الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

رأي : فضيلة الأستاذ، هاشم دفتردار

Share

نحن الذين نكبنا في قلب وطننا الغالي بأفدح النكبات : نكبنا بالاحتلال والتشريد والابادة ، نكبة جعلت الاستعمار الذي تضحى الشعوب بصفوة ابنائها من اجل الانفلات منه - ألف رحمة - !

يا وقى الله : ما هذه بنكبة ، فكل نكبة - وان تفاقمت - تزول ولكنها سرطان . ان أتى على عضو من جسم الوطن العربي اليوم فما الاعضاء الاخرى بنجوة منه غدا .

سرطان لم يدع حاكما او محكوما ، مثقفا او غير مثقف ، من اقصى الوطن العربي الى أقصاه ، الا والتفكير العلمي المضني من اجل القضاء عليه شغله الشاغل .

هذا السرطان الذي انشب أظافر الاجتياح في فلسطين ، وامتد الى جاراتها بصاعقة غادرة مفاجئة من حديد ونار . في اغفاءة

ساهية من الليل . . دفع كاتبنا الانصارى الرائد : الاستاذ عبد القدوس ان يستثير أقلام الكاتبين ، بتوجيه هذا السؤال اليهم :

" ماذا تنتظر للعالم الاسلامي والعربي في عام ١٣٨٨ ه  "

وهذا دأبه وما زال لدى الاحداث التي تلم بالعالم الاسلامي والعربي من خير او شر .

وغايته المتوخاة سامية حدا . . هي كما اعلن : " استطلاعات تهدف الى الانارة والتوجيه " .

ووجد الكاتب لدى الإجابة نفسه حيال نوافذ ثلاث - ينظر من كل واحدة الى غير ما ينظره ، من الاخرى . وان كان المنظور واحدا - وهو ما يجيء به العام الجديد - . والنوافذ الثلاث هن :

١ - نافذة العاطفة . ٢ - نافذة العقل ٣ - نافذة الاقدار

نافذة العاطفة : - العاطفة منطلق الاماني والاحلام ، وان الناظر من هذه النافذة يرى امرين عظيمين ، قبل كل شئ يحلم به :

الامر الاول : - يرى أن قوى الايمان في العالم ستسود قوى الكفر ، فيقضى على الاستعمار ، وبالتالي يقضي على الحروب التي هي أفواههه الفاغرة النهمة الملتهمة . . من قبل ان تفرض غريزة الدفاع عن النفس الحرب الذرية الصاعقة المفاجئة . التي هي نهاية الحضارة وأهلها معا .

ألا ترى العلم قد استطاع ان يجعل لحظة بطش الغادر الخاطف المفاجئ : هي بالذات

لحظة الانتقام الساحق منه دون تأخير او انفلات .

الامر الثاني : - يرى الناظر من هذه النافذة البلاد المقدسة - فلسطين - محررة من يد الظالمين المغتصبين ، ويرى أهلها قد عادوا اليها بعد أن شردوا وباتوا لقيمات مطروحة في المخيمات توشك الصحارى بحريق قيظها وزمهرير بردها وبالمرض والجهل والاهمال ان تبتلعهم

فهذان الامران هما اللذان يشاهدهما الناظر من نافذة العاطفة ، والعاطفة أداة حماسة لا تصنع ولا تنتج ، انما الصانع المنتج هو العقل المحلق بجناحي العلم والعمل .

أن المنى لم تقصر بل قصر المتمني

ووظيفة المعاطفة في المجموعة النفسية هي وظيفة الوقود المحرك لانجاح الاعمال الكبرى الخيرة والشريرة معا .

ولو لم تكن العاطفة الانسانية الخيرة من اكبر البواعث الكريمة ، على احقاق الحق ، وابطال المباطل ، وعلى النجدة والايثار ، وكف عدوان المعتدين عن الافراد والجماعات لكان النظر من نافذتها الى الاحداث المقبلة سخرية السخريات .

نافذة العقل : - والنظر من نافذة العقل ، الى ما يحمله العام الجديد من الاحداث ، للعالمين الاسلامي والعربى بل للعالم أجمع ، يفرض الاستعداد بالاعمال الجبارة المضحية استعدادا تبذل فيه أقصى الامكانات واكثر المقتنيات والاموال .

لان نافذة العقل مبنية على الاسباب المرتبطة بالسنن الكونية .

وهذه جملة أسباب العزة والكرامة التي ينظرها العقل : -

١ - وحدة الكلمة . ٢ - القوة المتفوقة . ٣ - البذل من اجل السمو الحضاري ٤ - العمل المتواصل ٥ - الايمان ذو الارادة المنفذة . ٦ - اليقظة المفكرة . ٧ - الطاعة المبنية على العلم وفهم المصلحة العامة .

