الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

رأي جديد في أصل الموشحات

Share

فى أثناء تحضير رسالتى ( الفاصلة فى القرآن : علما وفنا ) صادفت ظواهر موسيقية غنية فى الفواصل ( كلمات أواخر الآيات ) ، فهناك الفواصل الموحدة والمتنوعة . والفواصل المتنوعة : بعضها متقارب وبعضها متباعد ، بعضها على شكل مقاطع وبعضها الآخر على شكل لازمات متكررة لاغراض فنية ، لكن الذى لم يكن يخطر لى على بال أن أجد تلوينات موسيقية تلقى ضوءا جديدا على جذور الموشحات .

أصل الموشحات

اختلف الباحثون - من عرب ومستشرقين - حول الاصل الذى نشأت منه الموشحات الاندلسية ، ودارت اختلافاتهم حول ثلاثة محاور :

1 - القول بأن فن الموشحات تطور عما انتهى اليه الشعر العربى بعد ظهور تنويعات من التقفية لم تكن معروفة قبل العصر العباسى مثل المزدوجات والمخمسات والمسمطات .

2 - القول بتأثير البيئة الاندلسية ، كجمال الطبيعة أو حياة اللهو والمجون وانتشار السمر والغناء .

3 - القول بالاصل غير العربى .

ونضيف قولا رابعا الا وهو الاصل القرآنى . انه قول لا تقطع به على سبيل الجزم ولكن نؤكد أنه ليس أضعف الاقوال . على ان القول بأن الموشحات ثمرة لا انتهى اليه الشعر العربى من تطور ، او نتيجة للبيئة الاندلسية . ينتهى الى قولنا بالاصل القرآنى بشكل ما . اما الاصل الاعجمى فهو يحتاج الى مراجعة .

نقد الحجج المعروفة

أهم الحجج التى اعتمدها القائلون بالاصل غير العربى ما يلى :

1 - نظم الموشح على طريقة الفقرات ( الابيات : والبيت قفل واغصان ) وهى طريقة غريبة - عندهم - تغاير ما جرت عليه القصيدة العربية من الابيات ذات البحر الواحد والقافية الواحدة ( 1 ) .

2 - ختمه بالخرجة ، وهى ( آخر قفل من الموشح ... ويفضل الوشاحون ان تكون عامية ، لبعث الهزل والظرف فى الموشحة ، الا فى المديح ) ( 2 ) ، والخرجة ظاهرة لم تؤلف فى الشعر العربى ، وهى - عندهم - حلقة تدل على الاصل الاعجمى ( 3 ) .

3 - خلو الموشح من الموضوعات التى تميز الشعر العربى من غيره ، كوصف الرحلات فى القفار المهجورة وصفة حياة البداوة والتنقل والتحدث عن المواقع التى غادرتها القبيلة ... ولانه يتحدث عن اعياد ومواسم لا توجد الا فى التقويم اللاتينى ، ولاستعماله الفاظا وعبارات من أعجمية الاندلس مختلطة باللغة العربية الدارجة ( 4 )

4 - تأخر ظهوره فى المشرق ( 5 ) . 5 - تفوق الاندلسيين فيه وقصور المشارقة ( 6 ) . 6 - ازدراء أنصار الشعر التقليدى للموشح ( 7 ) .

7 - ظهور التكلف فى الموشحات التى نظمها أوائل الوشاحين الاندلسيين ، لانهم كانوا يعانون من تعريب الاغانى الاعجمية ، ومن التقيد بالاوزان العربية ( 8 ) .

8 - التجديد والطفرة فيما درجت عليه الشعوب من أوزان لاشعارها ... أمر نادر ( 9 ) .

9 - خروج كثير من الموشحات - وهى الجيدة - عن أوزان الشعر العربى ( 10 ) .

هذه الحجج على كثرتها مردودة بعد التمحيص : فالحجة الثامنة تنقض السابعة . لان القول بعدم الطفرة فى التجديد ينسحب على القول بتطور الموشح فى النمو من التعثر الى النضج . أما ازدراء أنصار الشعر التقليدى للموشح فظاهرة تشمل أشكال التجديد المختلفة من محاولات الشعراء المولدين المزدوجات والمخمسات ، ولا تقتصر على الموشح وحده .

