الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

رأي, بمناسبة الاحتفال بأسبوع المسرح, مسرح شعبى أم مسرح تجريبى

Share

مسرح شعبى ؟ أم مسرح تجريبى ؟ : لم تتوصل الطليعة المسرحية إلى الاجابة عن هذا السؤال إجابة مقنعة ، واضحة ، تخلو من الفوضى والتناقض بالرغم من المحاولات العديدة التى ظلت رهينة مبادرات شخصية متباعدة زمنيا ، فماذا نعنى بالمسرح الشعبي ؟ وما هى الأسس التى يرتكز عليها والأهداف التى يرمى اليها ؟ والى أى مدى تتوفر فيما قدم عندنا من اعمال مسرحية ؟ والى ماذا ظلت تفتقر ؟ وما هى الغاية من التجريب وهل هو استمرار ؟ أم مرحلة مؤقتة تفرضها ظروف معينة يقع الاستغناء عنها بعد ذلك ؟ وهل هناك صلة بين المفهومين - الشعبي والتجريبي ؛ والى أين يؤدى اللقاء بينهما ؟

تعرض المسرح الشعبى - وما يزال - الى الكثير من التزييف النابع من طبيعة هذه التسمية نفسها إذ أنها فضفاضة إلى أبعد الحدود ، يتجاهل أصحابها التركيب الطبقى للمجتمع ) محرك الصراع فيه ( بحيث نجد كل الغرف على اختلاف اساليبها ونظرتها للفن والواقع تدعي التوجه إلى الشعب ولو انها تقدم أعمالا كأشد ما تكون جمودا وتحررا و تخلفا و بعدا عن واقع الشعب الذى تتوجه اليه وتتحدث عنه .

فالمسرح الشعبى يعنى بالنسبة لفرقة مدينة تونس مثالا العمل على توفير " الطعام لكل هم " مسرحيا ، فهى وإن اهتمت فى 30 مسرحية قدمتها بحث إدارة على بن عباد - وهي أخصب فترة عرفتها هذه الفرقة منذا تاسيسها الى يومنا هذا - بالمسرحيات العالمية التى لا يقبل عليها الا الذين يتمتعون بثقافه عميقه شاملة ، أو يؤمون المسرح بدافع التقليد و " السنوبيزم " ، لم تتناس تلك المسرحيات الهزيلة التر بدعيم اصحابها

النزول عند رغبة الشعب " أى انها من هذه الناحية لا تختلف عن الفرق الهاوية - الضارية فى متاهات الاسفاف - ايمانا من مسيريها بتحقيق التعايش السلمي بين الانواع المسرحية ولو ادى بها ذلك الى فقدان بعض رصانتها والتزامها بتقديم مسرحيات " الوزن الثقيل "

أما الفرق الهاوية التى أشرنا اليها فالأمية الثقافية و الافتقار إلى الخبرة المسرحية و الفقر المدفع في العدة الفنية شروط أساسية لقيامها ، مع ادعاء اصحابها بمعرفة الجمهور واحتياجاته معتمدين على ما تحققه مسرحياتهم من ايرادات .

واذن فابتزاز الأموال بأقصر السبل وبأقل التكاليف هو المنطلق الاساير لمسرح هؤلاء ، وليس أسهل - لتحقيق ذلك - من الالتجاء الى كاتب مروض على " التخربي شروط مملأة من قبل ، ، و " نجم " معروف عن طريق الاذاعة والتلفزة ) أى بطل شباك ( والبقية عاطلون فنيا ، فكر يا ، ما دام الاخراج هنا لا يعنى شيئا سوى سرد ما جاء فى النص سررا عل وترة واحدة ، ورتابة تصل الى حد الاملال ، يرافقها ديكور مكثف ، حامد ، وحركات وتحركات تضبط كما جاء واتفق

فلو قمنا يضبط مميزات هذا " المسرح الشعبى ! " والخصائص التى تشترك فيها كل المسرحيات التى تنتمى الى هذا النوع لوجدناها كما يلى :

* الإحداث تدور فى وسط ارستقراطى مترف ( وهذا العنصر متوفر حتى في مسرحيات توفيق الحكيم الذي يأتى فى الدرجة الثانية بعد موليار ) .