٨ - الشجاعة المدربة البصيرة . ٩ - الطموح البناء الماجد . ١٠ - الروح الخلقي السامي ١١ - التفوق العلمي في كل الميادين ١٢ - الاستقامة المخلصة في كل الامور ١٣ - الاعتماد على المؤمنين الصادقين والبعد عن المنافقين .

١٤ - رصد عيون الاعداء ومخابئ مكايدهم .

أجل هذه جملة أسباب الحياة السامية العزيزة الكريمة ، التي تنيل الامة الانتصار في كل ميدان ، وتحفظ لها وطنها وحريتها من الزوال ، وتجعل كلمتها موقرة مسموعة . ذلك لانها منبثقة عن السنن الآلهية المفروضة .

وأي أمة تنحرف عنها الى اضدادها ، انما تنحرف عن امكاناتها التى وهبها الله لها لكي تحفظ حياتها وحريتها . وبذلك تتيح لأهون اعدائها فرصة استبعادها وابادتها زد : " وبارادتها وصنع يديها " .

١ - ذلك لان الفرقة تمزق الامة شر ممزق وتجعلها لقمة سائغة لكل طاعم .

٢ - وفقدان القوة المتفوقة يجعل الذين يحوزونها من الاعداء قادرين على اقتحامها وسحقها متى شاؤا ، غير حاسبين لها أي حساب ، في شان من الشؤون

٣ - وامساك الاموال عن البذل من اجل  التقدم الحضاري يجعلها متخلفة ، ويفقدها القدرة عن انشاء المعاهد العلمية والجامعات والمصانع المختلفة التي تؤمن لها كل ما تحتاجه من مرافق الحياة العزيزة الكريمة

٤ - والأعمال المتراخية المتقطعة تجعل أفراد الامة يستطيبون الفراغ ، والفراغ أوسع ابواب الشر ، والكبر حاجز دون نيل الامجاد .

٥ - وقلة المؤمنين الصادقين في الامة الذين يحملون الارادة الصارمة الخبرة يكثر فيها سواك المنافقين الانتهازيين الذين هم معاول خسرانها ، وأوبئة امراضها ، وعيون أعدائها الراصدة القاتلة .

٦ - وفقدان المفكرين الايقاظ في الامة يجعلها ابدا الى الوراء ، وتجعل اعمالها كهواجس النيام ، المرتجلة تريك في الاغفاءة ما يسر ، وفي اليقظة ما تكره .

٧ - والطاعة المبنية على العلم ، وفهم المصلحة العامة ، هي التي اخرجت الابطال المضحين في صدر الاسلام ، وتخرجهم على مدى التاريخ . الابطال الذين يجودون باموالهم وأرواحهم من أجل الابقاء على امتهم وسؤددها وتقواها . وهؤلاء الابطال في كل امة هم منارات الخلود والاسوة المثالية الحسنة للأجيال القادمة .

والذي رفعهم الى كل ذلك هى الطاعة العالمة المبنية على ايثار المصلحة العامة ، ومهما يكن ففي الطاعة شوكة وانتصار وحياة وفي العصيان ضعف وانهزام وموت

٨ - واذا اقترنت الطاعة بالشجاعة البصيرة المدربة . فهناك صدق التضحية والفداء وبذل الانفس والاموال في سبيل الله . وهناك تشاد معالم التاريخ وفخاره

وخلوده حقا . . وهناك ترفرف رايات الانتصار .

٩ - والطموح هو الذي يبني الامجاد الخالدة ، ولولاه لما رأيت في كل أمة شبابا يقتحمون ميادين العلم والصناعة والدفاع بكل بسالة واقدام وصبر وجلد ، غيرحاسبين للموت أي حساب . بل كل حسابهم ان يحققوا الامجاد الخالدة التي تهواها انفسهم الطامحة وتثور من أجلها .

شباب قنع لا خير فيهم

                  وبورك في الشباب الطامحينا

١٠ - ولنأخذ هذه الحكمة العالية : الامة هي الاخلاق ، فان كانت الاخلاق عظيمة كانت الامة هي العظيمة . . وان كانت الاخلاق منحطة كانت الامة هى المنحطة . وأمتنا منذ فجر تاريخنا الاسلامي الساطع . وكل اعمالها وفتوحاتها مركزة على مكارم الاخلاق وحسبنا ان نعلم ان الاسوة الاعظم لكل المصلحين نادى الناس جميعا بقوله :

" انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق وبكلمة مختصرة : قل " ان الامة تفوق الامة بمقدار ما تملك من الاخلاق الكريمة . "

١١ - والتفوق العلمي في كل أمة هو الذي يكسبها التفوق الحضاري . وكلما اتسعت الامه في معارفها اكتشفت آفاقا جديدة من امجاد الحضارة لم تكن من قبل .

