيا

واخذ العالم الاسلامي والعربي باسباب العلم والحضارة ، وفيه من المبرزين العالمين في مختلف العلوم والفلسفات والاداب والفنون .

وشعوبه تكون وحدة متماسكة ، وبعضها مخلص لبعض ، ويشعرون بالاخوة ويضمرون المحبة ويتبادلها بعضهم مع

بعض . وهذا كله قائم مع وجود الخلافات بين بعض زعمائهم وحكامهم

ان كل الظروف في صالح شعوب العالم الاسلامي والعربى ، بل نجد اسباب وحدتها اكثر من اسباب فرقتها .

الا ان دخول الشيوعية كان بمثابة انفجار داخلي في شعوب العالم الاسلامي والعربي ، فصار فيها الانقسام والتفرق . واختلفت شيعا وطرائق واحزابا ، وثارت البغضاء وانكراهية والخصومة بين ابناء البلد الواحد بل بين ابناء الاسرة الواحدة ، وحدثت في اقطاره حوادث لم تقع قط فيها ايام الاستعمار .

حدثت الفتن والحروب بين ابناء القطر الواحد ، وتداعبت المثل الرفيعة على ايدي البغاة ، فجرت الدماء انهارا ، وقضي على افضل الناس خلقا وفضلا ، وملئت السجون بالنساء ، وتشرد الاطفال ، وانتشر الالحاد والرذيلة ، واضطهاد الاسلام شر اضطهاد .

كان الاسلام يجمع اقطار العالم الاسلامى والعربي في وحدة متماسكة ، وهى وان لم تكن وحدة سياسية كانت وحدة تسيطر على السياسة ، فقامت حركات الدعوة الى الاستقلال باسم الدين ، لان الاستعمار كان فاهما حق الفهم ان دين هذه الشعوب هو الخطر عليه فحاربه قبل ان يحارب اي شيء ، فقاومه الدين وحاربته العقيدة

وفي سنة ١٣٤٤ ه ( ١٩٢٦ ) م اصدر الدكتور طه حسين كتابه " في الشعر الجاهلي " وطبعته المطبعة الاميرية بالقاهرة ورضي عنه الاستعمار الغربى ، واشاد بحرية فكر طه وتحرره من التقاليد ، ولكن الاسلام لم يرض عنه وعن كتابه ، فقامت قيامة المصريين ضده حتى " صودر " الكتاب

وأجبر المؤلف على الاعتذار علانية والتوبة جهازا .

ولم يكن المصريون وحدهم في القيام على كتاب طه بل شاركهم من يمثلون العالم الاسلامي والعربي ، وتصدى مفكروه المناقشة طه حسين علميا ، وزيفوا حجمه : واظهروا أغاليطه ، وسوء فهمه وقصده ، ورقة دينه ( * ) .

هذه حادثة ادبية لا دخل فيها لغير رجال الفكر ، وكان من الممكن ان تكون قضية خاصة ، ولكن الشعور بالوحدة القائمة حقيقة بين المسلمين عربا وغير عرب هو الذي دفعهم على مختلف بلدانهم وشعوبهم ولغاتهم الى القيام في وقت واحد على طه حسين ومؤلفه .

وكان اجماع العالم العربي والاسلامى يتجلى دائما اذا جرت احداث في بلدانه او لأفراد فيه او جماعات ، فحادث الامير عبد الكريم الخطابي الذي حارب فرنسا في المغرب لم يمر في صمت ، بل أظهر هذا الاجماع .

وشعور المسلمين بواجبهم كان يدفعهم الى ان يلجأ بعضهم الى بعض لحل مشاكلهم الداخلية فيما بينهم ، فعندما قامت الحرب بين عبد العزيز آل سعود والامام يحيى رحمهما الله قام ممثلون للعالم الاسلامي والعربي بالوساطة بينهما .

وكان المسلمون يساعد بعضهم بعضا وهم واقعون تحت جبروت الاستعمار ، ولم يبالوه ، فكانوا اخوة حقا ، تجمعهم كلمة التوحيد ، وهي التي ازاحت الاستعمار عن اوطانهم ، وكان اتجاه الحكام والزعماء الى تقوية الروابط وتوحيد الكلمة فيما بينهم

حتى يكونوا قوة متحدة بل كانوا قوة متحدة خضوعا منهم لشعوبهم المتحدة في العقيدة .

الا ان دخول الشيوعية في العالم الاسلامي والعربي زلزل ذلك الشعور الاخوي النبيل وأقامت الشيوعية الملحدة اخوة جديدة هي اخوة البغي والالحاد والدم والثورات ، فصار ابو الشيوعة في روسيا هو ابا العمال في كل مكان ، وفيهم ملايين من العمال المسلمين .

والشيوعية تمحق كل دين ومذهب يخالفانها . فقضت على الاسلام والمسلمين في الاتحاد السوفيتي

اما الاستعمار الغربي فلم يستطع القضاء على الاسلام ولا على العروبة . وها نحن اولاء رأينا خروجه من سورية بعد حكم دام ستا وثلاثين سنة . وخروجه من مصر بعد ان حكمها اكثر من سبعين سنة .

لقد خرج الاستعمار من مصر وسورية والإسلام قوى والعروبة الصحيحة قائمة .