* تصوير الشخصيات من زاوية سيكولوجية بحتة ) وذلك يمكن من خلق شخصيات نمطية تعبر كل واحدة منها عن سلوك معين (

* تمر المسرحية بأطوار ثلاثة : يقع تقديم الشخصيات فى الطور الاول وهي في حالة هادئة بالرغم من التباين الموجود بينها ، لتدخل مع الطور الثاني في العلاقات التى تدفع الى التاززم فى تآكل تلك العلاقات التى ينظمها أصحابها كما شاء لهم " ذوقهم التجارى " ، لتنتهى مع الطور الثالث الى النهاية المرجوة ) وهي بطبيعة الحال نهاية سارة يتم فيها انتصار الخير على

الشر ، والحق على الباطل ، والعدل على الظلم مهما كانت الظروف والملابسات ( شأن كل عمل ميليودرامي . يتخلل هذه الاطوار الثلاثة تقاسيم من الوعظ والإرشاد من وجهة نظر متعفنة .

المحاور الأساسية تتجمع كلها فى " لعبة الحب والصدقة وما يتبع من عشق ، وهيام ، وزواج ، وخيانة ، وغيرة ، وطلاق ، وصراع بين لا وذهاب الأخلاق وغيرها من المواضع التى تمليها الطبقة التى ينتمى اليها هؤلاء وفشلها أمام الواقع المتطور

. الشخصيات المحورية تنتمى دوما الى أسر غنية ومحافظ ؛ ولكنها ١ منتصره فى النهاية ، بينما تظل الشخصيات المنتمية الى الطبقات الشعبيه لا حول لها ولا قوة ، وكل ما تستطيعه تطبق الاوامر . وهي في : هامشيه الاحوال تثير السخرية ، وتدعو الى الضحك سواء بلغتها المغفسه او بسذاجتها وحمقها . ) وهي عناصر يوفرها مسرح موليار لهذا المسرح ( . الأب الروحى

. الانسياق وراء افتكاك الضحك من المتفرج ولو أدى ذلك إلى التعدي على الاخلاق الفاضلة التى يدعو اليها هؤلاء

اولئك هم " المولياريون الذين جعلوا من كاتب القرن السابع عشر معبدا يحجون اليه ، وبتبركون به ، ويسيرون على هديه منه أن فتح لهم مارون النقاش بتقديمه للمسرحية البخيل - الباب على مصراعيه ليدخلوا المسرح أفواجل ما دام الاقتباس - وهو هنا لا يخرج عن كونه مسخا وتزييفا لمسرحيات موليار - نفسه ايسر طريقة . فترى المسرحية الواحدة لهذا الكاتب المسرحى تقدم بأششكال عدة لا تختلف عن بعضها الا في اسماء الشخصيات . وحجة هؤلاء صح أن مولييار كاتب انسانى يعالج مشاكل خالدة ، صالحة لكل زمان ومكان متجاهلين الظروف والمعطيات التى عاشها ، والمؤثرات المختلفة التى خضعت لها أعماله ، وباختصار فانهم ارتبطوا ارتباطا كليا بكل ما هو ميت فى المجتمع ولو ادعوا العكس .

ان الخلفية التى يستندون اليها هى اعتبار المسرح معبدا للنسيان يدخله المتفرج لينسى همومه ومشاكله وأداة تساعد المترفين على الهضم

( Theatre de digeston إلى جانب افتقارهم إلى الخبرة والعدة الفنية مما أدى  بهم الى الاعتقاد الخاطئ بأن المسرح فكاهة أو لا يكون ، والغريب انهم لم يتوصلوا حتى إلى عمل ينتمي إلى الكوميديا فى أسمى معانيها ، وانبل غاياتها باعتبارها - وان اعتمدت على الضحك - لا تخلو من رصانة وإمعان فكر ، فكل ما قدم فى هذا النطاق لا يتجاوز حدود " الفارص " Farce التى تعتمد على " الارتجال " و " الرعونة " و " اللخبطه " شان كل  ملهاه منحطة " .

وكل ما يمكن ان نقوله عن هذا المسرح الذى ينتسب غلطا الى الشعب هو أنه أفيون يساهم فى تخدير الجماهير ، ومساعدتها على البقاء فى نخلفها ، وعزلها عن واقعها وعدم التفكير فيه ) ولعل الكثيرين يساعدهم أن تظل كذلك ( . وان الاقبال عليه ليس مبررا لصلوحيته واستجابتة الرغبة الشعب ) وهل الادمان على التدخين واقبال الطبقات الشعبيه عليه دليل على صلوحيته ( !

