الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

رؤوس جهل . . وغواية . .

Share

عندما تنسلخ أمة عن قيمها ، وعندما تتجافى عن أصالتها يكثر فيها الادعياء والمتزعمون . وكل قادم ينبرى فينادى : » منى تكرع ! «  ( 1 )  .

مربى الدواجن يتأستذ ، ومعاطن الابل تتفندق ، والبغاث فى البلاقع يستنسر .

وبداية المخطط لدى كل دعى : نسف الآثار لما تبقى من قيم والقاء ألقاب الرجعية والتخلف والتعصب والبله والتقليد والجمود . . . على كل علم من الاعلام التى حررت العقول وأنارت البصائر ردحا من القرون ، يهزؤون بهم ، ويتنكرون لهم وينكرون ، حتى أنهم ليقذفون فى النفوس البريئة عقدا ومركبات فاذا هي مذبذة : ان ثبتت قدمها على الاصول الصلبة اتهمت بالغباوة والتخلف ، وان حاولت طيرانا مع القافزين تلاعبت بها العواصف ، وربما ألقت بها فى جب سحيق !

وليس انتشار هذه الظاهرة مقصورا على ميدان ، كالسياسة أو الاقتصاد مثلا ، أو على قطاع كالتعليم ، أو التطبيب . ولكنها آفة تستشرى فى أى مظهر من مظاهر التعايش بين البشر  .

ولعل حدوثها فى ميدان القيم والعقائد ، والدين فى مجموع مشمولاته ، لعله هنا نذير الطامة الكبرى ، وسوء المنقلب ، والعياذ بالله !

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » . . . ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد . ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا ، فسئلووا فأفتوا بغير علم ، فضلوا واضلوا «  ( حديث صحيح ) (2) .

وتستوقف الفكر فى هذا الحديث الشريف عبر جليلة متعددة ، نتريث لحظات عند بعض منها :

لا شك أن من علامات الاقتراب من النهاية ، وحلول الافلاس ، تقلص آثار العلم ، والانتكاس فى مساحق الجهالة ، فيخبو سلطان العقل ويفشو الدجل والشعوذة ( باسم التقدم أحيانا ، وباسم الفتح والالهام أحيانا أخرى ، وباسم الرجوع الى الاصل تارة ، وباسم الاقتداء بالمتحررين أطوارا . . . ) .

ومن حكم الله البالغة فى العلم أنه لا يورث . فاما أن يسعى اليه كل فرد بنفسه ويكتسب منه ما تؤهله له همته ( وكذلك وبالخصوص محيطه ) ، والا فالجهالة والحيوانية !

معنى هذا اذن أن الله لا يقبض العلم ولا يرفعه ولا ينتزعه ، وانما الافراد والشعوب هم الذين يقضون على أنفسهم بالجهالة إن حنوا اليها أو عجزوا عن تحمل أمانة العلم .

والله تعالى حين يقبض العلماء لا يتعجلهم ولا يؤجلهم ، وانما هي آجالهم ، كمجموع مخلوقات الله ، تحضرهم فتلفهم وتطوى صفحاتهم .

والعالم الحق يحيا عالما عاملا ، ويموت مجاهدا . و » العالم «  المزيف قابع . تمله الحياة فيملها ، فاذا به من الذين يتعجلون آجالهم ، وكثيرا ما يموتون قبل أن يقبضوا . وذلك حين يرون فلا يبصرون ، وحين يخرسون ، ويتزملون ، ويضعون أصابعهم فى آذانهم . . .

و » الرؤوس « رؤوس الشؤم والضلالة والجهالة والعمى ، من أين تأتي وكيف تندس ، ومن الذى ينصبها للافتاء والامامة ؟

قال الذي أوتى جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم : اتخذ الناس رؤوسا « ! » الناس «  ؟ ــ نحن جميعا !

نعم أنت وأنا . . . كلنا ، متى استحققنا الذلة والضلالة ! فالناس فى كل مجتمع هم الذين يفرزون من بينهم كائنا على هواهم ، يبرزونه بطلا يتقمص مطامح الناس ، فاذا هو ينفخ وهم يرقصون .

والامم التواقة الى العزة والنخوة هي التى تصنع روادها ليقودوها الى القمم .

ورؤوس البلاء والفتنة ليست هى التى تبادر دائما الى التأثير والتحريف والاضلال . بل الذين نصبوا تلك الرؤوس هم الذين يبدؤون . قال عليه الصلاة والسلام : »  فسئلووا « ! هم اذن مفعول بهم ، بل نائبو فاعل ! وانما الفاعل الحقيقي المجتمع الذي أعدهم ونصبهم ، وما هم في الواقع الا ممثلون . ! وان خفت عنهم صوت الملقن ، ضلوا فحاولوا الارتجال ، لكن الوطاب صفر  ! لذلك »  افتوا بغير علم فضلوا واضلوا « .

فغريب حقا أمر هذه الرؤوس ونشأتها ومصير المجتمعات التى تفرزها وتخر لها وتكون هي ضحيتها !

وأغرب منه أن يحاول بعض من لم يدخل فى الحضرة بعد فضح مخططات تلك الرؤوس ، فيقول عنه بعض المجاذيب : انظروا ! ها هو ذا رأس من الرؤوس قد سبق الدجال ، فاحذروه !

اشترك في نشرتنا البريدية