وليس هذا بمزية للاستعمار تذكر في مزاياه ، فليس له شئ من هذا ، فهو شر كله ، ولكن الشيوعية استعمار لئيم وشر مستطير ، ولا تعيش الا اذا قضت على كل المثل الرفيعة .

فدخولها لبعض انحاء العالم العربي والاسلامي ادى الى الفرقة والقطيعة والعداوة بين كل اقطاره دون استثناء حتى البلاد العربية السعودية المسالمة التي وقفت نفسها لخير الشعوب العربية المسلمة وشعوب العالم الاسلامي لم تسلم من النيل منها ، بل حاربتها الشيوعية ، لان البلاد السعودية حامية الاسلام والكعبة المشرفة

وكل دعوة للخير سواء اكانت صادرة من مكة حرسها الله ام من غير مكة تترصدها الشيوعية وتقف لها بالمرصاد ، وتحاربها

في كل ميدان وسبيل ، لانها تريد اخلاء الاقطار المعبرة والاسلامية من الاسلام او التشهير به لتجد مكانا لها فتنزله وتجعل منه قاعدة تنطلق منها لحرب الاسلام ولكل المثل الرفعة .

وكثرت قواعد الشيوعية وخلاياها في العالم الاسلامي والعربي ، وسيطرت على بعض الاقطار في قارة آسية وأفريقية ، ويزداد تمكينها على مر الايام بوساطة عملائها من الحكام .

ولا شك ان للغرب وبخاصة دوله الكبيرة كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا يدا كبرى في فتح باب الشرق في وجه الشيوعية فدخلته دخول الصديق

وكانت حرب اسرائيل ضد العرب فرصة جيدة للشيوعية فزادت رسوخا وانتشارا .

فماذا ننتظر للعالم الاسلامي والعربي في سنة ١٣٨٨ من هجرة الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم ؟

ان سنة واحدة لا تكفي لتغيير الاتجاه او احداث التغيير بالنسبة للعموم ، ان كانت تكفي بالنسبة للأفراد سواء اكانوا شعبا أم مجتمعا ام جماعة .

وان الغد ، للاسلام ، مهما تسلطت الشيوعية وقوى الاستعمار ، فهذه اندنوسيا تتخلص على يد ابنائها من الشيوعية التى لا تريد ان تتركها تعيش لتبني مجتمعا يسوده الإخاء والرخاء . ولكنها تخلصت منها كهيئة حاكمة ذات سلطان وسيادة فهرعت الى الظلام تعمل فيه وتنتهز الفرص لضرب الاسلام في اشخاص حكام اندوسيا اولا :

ماذا تنتظر له ونحن نرى ما نرى من

الفرقة والانقسام والخصومة ، الى حد استعمال السلاح المدمر ؟

كان المأمول ان حرب اسرائيل ستوحد كلمة العرب فاذا العرب بعد العدوان والحرب مثلهم قبلهما

ان اختلاف نظم الحكم بين بلدان العالم الاسلامي والعربي قبل دخول الشيوعية لم يكن سبب فرقة وباعث انقسام ومصدر خصومة وحرب ، فلما تدخلت الشيوعية قامت انظمتها التى تهدد كل نظام غيرها . . واستطاعت بقوة النار والحدود ان تقضي على انظمة البلدان التي دخلتها

والعالم العربي لم يفد من هذه الحرب الاسرائيلية ، فاذا كانت اسرائيل قد أعطيت الفرصة لتقوي وتضرب الضربة التي لم ينزل على العرب مثلها في كل تاريخها فان هذه الفرصة لم تفتها حتى الآن

لست متشائما فانتظر للعالم العربي ما ينجم عن سياسة بعض الذين يعتنقون الشيوعية من بقاء الكارثة ، ولكنى لا اتفاءل الى حد ان تكون سنة ١٣٨٨ فيصلا بين عهدين ، لان اسباب الفرقة ما تزال قائمة ، وانصرف . ولقد اتجه الصراع في اليمن وجهة جديدة ، فبعد ان كان الصراع بين العرب انفسهم صار الصراع بين الاسلام في اليمن وبين الشيوعية وانصارها

وعلى اي حال ، لا أرى في المستقبل القريب الذي تمثله سنة ١٢٨٨ ه اي جديد في تغيير الاوضاع القائمة الى ما فيه صلاح العرب والمسلمين ، ذلك الصلاح المنشود الذي نرجوه ، لان اسباب الهدم ما تزال اقوى من أسباب البناء

وكل ما نستطيع هم الامل والدعاء . الامل في وحدة الكلمة والصف على اساس

الاسلام ، والدعاء لله ان يتم هذه الوحدة فيعود العرب والمسلمون كما كانوا اخوة متحابين على اختلاف الاوطان واللغات وانظمة الحكم المتغايرة .

ومن غير الاسلام لن تقوم للعالم الاسلامي والعربي قائمة ، ولن يجدوا بغيره هاديا الى الطريق المستقيم ، فهو وحده القوة التي تنقذ وتبني ، وتستطيع ان تكون القوة الثالثة في العالم ، وهي خير من القوتين : الشرقية والغربية ، ان قوة الاسلام هي قوة الخير والحق والعدل والرحمة والاحسان ، وهذه عناصر الانسانية الفاضلة التي نخطئها في جميع الديانات والمذاهب ، ونجدها تامة في دين الاسلام

مكة المكرمة

اشترك في نشرتنا البريدية