ما أن قدم جميل الجودى مسرحية " قريتى " لعبد اللطيف الحمروني ) صف 1969 ( حتى بدأ تيار جديد يستهوى رجال المسرح ، خصوصا وان المسرحبة - في الظرف الذي ظهرت فيه - لا تخلو من الجرأة والطرافة ، والحمروني يعرف كيف يقدم مواضيعه بمهارة ورشاقة ورقة قلما تتوفر في كتاب المسرح عندنا ، وهو الشئ الذي يعطى لأعماله طعمها المميز ، وطابعها المستقل

وهذا التيار الجديد يمثله رافدان أولهما ما يمكن تسميته ب " المسرح الموجود " الواقع هوTheatre Trou ويتمثل فى اعتقاد اصحابه بأن " الواقع ه مسرح ملوث " فينقلونه لنا دون تنقية ولا تهذيب تحددهما نظرة واضحة للاشاء ، فيكون صاحب هذا المسرح كذلك الذى يأخذ فى سلته كل ما يحد أمامه دون نقد وتمحيص ، ودون اختيار وموضوعية مما يجعل العرض عبارة عن لوحات تؤخذ من الواقع وتشتم منها رائحة " النقد " والانتقاد وأما الثاني فيمكن أن نطلق عليه " مسرح المناشير " Theatre tracts ويختص به المسرح الجامعي بداية من " ثم ماذا " ) تأليف السيد العلانى ، واخراج

محمد المديونى ( وهو لا يختلف عن الاول الا فى كونه اكثر حماسة والهابا للعواطف ، وأشد تجريحا ، وأعنف صراحة

ويمكن اختزال مميزات هذا التيار - برافديه - فيما يلى : * العرض مجموعة من المشاكل تلقى بطريقة " الفلاش " ولا يستغرق كل مشكل اكثر من لوحة . * الخط الذي يربط بين هذه اللوحات شخصية تشاهد . . أو تروى

رفض البطولة وتعويضها بشخصيات تمثل كل واحدة منها سلوكا ، أو موقفا ، أو حدثا . * البناء الدراهى لا أهمية له ، وتوزيع العلاقات بين الشخصيات خال من الدقة والضبط حتى على مستوى اللوحة الواحدة

* المسرحية كلها عبارة عن رسم كاريكاتورى للواقع الاجتماعي تعتمد على الانتقاد ، والهجاء . * ما يؤخذ عن الثقافة الشعبية يظل مادة خاما ، ولا تتتجاوز حدود الفلكور بمفهومه الضيق والسطحى

مما لا شك فيه ان هذه التجارب لا تحركها مطامع دنيئة ، وغارات شخصية كما هو الشأن بالنسبة للمولياريين - باعتبار ان اصحابها يملكون  طبيبه فى الرفع من مستوى الجماهير ، وصقل مداركيا ، والاهتمام ١ . بمتسا كلها ) او لم يقل المنصف سويسى أحد الذين قدموا هذا النوع انه of ببيان المسرح خلق الجماهير وتربيتها ( . غير انهم - وان ارتبطوا بالقوى الحيه فى المجتمع - فقد ظلوا عاجزين عن فهم و استيعاب هموم الجماهير والسطر إليها بموضوعية قوامها النقد والحليل ، مما جعلهم لا يتجاوزون جود المفهوم الشعبوى ) Populite ( للمسرح ، نتيجة انعدام الوضوح الفخرى لديهم ، والانتماء العميق للجماهير التى يتوجهون اليها وهما بمرض اساسيان لكل عمل مسرحي يسعى الى الإقناع ، ف التاثير التغيير .