أما سبق الاندلسيين الى ابتكار الموشح والتفوق فيه ، أو تأخر المشارقة فى النظم على منواله والتقصير فيه ، فأمر متصل الى حد كبير بالخط البيانى لتطور فن الشعر لدى الفريقين . فأقدم تاريخ لظهور الموشحات يرجع الى الفترة ( 275-300 ه : أقدم وشاح هو مقدم بن معافر الفربرى ) ، حين دخل أدب المشارقة طوره الثالث والاخير فى العهد العباسى ، مرحلة الاستقرار ولتدرج نحو الجمود ، بينما كان الادب الاندلسى يتهيأ للانتقال من طور التقليد الى الاستقلال فالتجديد .

أما القول بخلو الموشحات من الموضوعات التقليدية كوصف حياة البداوة ، وانطوائها على آثار أعجمية من ذكر مواسم وألفاظ غير عربية ، فظاهرة فنية أخرى عرفت فى الشعر العباسى - لا سيما مزدوجاته ومخمساته ومسمطاته - ولم تحمل النقاد على القول بأن هذا الشعر من أصل غير عربى . ثم ان جانب الشكل فى الشعر الاندلسى طاغ على مضمونه ، وعلى الاخص جانب الايقاع الموسيقى فى الموشحات . ومتى كان الحكم يقرر اعتمادا على جزء يسير لا على الاجزاء الكثيرة بله ( الكل ) ؟

ان أهم حجة جديرة بالمناقشة المستفيضة : هى مدى مباينة المعمار العام فى الموشح لمعمار الشعر القديم من زاوية الموسيقى ، ثم ختم الموشحة بالخرجة .

حتى المعمار العام فى الموشح - وتنوع القافية عماده - له حلقة تصله بالشعر العربى ، تلك هى تقفية المزدوجات والمخمسات والمسمطات . فأين الحلقة التى تصله بشعر أعجمى ، جليقى أو رومانى أو غير ذلك ؟ نظام ( الخرجة ) أولا وآخرا بؤرة الخلاف .

أهمية الخرجة

لنعد الى تعريف الخرجة : ( آخر قفل من الموشح يسمى الخرجة ، ويفضل الوشاحون أن تكون عامية ، لبعث الهزل والظرف فى الموشحة ، الا فى المديح ) . من هذا التعريف نلحظ الشروط التالية :

أ - موقعها : آخر قفل .

ب - غايتها : بعث الهزل أو الظرف .

ج - طبيعتها : عامة .. الا فى المديح ، أو ان تكون غزلة جدا ، أو مستعارة من خرجة مشهورة أو بيت شعر مضمنا ( 11 )

د - أهميتها : ذكر ابن سناء الملك انها ( أبزار الموشح وملحه وسكره ، ومسكه وعنبره ) وذكر ( انه ينبغى أن يسبق الخاطر اليها ، ويعملها من ينظم الموشح فى الاول . وقبل أن يتقيد بوزن وقافية ) ( 12 ) .

ان أهمية ( الخرجة ) أو الجزء الاخير فى النص الادبى ليست مقصورة على الموشح الاندلسى ، بل هى جزء من ظاهرة فنية عامة تنتظم الاعمال الفنية ، أدبية وغير أدبية ، كالموسيقى مثلا ( 13 ) . ونستأنس هنا بجهود الشاعرة الناقدة نازك الملائكة ، التى كشفت عن ثلاثة أشكال فى أبنية القصائد : الهيكل المسطح والهيكل الهرمى والهيكل الذهنى . وهذا الشكل الاخير يشيع فى الموشحات . تقول السيدة نازك : ( واكثر ما ينجح هذا الهيكل فى القصائد

التى تحتوى على فكرة يناقشها الشاعر بالامثلة المتلاحقة ) اما عن الخاتمة فتقول : ( والخاتمة فى الهيكل الذهنى تستدعى شيئا من البروز والجهورية ، فقلما تتلاشى هذه الهياكل فى سكون ، لخلوها من عنصر الزمن ... فى الهيكل الذهنى يحتاج الى ان يختمها بحكم عام ينهى المشكلة الفكرية التى أثارها ، وذلك باحداث موازنة بين نقط الحركة الذهنية كلها ) ( 14 )

ومن يتأمل الدور الذى تنهض به الفواصل ( المنفردة ) فى ختام سور ( العلق - الضحى - الفجر - البينة - المسد - المزمل ) يجد المثل الاعلى للخاتمة التى توازن مقاطع السورة جميعا . لنتأمل الفاصلة التى تختتم بها سورة ( الضحى ) قال تعالى :

( والضحى والليل اذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الاولى ولسوف يعطيك ربك فترضى

ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فاغنى

فأما اليتيم ، فلا تقهر واما السائل فلا تنهر

وأما بنعمة ربك فحدث ) نزلت هذه السورة - كما هو معلوم - بعد فتور الوحى وابطاء جبريل على الرسول محمد - عليهما السلام - للرد على من قال : ( قلاك ربك )

أ - فى المقطع الاول اقسم تعالى مؤكدا حبه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وعظم ما يعده به .

