حضرة الاستاذ الكبير عبد القدوس الانصارى المحترم تحية وتقديرا . . وبعد
فقد تشرفت بتناول رسالتكم المبهجة التى بعثتم بها الى راغبين فى ان اشارك فى استفتاء " المنهل " عن ملامح المستقبل العربى كما اتخيلها . واننى اذ أشكر سيادتكم على حسن ظنكم واذ أقدر لكم هذا الثناء السابغ . فانه ليسرنى أن أساهم في الاجابة . . وان ادلى بدلوى . . ولا سيما في موضوع كهذا فيه من الرحابة والاتساع ما يفتح آفاقا بعيدة امام الكاتب . . كيف لا . . وهو يسبح فى الخيال ويطلق عنان القلم فى بيداء الاحلام . .
ولكن كلمة صغيرة أود الاعراب عنها اعتذارا عن تأخير غير مقصود . . فقد كانت رسالتكم التى بعثتم بها إلى ، تداولتها عدة ايد . ثم استقرت عند صديق أخشى أن يكون مصابا بداء الذهول . . ان لم يكن عدم المبالاة فحبسها سامحه الله حتى
اوشكت المناسبة أن تفوت ، وحتى ترددت فى الكتابة مع ذلك التأخير . . أو لست معي ان هذا يذكرنا بقول ابي الطيب
ومن العداوة ما ينالك نفعه
ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
ولكن لا بأس : فلنشعر مع بشار :
اذا انت لم تشرب مرارا على القذى
ظمئت واى الناس تصفو مشاربه
وأرجو بهذا ان اكون قد ابديت عذرا مقبولا . .
ولأعد للموضوع المنوه عنه آنفا . متوخيا الايجاز لكيلا يسأم القراء من اطناب قد يعده البعض فضولا من القول ولغوا من الحديث . . ويقول وهل فرغنا من مشاكلنا الواقعية حتى نشتط في الخيال ؟ فماذاك الا هروب من الحقائق . أملاه الجبن عن مواجهة الواقع . أو فراغ يزجيه صاحبه فى هذر فارغ على حساب وقت القارىء وأعصابه ، فى عصر الذرة والصاروخ ومراكب الفضاء ، أو لسنا في حاجة الى ذلك الوقت الذى يهدره الكاتب في غير ما طائل . ثم تمتد عدواه الى القارىء ليضيع دقائق من وقته فيما لا يجدى ! وكان الاجدر بنا أن نتعاون على حفظ الوقت الثمين الذي هو أغلي من الذهب واللآلئ . وأشد مضاء من السيف الباتر فاذا قيل أن الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك ، أو الوقت من ذهب فان ذلك غير كاف ، وانما الذهب كالوقت والسيف كالوقت . ليكون المشبه به مشبها . . ارجاعا للأمور الى نصابها . . ووضعا للأشياء فى مواضعها . . فشيئ هذا شأنه أولى به أن يستغرق جميعه في العمل والاشادة . بدلا من القول والخيال
كأنى وبعض القراء وقد قالوا هذا أو
اكثر منه وهم يقرأون تلك الاجابات ويكتهفون أمانى الكاتب وأحلامه التى كانت مستورة يحتفظ بها لنفسه قبل أن يورطه سيادة الاستاذ عبد القدوس فى نشر أفكاره واظهار خفايا نفسه
ومع أن بعض القراء سيقول اعتراضا ويستفهم انكارا فانى لست مع هذا الصنف فى كل ما يدعى . فلولا الخيال لم نجد كثيرا من الواقع ولكانت المخترعات فى خبر كان وفي طى النسيان والعدم
ثم من قال أن الحياة ينبغي أن تكون جامدة جادة بلا مرح ولا خيال ولا أماني . ان فى المنى لذة عبر عنها الشاعر واجاد
مني ان تكن حقا تكن احسن المنى
مني ان تكن حقا تكون احسن المنى
والا فقد عشنا بها زمنا رغدا
على أن اكثر الامم صرامة واغراقا في الجدية قد أقاموا المنتديات ودور التمثيل الهزلية ودور الخيالة ليستريحوا من قسوة
المادية والصرامة و ليعيشوا مع الخيال بعد ان ياخذوا نصيبهم من العمل الجدى .
فلماذا يستكثر البعض أن نعيش دقائق مع الكاتب لنرى عصارة أفكاره يسكبها باسلوبه الصريح في غير صخب ولا ضوضاء .