وإذن فان المسرح الشعبي الذي ينطلق من الجماهير التى تصنع التاريخ في المعامل ، والمصانع ، والمناجم . مستوعبا همومها ، مشاركا فى نضالها اليوم ، مساعدا لها على الوصول الى اهدافها ، مدافعا عن مصالحها ، مسجلا لاحلامها وتحركاتها وانتفاضاتها ، معبرا عن توقها الى الغد الأفضل الذى يكون الإنسان فيه غاية لا وسيلة ، حرا لا مستعبدا يعيش فى اوهام الحرية - على حد تعبير ماركيز - ما زال لم يولد بعد باعتبار ان ٥ مشاركة هذه الجوهير تكاد تكون منعدمة تماما حتى فى المحاولات التى تحاول تصوير بعض انتفضاتها المختلفة ) خذ لذلك مثلا " الزنج " العز الدين المدني ، اخراج المنصف سويسى ، التى انطلقت من انتفاضة تاريخية شعبية تسودها العقوبة ، والتلقائية لا محالة ، فانك ستجد الطبقات الشعبية فيها لا حول لها ولا قوة ، باهتة الملامح ، شاحبة التحرك ، بل لا / بشعر بوجودها الا من خلال السرد فقط ، " محمد على " ايضا - وهي من ناليف محمد وحاء فرحات ، وتقديم فرقة قفصة - سقطت في خرافة البطولة الفردية رغم انها تعتبر محاولة رائدة فى هذا المجال لاهتمامها بمشاغل الطبقات الكادحة الخ . . ( فماذا عن المسرح التجريبى ؟ والى أى حد استفادت منه الحركة المسرحية ببلادنا ؟

بعد بيان مجموعة 11 الذى كان من ضمن المشاركين فيه فرج شوشان ، و المنصف سويسى ، و سمير العباد ، و محمد رجاء فرحات ، و محمد عزيزة وغيرهم ، وهو دعوة حارة الى ضرورة البحث عن لغه مسرحية جديدة نستمد هياكلها من واقع المجتمع التونسى ، وفى سنة 1967 بالضبط ظهرت نسمية " المسرح التجريبى كهيكل كبير يضم 3 وحدات . الاولى ويشرف عليها عمر خلفة و سليمان ميمون بغية اخراج مسرحية " الحضيض ل ماكس قوركي بينما أهتم المنصف سويسى - فى الوحدة الثانية باعداد " لاك عرفى ولانى صانعك " عن مسرحية " السيد بونتيلا وخادمه ماتى لبريشت " أما الوحدة الثالثة فمن نصيب عبد المطلب الزعزاع الذى اختار " الزواج " الفوقول ، فى حين أهتم عبد الرؤوف الباسطى فى نطاق المسرح الجامعي باخراج " وحين تحرق الشمس " لمحمد أدريس التى أردفها فى العام الذي تلاه ) 1968 ( ب " الريش والعروق " لنفس الكاتب ، ( ورؤوف الباسطى هو الوحيد الذى انطلق من نص تونسى تتوفر فيه بعض اختيارات هذا

التجمع ( . باختصار استطاعت هذه التجارب التجريبية أن تحدث رجة في صلب حركة مسرحية يسيطر عليها الاسقرار والاطمئنان والسكون

والواقع ان هؤلاء قد اطلعوا على التجارب المسرحية العالمية وبهرتهم بانجازاتها ، بينما ظل المسرح فى بلادهم يدعو الى الشفقة والرثاء ، ما ان يسير خطوة الى الامام حتى يتراجع خطوات الى الوراء . فكان كل واحد منهم بقدم على الواقع التونسي ب " البفاج " الذي يحمله معه ، معتقدا بانه " الخلاص الوحيد " للمسرح التونسى من الاوحال الغائص فيها ، والخروج به من الابواب الموصدة التى يرتطم بها الى آفاق جديدة ، رحبة ، وذلك لأن السابقين فى الميدان ان لم يتوصلوا حتى الى تحطيم اسطورة " ليس في الامكان ابدع مما كان " . فعلى بن عياد لم يتجاوز اسلوب جان فيلاار Jan Vilaونظرته للأشياء . بحيث ان الذى يهمه - أولا وقبلا كل شئ - هو أناقة العرض ونظافته ، وإبهار المتفرج والسيطرة على اعصابه ، وتطهير نفسه من ادران انفعالاتها " بالضرب عل أوتار الخوف فيها ، وبالاعتماد على ما نسميه ب " الابلاغ الكاذب " حيث يصبح العمل المسرح محاكاة للطبيعة ، وتقليدا لمختلف مظاهرها ، وايهاما للمتفرج بان ذلك هو الواقع ، ليظل " دخيلا " حتى النهاية ، " غريبا " حتى يسدل الستار ، مستسلما لمشيئة المخرج .

