في الطائرة مشاهدات و أحاسيس الشمس كرة صغيرةمن بعيد تحتنا والزهرة نجمة كبيرة من بعيد فوقنا
اذا كان تيتوف شاهد الأرض من الفضاء الخارجي ، كما يقول " كرة " سابحة في ارجائه بانتظام وقد اذهله هذا المنظر البديع ، فارسلها صيحة مدوية ، وهو فى سفينته الفضائية قائلا : " يا ترى من هو الذي يمسك بالارض هكذا ان تقع ؟ . - فانني - والحق يقال - شاهدت منظرا عجبا ، وانا ممتط صهوة طائرة نفاثة من نوع " الكومت قادما عليها مع القادمين ، من القاهرة ، الى المملكة العربية السعودية . لقد كان المنظر الساحر الذي رأيته لأول مرة ، وانا مرتفع عن سطح البحر : ٣٥ الف قدم ، كما أعلنا به مذيع الطائرة لحظة اقلاعها عن مطار القاهرة ، باواخر الليل خلابا ومدهشا ورائعا ، وكان يستأهل التسجيل بمقطوعة شعرية خالدة لو كنت من الشعراء . .
عقب ارتفاعنا في الجو ، مباشرة ، القيت بنظري ، على ما حولنا ، فلم تبين شيئا . . ان الظلام الدامس يلفنا ، ويلف معنا كل ما هو حولنا من الآفاق ، بردائه الاسود الشامل السميك . . السماء مظلمة ، فقد بارحتها الكواكب والنجوم وزايلها القمر الى حيث لا ندري . . ولم يبق من قطانها سوى نجمة " الزهرة " التى تلمع فيها هنالك من بعيد فى ردائها الفضى البراق المذيل . . والآفاق كذلك تحتضنها ظلمات بعضها فوق بعض ، والظلام مطبق على البحر الرابض تحتنا . . ايضا .
لم يبق اذن لنا اي متنفس من نور تلجأ اليه ابصارنا ونستمتع به سوى هذه الاضواء الكهربائية اللامعة التى تنتجها كهرباء الطائرة لمن في داخلها ، وسوي اضواء كهربائية اخرى اقوى من الداخلية ، تتمثل فى تلك التى تطلقها الطائرة من أمامها ومن
ورائها ، للاهتداء ، أو لتجنب الاصطدام وبعد ان ضربنا هنا ساعة من الزمان وقطعنا اكثر من نصف الطريق ، صوبت مرة اخرى نظراتي الجوعانة من داخل الكوة الزجاجية التى هى بجانبي التي الافق الشرقي البعيد البعيد
واذا بخيط دقيق أبيض غير ناصع ، يبدو من بعيد بعيد ، في منتهي الدقة والضمور وقد تمثل لى هذا الخيط الواهن الضئيل من نور الفجر الاول " في شكل " رمح " مصوغ من الفضة ، ولكنه ضئيل الحجم جدا ، وقد قذف به رام ماهر بجانب شاطئ بحر كبير قائم المعالم وقد ازداد تدريجيا امتداد ذلك النور الخافت المتهافت امامنا في طوله وعرضه بعض الشئ ، فبدا فى شكله الجديد " كنهير ذهبى بعيد بعيد يحاول الانطلاق في الآفاق ، الى جانب محيط مسود متلاطم ، ومن بعيد بعيد . . . وسرعان ما طغت على شاطئ هذا النهير الجميل " كرة " حمراء نحاسية اللون ، ضئيلة الحجم ، مثل كرات الاطفال تماما ، وقد راعنى منظرها على شاطئ النهير القائم على شاطئ البحر القاتم الكبير ، وهي تنزلق من فوق سطحه بمهارة فائقة ، وروعة أخاذة . . وحثيثا حثيثا استحالت الكرة الصغرى النحاسية الى كرة ذهبية كبرى ملتهبة تغمر الآفاق رويدا رويدا بنورها المتوهج البراق . .
وبعد فهذا هو المنظر الشاعرى البديع الذي شاهدته ، فاذهلتني مشاهدته ، وحاولت تصويره فى هذا المقال ، وحقا اقول إذا قلت ان هذا المشهد العجيب قد نقلني في رحلة فكرية ممتعة الى قمم الشعر والخيال : ومن اثناء تحليق الخيال بي تمثل لى في هذا المنظر ايضا بعض جوانب
مما كان تيتوف شاهده مع فارق الزمان والمكان . .
وبين تيارات طوفان التاملات التى ذهبت بي بعيدا بعيدا ، هتف بنا " مذيع الطائرة " من مكبر صوتها قائلا بصوته المجلجل الحبيب : " ارجو ان تربطوا احزمتكم فبعد بضع دقائق سنهبط على مطار جدة " . . وبدون شعور انزلق بصري إلى ما تحت اشعة نور الشمس المتوهجة في الآفاق . . فاذا بثغر جدة في ضوئه الباسم الشفيف ، يلوح لنا من كثب ، بعماراته وشوارعه وبحدائقه ومطاره . .
وهكذا بعد ساعة وخمسين دقيقة من قيامنا بالطائرة من القاهرة كانت طائرتنا تزوف بعجلاتها على ارض مطار جدة في امن وسلام . .
لقد كانت رحلتنا اذن رحلة خاطفة وممتعة بمعنى الكلمة ، لم نشعر فيها بقلق او بتعب وسارت الامور كلها على احسن ما نامل ونرجو بفضل من الله وتوفيقه . . وكان الجو لطيفا وهادئا ، وقد خلا من الشوائب والمكدرات . . وكان الافق امامنا وحولنا واضحا كل الوضوح ، وكان السحاب والضباب مفقودين ولله الحمد ، وكانت الريح ساكنة ، اللهم الا عن نسمات عذاب خفاف لطاف ابت الا ان تمسح باناملها الرخصة الفنانة على سطح مياه هذا البحر ، فنسجت لنا من على صفحاتها الداكنة الساكنة سطورا متراقصة جميلة دقيقة التكوين ، منسجمة الشكول ، كما تنسج ريح الصبا في الفيافى اشباه هذه السطور على صفحات الرمال ، فتكسوها جمالا اخاذا وتجعل منها قيد الابصار .

