الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

رئيس التحرير يصف مشاهداته في الطائرة النفاثة

Share

في الطائرة مشاهدات و أحاسيس الشمس كرة صغيرةمن بعيد تحتنا والزهرة نجمة كبيرة من بعيد فوقنا

اذا كان تيتوف شاهد الأرض من   الفضاء الخارجي ، كما يقول   " كرة " سابحة في ارجائه بانتظام وقد اذهله هذا  المنظر البديع ، فارسلها صيحة مدوية ، وهو   فى سفينته الفضائية قائلا : " يا ترى من    هو الذي يمسك بالارض هكذا ان تقع ؟ .   - فانني - والحق يقال - شاهدت  منظرا عجبا ، وانا ممتط  صهوة طائرة نفاثة من نوع " الكومت  قادما عليها مع القادمين ،  من القاهرة ، الى المملكة العربية السعودية . لقد كان المنظر الساحر الذي رأيته لأول  مرة ، وانا مرتفع عن سطح البحر : ٣٥ الف  قدم ، كما أعلنا به مذيع الطائرة لحظة  اقلاعها عن مطار القاهرة ، باواخر الليل  خلابا ومدهشا ورائعا ، وكان يستأهل   التسجيل بمقطوعة شعرية خالدة لو كنت  من الشعراء . .

عقب ارتفاعنا في الجو ، مباشرة ، القيت  بنظري ، على ما حولنا ، فلم تبين شيئا . .  ان الظلام الدامس يلفنا ، ويلف معنا كل ما هو حولنا من الآفاق ، بردائه الاسود  الشامل السميك . .  السماء مظلمة ، فقد بارحتها الكواكب والنجوم وزايلها القمر الى  حيث لا ندري . . ولم يبق من قطانها سوى  نجمة " الزهرة " التى تلمع فيها هنالك    من بعيد فى ردائها الفضى البراق المذيل  . . والآفاق كذلك تحتضنها ظلمات بعضها فوق بعض ، والظلام مطبق على البحر  الرابض تحتنا . .  ايضا .

لم يبق اذن لنا اي متنفس من نور تلجأ اليه ابصارنا ونستمتع به سوى هذه  الاضواء الكهربائية اللامعة التى تنتجها   كهرباء الطائرة لمن في داخلها ، وسوي اضواء   كهربائية اخرى اقوى من الداخلية ، تتمثل  فى تلك التى تطلقها الطائرة من أمامها ومن

ورائها ، للاهتداء ، أو لتجنب الاصطدام  وبعد ان ضربنا  هنا ساعة من الزمان وقطعنا  اكثر من نصف الطريق ، صوبت مرة اخرى  نظراتي الجوعانة  من داخل الكوة الزجاجية  التى هى بجانبي التي الافق الشرقي البعيد  البعيد

واذا بخيط دقيق أبيض غير ناصع ،  يبدو من بعيد بعيد ، في منتهي الدقة  والضمور وقد تمثل لى هذا الخيط  الواهن الضئيل من نور الفجر الاول " في  شكل " رمح " مصوغ من الفضة ، ولكنه  ضئيل الحجم جدا ، وقد قذف به رام ماهر   بجانب شاطئ بحر كبير قائم المعالم  وقد ازداد تدريجيا امتداد ذلك النور الخافت  المتهافت امامنا في طوله وعرضه بعض الشئ ، فبدا فى شكله الجديد " كنهير ذهبى بعيد بعيد يحاول الانطلاق في الآفاق ، الى جانب محيط مسود متلاطم ، ومن بعيد بعيد . . . وسرعان ما طغت على شاطئ هذا النهير الجميل " كرة " حمراء نحاسية اللون ، ضئيلة الحجم ، مثل كرات الاطفال تماما ، وقد راعنى منظرها على شاطئ النهير القائم على شاطئ البحر القاتم  الكبير ، وهي تنزلق من فوق سطحه بمهارة فائقة ، وروعة أخاذة . . وحثيثا حثيثا استحالت الكرة الصغرى النحاسية الى كرة  ذهبية كبرى ملتهبة تغمر الآفاق رويدا رويدا بنورها المتوهج البراق . .

وبعد فهذا هو المنظر الشاعرى البديع  الذي شاهدته ، فاذهلتني مشاهدته ،  وحاولت تصويره فى هذا المقال ، وحقا  اقول إذا قلت ان هذا المشهد العجيب قد نقلني في رحلة فكرية ممتعة الى قمم الشعر  والخيال : ومن اثناء تحليق الخيال بي تمثل لى في هذا المنظر ايضا بعض جوانب

مما كان تيتوف شاهده مع فارق الزمان والمكان . .

وبين تيارات طوفان التاملات التى ذهبت بي بعيدا بعيدا ، هتف بنا " مذيع الطائرة "  من مكبر صوتها قائلا بصوته المجلجل  الحبيب : " ارجو ان تربطوا احزمتكم فبعد  بضع دقائق سنهبط على مطار جدة " . . وبدون شعور انزلق بصري إلى ما تحت اشعة نور الشمس المتوهجة في الآفاق . . فاذا بثغر جدة في ضوئه الباسم الشفيف ،  يلوح لنا من كثب ، بعماراته وشوارعه  وبحدائقه ومطاره . .

وهكذا بعد ساعة وخمسين دقيقة من  قيامنا بالطائرة من القاهرة كانت طائرتنا تزوف بعجلاتها على ارض مطار جدة في امن وسلام . .

لقد كانت رحلتنا اذن رحلة خاطفة وممتعة بمعنى الكلمة ، لم نشعر فيها بقلق او بتعب وسارت الامور كلها على احسن ما نامل ونرجو بفضل من الله وتوفيقه . . وكان الجو لطيفا وهادئا ، وقد خلا من الشوائب والمكدرات . . وكان الافق امامنا وحولنا واضحا كل الوضوح ، وكان السحاب والضباب مفقودين ولله الحمد ، وكانت الريح ساكنة ، اللهم الا عن نسمات عذاب خفاف لطاف ابت الا ان تمسح باناملها  الرخصة الفنانة على سطح مياه هذا البحر ، فنسجت لنا من على صفحاتها الداكنة الساكنة سطورا متراقصة جميلة دقيقة التكوين ، منسجمة الشكول ، كما تنسج ريح الصبا في الفيافى اشباه هذه السطور  على صفحات الرمال ، فتكسوها جمالا اخاذا وتجعل منها قيد الابصار .

اشترك في نشرتنا البريدية