هذه التجارب بمثابة ردة الفعل ازاء هذا الترف الفكرى وهذه السيطرة والهيمنة على الحركة المسرحية ، غايتها - على الاقل هذا ما كان بجمع بين اصحابها فى البداية - حمل المتفرج على المشاركة فى العرض ، وتقديم ما يعادل الواقع ، والسعى الى تغيير نظرة المتفرج للأشياء ، وبث الوعي فيه ليفتح عينيه على العالم ، ويتحرر من القيود التى كبله بها السابقون . . وقد استطاعت بالفعل ان تساهم فى القضاء على الكثير من التصورات الزائفة واختراق العديد من التقاليد المقدسة ، واثراء الحياة المسرحية بالكثير من المفاهيم الجديدة ، غير انها تلاشت بسرعة ، ومضى كل الى غايته : انسحب  البعض واكتفى آخرون بتسجيل حضورهم ، وظل البعض الآخر يكرر نفسه باستمرار ، ولم نستطع فى النهاية القضاء على دابر أشباه المثقفين . الذين ما زالوا يواصلون مسيرتهم العرجاء بعد أن هدأت العاصفة من حولهم ، ولفظت هذه الانتفاضة انفاسها ، فماذا حنينا من هذا التجريب الاجابة عن هذا السؤال تفرض علينا التوقف عند التصورات المختلفة له حسب ما تؤيده الاعمال التى قدمت فى هذا النطاق

1 - ان التجريب يعنى تقديم أعمال مسرحية عالمية ، ونحن وإن كنا لا نشك فى قيمة قوت ، أو ماكسسيم قوركي ، أو تشكوف ، أو تورجنف أو بسكاتور ، أو بريشت الخ . . نعتبر ان ذلك ليس مبررا كافيا لمسرح  تجريبى حقيقى ، فليس المهم ، مثلا تعويض موليار ببريش وانما المهم - والهام جدا - ان ننظر لمسرح بريشت نفسه نظرة بريش يشتية والا سقطنا فى نظرة وحيدة الجانب Unilaterale يغيب خلالها الموقف النقدى من التجارب المسرحية العالمية ، وتنعدم القدرة على الاستفادة منها حسب ما يمليه الواقع الذى نود تغييره

2 - ان التجريب يعنى أخذ أساليب معينة واسقاطها على الواقع التونسى ، فتأتى هذه " الاعمال التجريبية " : مفتقرة الى طعم هذه البيئة وما تعج به من تناقضات ، إذا لم يؤد ذلك طبعا الى التقليد والنقل . الهانى بودر التى أعدها المنصف سويسى عن مسرحية Georges Bandin لموليار لا تكاد تختلف - فى النظرة والاسلوب - عن اعداد روحي بلانشون لها سوى أن دندان Dandin عوض ب " الهاني " و عائلة سوتنفيل " - Mr et Mme De Senville بــــ السيد والسيدة القياش الخ . . ) انظر  ما أورده إيميل كوبفرمان Emile Coferman عن كراس التوضيب للمخرج الآنف الذكر ضمن كتابه " المسرح الشعبي . . . لماذا ؟ " ( .

3 - ان التجريب يعنى الابغال فى الاكتشافات الشكلية ، والجرى وراء إظهار المهارة التكنيكية وبالتال إعطاء الشكل طابعه المستقل كتعويض عن الفراغ الايديولوجى الذى يعيشه صاحب هذه التجربة ، وليس كالابهار طريقة لتغطية ذلك ، ولو أدى الى اللخبطة ، والغموض ، والتعمية . فتأتى التجربة غير قادرة على الإفصاح و الابلاغ و التبيان ، وباختصار مفرغة من محتواها الجوهرى

4- إن التجريب يعنى الاخذ باحتراز من التراث بعض خطوطه العامة ليصبح من هذه الناحية بمثابة الجسر الذى يربط الاصالة بالتفتح ، الشئ الذي يؤدى فى النهاية - نتيجة الانطلاق من التفكير الميكانيكي الى - السقوط فى " الفلكورية " ، والسطحية ، والشطحات الخالية من كل وعي وتعمق ، ( لم ينج من ذلك الا العمل الذى قام به النادى المسرحي التجريبي  لدار الثقافة . ابن خلدون - فى عمله " رأس الغول " الذي يمتزج فيه