ب - فى المقطع الثانى فصل تعالى بعض ما أنعم عليه فى الدنيا .

جـ - فى المقطع الثالث جدد له العطاء التوجيهى ، وهو الاصل .

د - فى المقطع الأخير - وهو موضع شاهدنا - حكم عام يشمل العطاء فى الماضى والحاضر والمستقبل ويوازن مقاطع السورة جميعا : ( وأما بنعمة ربك فحدث )

ان تفضيل الوشاحين أن تكون الخرجة عامية - وقد وردت فصيحة على قلة - يرجع إلى الغاية منها .. بعث الهزل والظرف . وهذا ما يسوقنا الى الحلقة المعتمدة لدى من يزعم أن أصل الموشحات أعجمى ، ودليله لفظى جزئى ، ودليلنا عام نستمده من علم الجمال ، وبالذات من أحد قوانين ( الايقاع ) الجمالى ، الا وهو قانون ( التغير ) المعتمد على صدمة فنية مفاجئة تخالف اشباع التوقع التكرارى ، باشباع أشد وأعمق ( 15 ) .

دور أبى نواس

لقد فطن أبو نواس بحسه الفنى للسحر الجمالى الذى ينطوى عليه قانون ( التغير ) فراح يستثمره أبعد استثمار فى خواتم قصائده ، لا سيما قصائد الغزل والمجون ، فطورا يختمها ببيت من الشعر القديم على سبيل التضمين (16) وتارة يقتبس نصا دينيا من قرآن كريم أو حديث شريف على سبيل التماجن ( 17 ) ، مستفيدا من مفاجأة الصدمة السعيدة الناشئة من تحريف الكلم عن مواضعه ، ونقله من سياق الجد الى سياق اللهو ، يقول فى آخر قصيدة له :

بباب بنية الوضاح ظبى        على ديباجتى خديه ماء

كماء الدن يسكر من رآه    فيخفت والقلوب له سباء

( يعذب من يشاء ) بمقلتيه      اذا رنتا ( ويفضل ما يشاء ) ( 18 )

وبوسع الدارس الجاد ان يتتبع هذه الظاهرة فى شعر المجون منذ أبى نواس الى أصحاب المزدوجات والمخمسات والمسمطات فالوشاحين ، ليقررن بكثير من االاطمئنان تلك العلاقة الوثيقة بين الخواتم فى قصائد ابى نواس ، وبين ( الخرجة ) فى الموشحات ( 19 ) .

حسبنا الآن ايراد بعض الامثلة . قال مدرك بن على الشيبانى فى ختام مزدوجة له ( معجم الادباء 135/19-146 ) :

فانظر أميرى فى صلاح أمرى  ( محتسبا فى عظيم الأجر )

مكتسبا فى جميل الشكر       فى نثر ألفاظ ونظم شعر

وقال شمس الدين بن جابر الضرير فى آخر مسمطة له ( نفح الطبيب 31/2 )

حسبى وماذا عناد     هم المنى والمراد

وان عن الحق حادوا   أو جاملونى وجادوا

يا من به الكل سادوا   والكل عندى سداد

( فليفعلوا ما أرادوا     فانهم أهل بدر )

هذا فى غير الموشحات ، أما فى الموشحات فيقول ابو بكر بن بقى فى قفل موشح يختمه :

بالبين يا عابد الحق       جرى القدر

فالشوق عندى لا يبقى   ولا يذر )

كما يقول لسان الدين بن الخطيب فى آخر موشحة : ( نفح الطيب 226/4 )

فتهنأ من حسنها البهج    بحياة النفوس والمهج

واستمعها ودع مقال شجى : ( قسما ) بالهوى ( لذى حجر )

ما لليل المشوق من فجر

هذه العلاقة غير الخفية بين النص الدينى المقدس ، وبين خرجات ابى نواس والمزدوجات فالموشحات ، يمكن أن توضح كثيرا من المعميات فى والبحث عن أصل الموشحات . وقولنا هذا لا ينطبق على الخرجة وحدها ، بل على شكل الموشح وتنوع القوافى مقطعا مقطعا مع ثبات قافية قفل ملتزم .

