سئلت عن الأدب والأصالة : ما الأصالة فى الأدب ؟ وسئلت : من الناقد في نظركم ، وما تنتظرون منه ؟ فأجبت حضرة السائل
- ما الأصالة ؟ ماذا لو قلت أمامكم : اني اشعر بالخجل ؟ أو قلت أمامكم : ان ذهنى ليتغيم صفاؤه . ويكفهر حين يستحضر هذه الكلمة " الأصالة " لقد امتحنتني الأصالة امتحانا عسيرا قاسيا . ففي ذلك الغيب الذي لا تنفذ اليه عين ناظرة ، ولا أذن سامعة ، ولا لمسة رحمة من يد ناعمة ، ولا ابتسامة حنو دفيئة بالمحبة . هنالك في وحدتى وتوحيدى ، كنت اكتب ما أجده حاضرا على لسانى من أبيات شعري . حقا لقد كنت أضعف من أن أرفض الكتابة بيدى وقلمي معبرا عما تمليه على ذاتى . وكنت أقوى قوة من ذلك الصمت الذى كان يتحدانى فى سذاجة ، وكبرياء جنون
فما لم تكن هناك ذات شاعرة ، فلا اصالة . وما لم يكن هنالك ايمان بالذات الشاعرة ، فلا اصالة . وما لم يكن سمو الى أعلى منازل الاخلاص للذات الشاعرة ، فلا أصالة . وأين الطائر المحلق فى اجواء الرؤى ، ان قصصت قوادمه ؟ واين الطائر الغريد أن خضدت منقاره ؟ واين صورته ان تنصلته من زينة ريشه ؟ فاذا كانت كل كلمة من كلمات الشعر مفعمة بكل مقومات الذات الانسانية الحية الشاعرة ، وبكل خاصياتها ، فذلك عندى هو الشعر الأصيل ، والأدب الأصيل . وما لم يكن شئ من ذلك ، فذلك هو الزيف والبهرج ! وفى ادبنا التونسى كثير من الأصالة ، وكثير جدا من الزيف وانه لينتظر انصاف حكم النقد . فهل وجد الناقد الأصيل ؟
يبلغ الناقد ان يكون فى القمة التى يسمو اليها الأديب الشاعر ، اخلاصا وصدقا ، فينفذ ساعتئذ ، نفاذا الى صميم الأثر الشعرى الذى وضع بين بديه ، فتمسه رعشة حياة ذلك الأثر ، وتضمه إشراقة نوره ، ويكاشفه سره ، وتدب في ذاته نشوات موسيقاه ، وتشوق نواظره طيوف أحلامه
وأمانيه ، ويحيا مستغرقا فى متاع من حياة ذلك الأثر الأدبي الشعرى ، ومأخوذا كذلك بما فيها من غصص ، ودموع ، وابتسامات ، وطوالع استبشار . بل وبما فيها ، مما هو أبعد من ذلك عمقا ، وأبعد من ذلك اتساعا ، من لمحة الايمان بالوجود الحق ؛ ومأساة التحمل !
وإن الناقد المستكمل الفن ، والذوق الرهيف السليم ، لمباح له من الأثر الشعرى ما هو مباح لغيره . ولكنه لما امتاز به ، من الحس الشعرى ، وصحة الأداة يستأثر بما لا اقتدار لغيره عليه ، فيملأ كفيه من جنى الأثر الشعرى وعطائه الدائم ، ويعود بذلك لأولئك المنتظرين ! أو ليس الناقد بهذا الصنيع أبر برا ، وأسخى سخاء ، وانه لا يستطيع ان يفعل اكثر مما قد فعل برا بالاثر الشعرى . وبرا بمن مكنهم من توثيق صلتهم الغنية بما كان مباحا لهم ولم يقتدروا عليه
وانى لأعتقد اعتقادا أن هذا الناقد موجود بيننا ، بل اعتقد أن من بين من نعتز بهم هؤلاء النقاد الأفذاذ ، ومع هذا أجد مرارة الأسف ، إذ قد شغلتهم وظائفهم ، وما يضطلعون به من أعمال الأدارة ، والسياسة شغلا كبيرا فحرمنا من توفيق دلالاتهم ، وسداد آرائهم ، وحرمنا جميعا الافادة من عطائهم الذي لن يستعاض عنه بشئ . وصمدنا للصمت ، وما زلنا نصمد له !