الواقع اليومى المثقل بالتناقضات ، بالخرافة التى تتوارثها الاجيال لتدفن فيها أحزانها فى نطاق بلد من العالم الثالث يتوق أناسه الى التحرر من ربقه العبودية والاستغلال ( . وهو عمل يشكل استثناء للقاعدة العامة المتمثله فى ضياع الرصيد الحركى الذى ينطوى عليه هذا التراث ، والمخزون الذي يمدنا به ان نحن اقبلنا عليه بمفهوم نقدى معاصر غابته معالجة اهتمامات الجماهير ، والتعبير عن تطلعاتها الحقيقية .

5 - ان التجريب يعنى مرحلة مؤقتة يقع تجاوزها ما إن يقف صاحبها على ساقيه ، ويخلق أسلوبا خاصا يميزه عن غيره ، فهو اذن حل منقوص يمليه موقف تصالحى مع الواقع ، وقد اكدت التجربة خطأه باعتباره لا يساعد على التجاوز والاستمرار ضمن خطة واضحة

وهكذا نرى أن التجريب ظل - كما هو الشأن لمفهوم الشعبية - غامضا ، فضفاضا ، لا يستند الى خلفيات جمالية تستمد طاقتها وحركيتها من " عبقرية الشعب ولا ينطلق من أرضية قوامها الوضوح الفكرى ، فهؤلاء " التجريبيون " - أو على الاقل الذين يدعون ذلك - يعملون على تفجير الأشكال بمعزل عن حركة الجماهير ، ويتحركون تحت وطأة " الانفصام الايديوالوجى الشئ الذى يفرض علينا إعادة النظر في كلا المفهومين ونقص غبار الزيف عنهما ووضعهما فى إطارهما الصحيح انطلاقا مما توصلت اليه الندوة التى عقدت فى نطاق مهرجان المغرب العربي السادس للمسرح ) المنستير 26 جويلية - 4 أوت 1974 ( والمتمثل في :

" أ - ان المسرح أداة توعية وتعبئة للجماهير من مهامه الاساسية طرح قصايا المجتمع ، وتصوير مشاكله وآماله ، والمشاركة فى نضال الشعوب اليومي وكفاحها .

ب - ان المضمون فى المسرح ينبع من قاعدة فكرية تخدم مصالح الجماهير ، لذلك فهو تعلييمي تحليل ( لا تلقيني ( وعظى ارشادى ( بعتمد على اشكال فنية تستمد جماليتها من عبقربية الشعب ، فخيف يتم تحقيق ذلك ؟ وما هى الشروط التى لا بد من توفرها ؟

نحن لا نملك تقاليد مسرحية عريقة ، ضاربة فى القدم يمكننا الانطلاق منها والعودة اليها مثلما هو الحال فى المسرح الغربى الذى نضعه قدوة لنا لأن المسوح لدينا منذ البداية لم يولد بين احضان الجماهير الشعبية حتى تغذيه ، وتتنمية ، وتكيف به نظرتها للأشياء ، وتمثلها للعالم ، وتعبر به عن مطاوحها وآمالها ، وتمارسه كنشاط يومي شأن الفنون الاخرى ، وانما انطلق أساسيا من الطبقة المسيطرة على وسائل الانتاج والتى بهرتها الحضارة الاوروبية يعلمها وتقنتها ، واكتشافاتها واختراعاتها ، وبكلمه ادق فى كل مظاهر حياتها ، فأخذت تحاول الاستفادة منها على أوسع نطاق وفي كل المجالات من ذلك المسرح الذى لم يكن نتيجة وعي طبقى يمليه انتماء هؤلاء الذين نعتبرهم اليوم روادا - للجماهير الشعبية ، وانما أستورد كما تستورد الأقمشة والأثاث المنزلى ، فكان بذلك تطبيقا ميكانيكيا ٥ ذهن متغرب عل واقع تونسي ومن وجهة نظر لا تعير الجماهير أية أهمية ترافق ذلك مناقشات بزنية بسيط عليها موقفان ، احدهما ينطلق من هذا الفقر المسرحي ليؤكد - ويقسم بأغلظ الايمان على ذلك - ضرورة الالتجاء الى المسرح الغربي ونقله وادخاله كما جاء وأتفق بدعوى مسايرة ركب الحضارة ولا بأس ان تلتقي كل المدارس المسرحية على اختلاف انواعها ، وتتعايش الاساليب مهما كان تباينها ، وأما الثاني فقد انبرى يثبت ان العرب عرفوا المسرح ولهم في ذلك بعض الباع والذراع ، ولو ان هذه " الورثه " لا تخلو من التلقائية ، ولا تتعدى ركاما من " الأشكال شبه - المسرحية " والتي لا مناص من الانطلاق منها لأنها تمثل الوجه الحقيقى للمسرح الاصيل المتأصل