   والعلم نور ، ولن توجد حضارة بغير نور ، وزيادة العلم زيادة في النور . ولا شيء أثمن في الوجود من زيادة العلم . . ويكفي لكي ندرك هذه الحقيقة العليا ان نذكر ان الله عز وجل امر نبيه ان يطلب زيادة العلم : " وقل رب زدني علما " .

١٢ - وما أكرم الاستقامة وما أحل أهلها وما أصفى مخارجها ومداخلها ، انها كوضح النهار ، اخلاص عمل وصدق قول " واقبال

على اشراف الامور واعراض عن سفاسفها . وان شئت تعريفها بكلمة موجزة فقل : " الاستقامة هي الخير بأسمي معانيه " . .

والمصانعة في النصح خيانة يمقتها الحاكم والمحكوم معا . اذن فلنتكاتف ونصعد الى اعلى قمة في الارض ، ولنهب بهؤلاء الماديين الذين يعدون عدد الذرة والهيدروجين ، للاطماع والانتقام ، استقيموا لتدوم عليكم نعمة الحضارة ، وغزارة مائها الخصيب

" وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا " .

وان لم تستقيموا فالمصير المحتوم ، معروف انه مصير الامم البائدة!!.

١٣ - ومن أجل ان تدرك الدولة الانتصار والقوة والمجد يجب عليها ان تقصر ثقتها على المؤمنين الصادقين أولى الحكمة والخبرة والنشاط وتوكل اليهم كل أعمالها الحاسمة . وان تحذر المنافقين الخداعين الذين يفرحونها بأقوالهم المعسولة ويحذفونها بأعمالهم المريرة.

 تفعل ذلك اسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يعتمد على المؤمنين الصادقين في غزواته ، ولا يبالي يتخلف المنافقين ، بل يقبل اعذارهم وأيمانهم وهو يعلم انها كاذبون على ان خروجهم معه لا فائدة منه ، ولا رجاء فيه ، بل هو تعويق في تعويق

١٤ - وفي غفلة الدولة عن رصد عيون الاعداء ، ومخابئ مكايدهم انهيار لها . . وهل تنزل النوازل وتلم الملمات بالامة ، ويقضي ليها في جنح الظلام الا من غفلة الدولة عن امثالهم . ومهما يكن فالغفلة هى الموت ، واليقظة هى الحياة ، وشتان بين الاحياء والاموات .

وكم يسعدني أن يراجع المطالع نصوص الوحي التي وردت حول الاسباب التي أوردت . لأني لو ذكرتها ، لتحولت الكلمة الى سفر ضخم . وهي دانية القطوف فى كتاب الله وصحيح السنة لا تفتقر الى جهد كبير.

ويدرك المطالع هنا . . أن الناظر من نافذة العقل ، يستطيع أن يرى الأحداث في العام المقبل وما وراءه ، ما دام يملك عقلا ناضجا ، يفكر به ويقدر ويتصور ويصور.

ولكن لا ينبغي أن يهوله ما يرى . . بل عليه أن يعمل ويعمل ، بكل ما يملك من امكانات وعزائم ، ما دام وراء أعمال الاسباب الظاهرة والخفية . . سلطان القدر المطلق ، وغيوب ما يبرمه ويحريه . .

    ومن أجل ذلك تجد دول العالم كافة يعدون أحدث القوى الضاربة بأقصى ما لديهم من طاقات ، وقاية لمصيرهم من الزوال .

وهذا شأن قادتنا ، فانهم ينتقلون من بمكان الى مكان لابتياع أحدث العدد . . التى يعتمد عليها في صيانة الوطن وأهله . .

 ولو وعي قادتنا بالامس ما وعاه قادة اليوم . لما حلت بوطننا المقدس هذه النكبة التي لم يحل مثلها حتى بسكان أمريكا القدماء الهنود الحمر الذين أبيدوا .

واليوم لا حياة لشعب ولا مرافق حياة . . اذا لم يستظل ببأس الحديد الشديد ، واذا لم يشيد مصانعه ولم يقم مزارعه ولم يجر تجاربه بمنافع الحديد . . " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد . ومنافع للناس . .."

  وأي شعب لا يبذل لكي يستظل بأجنحة الحديد الطائر ، يباد أو يشرد أو يستذل . .