المعمار العام

بقى علينا أن نعرض نموذجا من سور القرآن الكريم ، يتضمن الشكل المعمارى الذى يظن أن الموشحات الاندلسية تشبهت به أو تأثرته عن وعى أو غير وعى . اليك سورة ( المرسلات ) :

( والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا

انما توعدون لواقع فاذا النجوم طمست واذا السماء فرجت واذا الجبال نسفت واذا الرسل أقتت لاى يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل

ويل يومئذ للمكذبين ألم نهلك الاولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين ويل يومئذ للمكذبين ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه فى قرار مكين

الى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسى شامخات واسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين انطلقوا الى ما كنتم به تكذبون انطلقوا الى ظل ذى ثلاث شعب لا ظليل ولا يغنى من اللهب انها ترمى بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل جمعناكم والاولين فان كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين ان المتقين فى ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون انا كذلك نجزى المحسنين ويل يومئذ للمكذبين كلوا وتمتعوا قليلا انكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين واذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين فبأى حديث بعده يؤمنون

لعلك لاحظت ما يلى : ١ - نهوض المعمار الموسيقى فى السورة على وحدات موسيقية متتابعة ، سمى  الوشاحون ما يقابلها فى الشعر أسماطا .

2 - تتألف كل وحدة موسيقية قرآنية من قسمين : الاول تغيرت فاصلته من وحدة الى اخرى ، سمى ما يقابله فى الموشح ( الدور ) او ( البيت ) . الثانى التزمت فاصلته ، سمى ما يقابله فى الموشح ( القفل ) ، كما سمى ( اللازمة ) فى أحوال معينة .

3 - الانسجام الموسيقى فى كل قسم . فالقسم الاول من كل وحدة يكاد يوحد الفاصلة فى كل وحدة مستقلة . وكذلك القسم الملتزم ( ويل يومئذ للمكذبين ) لا يقتصر التناظر فيه على تماثل التقفية او الوزن ، بل يصل الى التكرار المقصود لاغراض فنية ودينية ، يدرسها قانون ( التكرار ) فى قوانين ( الايقاع ) الجمالية .

4 - توفر الايقاع الموسيقى الرفيع للآيات : من قرائن وفواصل ، على الرغم من مخالفتها للوزن العروضى للشعر العربى .

5 - الآية : ( فبأى حديث بعده يؤمنون ) تعقب على السورة بأسرها ، وتبرز بصيغتها الانشائية ، ومخالفة نظمها للقفل الملتزم ، وتضمنها حكما عاما ينهى مشكلة التكذيب بالدين ويوم الفصل بعد عرض وسائل الاقناع العقلية والنفسية ، مما حام حوله الوشاحون فى ( الخرجة ) على طريقتهم الخاصة ، ومع الفارق .

نحن بالطبع لا نتوقع أن نجد فى القرآن الكريم شروط الموشح التى استنبطها النقاد بعد تطور الموشحات واستقرارها ، لكننا نتلمس الجذور ، كما اننا يجب ان نحاكم الموشحات الى القرآن لا العكس . ولعل أهم ملحظ نشير اليه فى مقاطع هذه السورة المعجزة .. باكبار ، تلك الحرية التى تمتعت بها المقاطع طولا وقصرا ، ثم التزام ( الفاصلة ) الموحدة او تنويعها .

وأخيرا تستوقفنا ظاهرة فنية أخرى ، اتكأ عليها من قال بأصل الموشح غير العربى ، ألا وهى حرص الوشاحين على الخروج عن عروض الشعر القديم ، حتى ان اكثر الموشحات وأجودها كانت كذلك ( 20 ) . وآيات القرآن الكريم على ما فيها من موسيقى ربانية رفيعة سبقت الى هذا النهج وحققت المعجزة . وغنى عن البيان أن المقارنات التى عقدناها بين القرآن الكريم أو جزء منه ، وبين الوان أدبية كالشعر ، لا تغض من قدر القرأن الكريم ، ولا ترفع من رتبته لانه غنى عن الاطراء ، عصى على الازراء ، لما ينطوى عليه من قداسة وشخصية فنية فذة عالية . ولنا فى علمائنا القدامى كالباقلانى والزركشى والسيوطى أسوة حسنة .

اشترك في نشرتنا البريدية