النتيجة ابقاء المسرح عندنا في حالة ركود وتخلف دائماين ، فلا هو قادر على مسادرة المدارس الغريبة التى انطلق منها لانها جاءت انعكاسا عن الواقع الذي انثقت منه ، ولا هو يتطور مع الواقع الذي يعيشه رجل المسرح عندنا والذي يتغير يوما بعد يوم ، فلا ننتظر بعد هذا ان يبرز لدينا فن عظيم ، أو نتمكن على الاقل من المحافظة على التواصل و الاستمرار وهما عنصران يتطلبان استبعاب القوانين الحقيقية التى تحرك الصراع فى المجتمع ، ومعرفة طليعة القوة الحية التى تدفع بهذا الصراع الى الأمام .

ولعل أكبر غلطة يرتكبها رجال المسرح - واعنى المتقدمين منهم - اعتقادهم بأنهم أكثر علما من هذه الجماهير ، وأوسع معرفة ، وبإمكانها ىربيتها دون النزول اليها ، فتراهم عوض ان يستفيدوا من اخطائهم

يرجعون هذه الاخطاء الى " جهل هذه الجماهير وتخلفها " وانهم غرباء غربة صالح فى ثمود " . فماذا يعرف هؤلاء عن التركيب الطبقى لمجتمعهم ؟ والى أى مدى هم قادرون على تحديد مكانة الطبقة الكادحة من الانتاجية ووسائل الانتاج وكشف التناقضات المعقدة التى ترزح تحتها ؟

ان معرفتنا للجماهير لن تتأتى الا متى تعمقنا فى ثقافتها ، وكل ابداعاتها ، وحللنا تراثها الذي هو حصيلة الحضارات التى عرفها المجتمع التونسى والتى تركت - بنسب متفاوتة - بصما عليه ، حتى يتم لنا اكتشاف " كنوز الفن الحقيقى " لهذا الشعب ، فالاساطير والامثال والحكايات والخرافات والاناشيد والاغاني ومظاهر الاحتفال تشكل مادة غزيرة تمدنا - ان نحن عرفنا كيف نستفيد منها ونفجرها - بمضامين انسانية ، وأشكال ناعة من روح هذا الشعب ، وقادرة على أن تزيل عنا مركبات الذنب والنقص

غير اننا لا نتجاهل ما يشوب هذا " الواقع الشعبى " من تصورات مثالية فرضتها قوانين الانتاج ، وشطحات صوفية اتخذت شرعيتها بطرق مختلفة . فعملنا يقتضى تقصى كل العناصر الثابتة قصد تجاوزها والنظر فى العناصر المتحركه التى تساعدنا على التوغل اكثر فى هموم هذا الشعب ومشاغله الحقيقية

كل ذلك يمكن تلخيصه فى " الإنطلاق  من الجماهير للعودة اليها " فبقدر ايماننا بضرورة النزول اليها ، وفى قدرتها الخلافة نؤمن بضرورة تنقيه أفكارها وغربلتها ، وهنا يأتى معنى التجريب اى تحويل هذه المواد الشعبيه التى تحصلنا عليها والتي يوجد معظمها فى " وضع خام " اماة الى حقيقة موضوعية اثناء التطبيق . وباختصار فانه يعنى وضع ثقافة الجماهير وابداعها ونراتها وكل ما انتجته وما احتفظت به ذاكرتها فى انبوب اختبار قواهه النقد والتحليل الصادر عن نظرة مادية للأشياء ، تهدف في جملة ما تهدف اليه إلى المساهمة فى تغيير الواقع الموجود ، ومساعدة هذه الجماهير على تحقيق أهدافها وغاياتها ، واذن فهو - أى هذا التجريب اسلوب تفكير متطور يؤمن اصحابه بأن " المطلق الوحيد هو أن لإ مطلق ( أحن يعتقد ان ما قامت به فرقة قفصة فى " ححا والشرق الحائر باليف محمد رجاء قرحات محاولة رائدة فى هذا المضمار حيث غربلت الاسطورة الشعبية من المفاهيم المزيفة ، وجعلت من ححا بطلا ملحميا يجسم