وقيمة الاجنحة الحديدية الواقية مثلها للعيان امير الشعراء في قوله :

  ولو ان قادة الامس وعوها وعيا عمليا بناء كما وعاها قادة اليوم لما حلت بأمتنا هذه النكبة الغادرة الفادحة .

  ونهاية ما يقال : "ان النظر من نافذة العقل يفرض علينا التزام الاخذ بأسباب الانتصار التي أقامها الله عز وجل بتضحية وتدريب وايمان بأن تدبير الله يسبق كل تدبير ، وأمره يغلب كل امر ، ولله الامر من قبل ومن بعد " .

              نافذة الاقدار : -

   والنظر من نافذة الاقدار لا يجعلك تستجلي حقيقة ما يحمله العام الجديد من الاحداث . أني يكون ذلك ، والاقدار محجبة في غيوب الله عز وجل . لعلك تقول . .

" الاسباب من الاقدار المبنية على سنن الله . وسنن الله لا تغيير لها ولا تبديل !

فالقوة سبب يهزم الضعف ، والوعي سبب يصرع الغفلة ، وتوحيد الكلمة سبب يسود التفرق ، والنظام سبب يقضي على الفوضى ، والعلم سبب يجعل اهله فوق الجاهلين .

وما دامت الاسباب من الاقدار فيكون العلم بنتائجها قبل حصولها علم من غيوب الاقدار .

والحق أن كل الكائنات بهذا الاعتبار اقدار . . لان الله القامها على سنن واسباب ولكن لا ننسى أن الاسباب : منها الظاهرة ومنها الباطنة ، ومنها المعلومة ومنها المجهولة .

والعلم الانساني لم يستجل بعد كل اسباب الحياة الدنيا الظاهرة . فما بالك بالخفية منها والاخفى .

ومن أجل ذلك تجد ما يقدره المفكرون

الافذاذ من الاحداث المقبلة ، لن تكون دائم عين الواقع المحجب ، ومهما يكن فأعمال الاسباب شتى ومتفاوتة . واكثرها خفية ومجهولة .

وعلى لفتة من اذهاننا امثلتها تتواثب : - ففي المحيط الطبعي عاصفة البرد التي كانت زاحفة على لبنان ، في هذا العام حسب رصد العلم ، كيف اصطدمت بعاصفة اخرى اقوى منها لم تكن في الحسبان حولت اتجاهها . ولولا ذلك لحلت بسببها اهوال ونكبات .

وفي المحيط الانساني رأينا امة اليابان التى في كبريائها متيقنة أنها تربح الحرب العالمية الثانية بسبب ما تملك من اساطيل جوية وبحرية ، وجيوش جرارة مدربة على أحدث فنون الحرب وافتك عددها الصاعقة الخاطفة ، ومع ذلك فقد القت سلاحها وآثرت السلام ، بسبب قنبلتين ذريتين ما كانتا في حسابها.

   ولا تحصى الشواهد التي مرت في عالمنا والعوالم الاخرى ولا يعلم الا الله ما هو آت ، واعمال الاقدار كالاعاصير الخاطفة المفاجئة بالنسبة لعلم الانسان فربما تبقى على وكر نمل ، وتدمر مدينة وربما تثبت ثمامة في منبتها ، وتقتلع سنديانة من جذورها . لانها لا تسير على نمط من علم الانسان وتقديراته.

  وأية موازنة بين علم الله واقداره ، وعلم الانسان . . بل قل بين علم أمل العوالم كافة وتقديراتهم فقد يكون ما يرونه خطأ او غير واقع هو عين الصواب وذات الواقع وما يرونه صوابا او واقعا هو عين الخطأ ، وغير واقع ، يلمسون ذلك بوعي حواسهم لو رفعت الاستار.

لذلك لن ييأس المؤمن الناظر من نافذة

الاقدار ابدا . . ولو أبصر انقضاض صواعق السماء ، واقتحام زلازل الارض واعاصيرها عليه من كل مكان .

   واليأس لا يجمل من مؤمن ما دام هذا الغيب في حجبه ، وحسب المؤمن انه يبذل كل طاقاته بحماسة وصدق وايثار وفداء حتى يكون مستقبل الامة خيرا من الماضي . بما مكنه الله من اسباب فوض امرها اليه . . وانه يطلب من الله الرعاية والسداد والتأييد مما لم يمكن له من أسباب هو يجهلها . . مع صدق الايمان لما أنزل من وحي والتزام الطاعة والامتثال وتجنب المخالفات . ليكون عند الله صاحب حق بالنصرة في كل مواقفه الحاسمة .

" و كان حقا علينا نصر المؤمنين " . و " لله الامر  من قبل ومن بعد " .

اشترك في نشرتنا البريدية