وأرانى بعد قد أطلت المقدمة وأخالني تأثرت بجو الاستفتاء فغلب طابع البيئة على الاجابة منذ اللحظة الاولى .
اننى اتخيل ملامح المستبل العربي عظيمة هائلة . .
ولكنى أشعر بعجز عن الوصف والتعبير . . واتخيل الرؤى الضخمة ولكن الاجزاء الدقيقة يشوبها الابهام والغموض . .
وهل ما أراه أحلاما وخيالات ؟ أو مني ورغبات . احسب ان الصفتين تلتقيان كثيرا فى اجابة أى كاتب ، مهما حاول فصل كل منهما وتمييزها . فعقله الباطني ومناطق اللاوعى لا بد أن تثب منها آراء ، وان تقفز منها أفكار فيفلت الزمام ، وتلتقي الرغبة بالخيال وللقارىء أن يفهم ، وللكاتب ان يعبر
أنتي أتخيل كثيرا وكاني أشهد أشياء قد تغيرت واشكالا جديدة قد وقعت وأوضاعا قد تلاشت وحلت محلها أخرى
واتخيل العرب من المحيط الى الخليج قد مرت بهم تجارب ونظريات قد استوردت من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب ومبادئ قد ادخلت عليهم قسرا واخرى خالها البعض رشادا فلبوا نداءها . . ثم تبين انها سراب خادع فنبذوها نبذ النواة
اتخيل أن مبادئ كثيرة من شيوعية وماسونية ووجودية وراسماليه قد ظن
البعض ان في احداها نجحا وأمنا ولكن التجربة اثبتت خطأها وتفاهتها . . واتخيل ان اشخاصا قد تحكموا وسيطروا بالدعاية وبالقوة . . وبلمعان الآراء التى ينتسبون اليها وشعارات الاحزاب التى يمثلونها ولكنهم لم يعبئوا بتراثهم وامجادهم فظنوا التدين جمودا ورجعية ، والملكية الفردية طغيانا واقطاعا . . فاطارتهم الرياح . وذهبوا هباء ) فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين ( وأتخيل أنواعا من الصراع بين المتسلطين فى انحاء العالم العربى من غير ان يكون هم الواحد منهم مصلحة عامة أو خيرا للجموع وانما تنازع على الكراسي وتطاحن على المطامع الفرديه والمصالح الشخصية الضيقة . . فكان الوعى لهم بالمرصاد . - وكانت عقوبة الله لهم . . فكانوا كأمس الدابر
واتصور أن هزات عنيفة وفتنا وقلاقل ستمر بهم
ولكن العبر ستغير من نظرتهم . . فيفسحون المجال للعاملين المخلصين وينضوون تحت لواء الاسلام نابذين كل فكرة ورأى لا تتفق ومبادئه السمحة القويمة
وسيستخلصون من الطغاة الاشرار الذين يقودونهم للخراب والدمار والاستهتار بالمقومات الخلقية والمشاعر الدينية
ويفهمون التعاون على البر والتقوى فيتعاونون اقتصاديا وثقافيا وعسكريا وسياسيا تعاونا جوهريا . . وتآزرا كريما . . سواء بينهم وبين جميع المسلمين فى شتي الافكار والامصار على حد قوله تعالى : ) أشداء على الكفار رحماء بينهم ( وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ) المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وعند
ذلك سيكون لهم مكانة مرموقة وراى معتبر وقوة مادية ومعنوية هي مثار الاعجاب والاكبار
وسيكون لهم من الاساطيل الجوية والبحرية والبرية ما يذهل العالم
ويكون لهم من ثرواتهم ما يسخرونه فى شتى المجالات النافعة
وسيكون بلدهم مركز الاشعاع والاضاءة ويصبحون أساتذة العالم في كل علم هادف لخير البشرية
أما ركيزة الاستعمار وخنجره في الوطن العربى ) الصهيونية ( فسيكون مصيرهم مظلما كتاريخهم . . وعند ذلك لا يجدون ترومان ينجدهم ولا بلفور يملكهم . . والى البحر الميت حيث يلقى الصهاينة مصيرهم يلقي الصهاينة مصيرهم الاسود
وأتخيل العالم العربي جزءا من دولة اسلامية كبرى تمتد من الصين حتى المحيط الاطلس قد تسمى الولايات الاسلامية المتحدة تجمعها كلمة " لا اله الا الله محمد رسول الله ،
فهل تراني سبحت في الخيال أو ولجت فى المنى
ذلك ما أتركه لرأى القارئ والى لقاء آخر في استفتاء جديد أو بحث مفيد .