احلام الجماهير وتطلعاتها وحتى تناقضاتها ، ولم تكتف بوصف الواقع كما هو ، بل كما ينبغى ان يكون ( إن أهمية وضع كل ما لدينا فى أنبوب الاختبار تكمن فى قدرته على تمكيننا من :

- القضاء على كل التصورات الفلكورية للمسرح ولو عن طريق الاصالة التى هي كلمة مطاطة طالما اختلطت فى شأنها المفاهيم والمقاييس - lوضع حد الكل المناقشات البيزنطية حول مشاكل هامشية ) ايهما أه الشكل أم المضمون ؟ أو هل عرفنا المسرح أم لم نعرفه ؟ ) .

- استنباط أشكال مسرحية نساهم بها فى اثراء التجارب المسرحية العالمية ) ونحن مدعوون الى النظر فى مسارحنا الاثرية ودراسة المسرحيات التى كانت تقدم عليها وما مدى ارتباطها بالهياكل الاجتماعية فى تلك الفترة ، ومدى انعكاس الانظمة الاقتصادية والسياسية على بنائها المعمارى ( .

- تحديد مفهوم " التونسة " و " التونسية " وتركيزها على أسس صحيحة تنطلق من أن " التونسي " هو نتاج كل الحضارات التى مرت عليه وميزته عن غيره ، وكيفت سلوكه ونظرته لما حوله ، وصنعت لغته ) ومن الحيف - بل التقصير - اعتبار قدوم الحضارة العربية - الاسلامية بداية لتاريخه ) .

- انتاج مسرح مرتبط بالقوى الحية فى المجتمع ، ومتطور بتطور العوامل الموضوعية التى تحيط به .

اذا كان المسرح الشعبى - كما سبق أن رأينا - لا يعنى تقديم مسرحيات ميليودرية تتلق غرائز الجماهير وتعمل على تخديرها ، واذا كان المسرح التجريبى أيضا لا يعنى الاغراق فى تهويمات شكلية تبهر المتفرج وتسعى الى عزله عن واقعه وما يطفح به من مرارة فانهما اذن يلتقيان على صعيد واحد لقاء تكوينيا ، يؤثران ويتأثران بعضهما ببعض ويتطوران حسب ما تمليه العلاقة الجدلية بينهما ، ولا يمكن باية حال فصل أحدهما عن الآخر والا ظلت تحارينا المسرحية عارية ، خرساء ERWIN Piscutor or ونحن نعلم أنه طيلة السنوات التى قضاها بسكاتور

- وهو الذى أعطى للمسرح الشعبى مفهومه الصحيح بنضاله المتواصل نظريا وتطبيقيا كان المنطلق الاساسى لبريششت فيما بعد - فى البحث عن مسرح جدير بهذه النسبة ، قد تغيرت الوسائل التعبيرية ، والكتابة المسرحية وحتى البناء المعمارى للمسرح نفسه .

على هذا الاساس - وانطلاقا من الواقع الذى نعيشه وارتباطا به - يمكن تحديد مهمة المسرح الطلائعي التى تتمثل فى الالحاح على الصراع الطبقى وتنمية الوعى الاشتراكى لدى الجماهير ، حسب لغة قوامها البساطة في الاسلوب ، والوضوح فى التعبير ، والموضوعية فى الرؤية ، تفتح أمام الجماهير المسالك الوعرة ، وتعرى أمامها الواقع ، وتعمل على تحريرها من كل أشكال العبودية والاستغلال ، واضعين نصب أعيننا المثل الشعبي الصينى : " إذا أعطيت رجلا سمكة فانك تطعمه ليوم واحد . . وأما إذا علمته كيف يصطاد فانك ستطعمه دوما " .

اشترك في نشرتنا البريدية