لم يكن التخيل معيارا للصورة التى يرسمها واقع الشئ . . وانما هو صورة للنتائج التى يتوصل اليها الذهن تحت مؤثرات نفسية . . وعوامل ذاتية .
والتخيل ما هو الا نوع من الاماني الشخصية تتلون بالالوان المستمدة منها وما من عربي في وقتنا الحاضر الا ويتمنى لمستقبله التقدم والتطور فى مجالات الحياة كلها . . وملامح مضيئة متكاملة له . . ولكن الاماني الشخصية مهما استطاعت ان تلون الخيال . . فانها قابلة لعدم التبلور . .
اني أريد بهذه المقدمة أن اتحلل من صيغة السؤال الذى وجهه الى استاذنا الكبير الشيخ عبد القدوس الانصارى ، وفى الوقت ذاته اريد ان ابيح لنفسى رسم صورة لملامح المستقبل العربى كما استشفه من واقعنا اليوم فى مختلف نواحى الحياة . . في العلم والفكر والفلسفه والادب والسياسة والصناعة والاقتصاد . . الا انني أرانى مضطرا تحت شرط الاستاذ الانصارى فى تحديد الحيز المختص للاجابة الى حصر هذا الموضوع فى ناحيتين اثنتين
من النواحى التى ذكرتها . . وهما الصناعة والاقتصاد . . لانهما فى عصرنا الحاضر محل تسابق الامم . . وتصارعها وبهما يقاس التطور والتقدم والحضارة .
ان الصناعة والاقتصاد ما هما الا مظهران لاحقان لمظاهر الرقي فى الامم . . لانهما يعتمدان على اسس سابقة لهما . . اهمها الفكر والعلم . ولم تصل امة الى مستوى عال فى الصناعة والاقتصاد الا بعد ان بلغت شأوا في نهضتها العلمية والفكرية . .
ان اوروبا التى نتطلع الى حضارتها وتقدمها اليوم بنفس ذاهلة لم تبلغ ما بلغته فى الصناعة والاقتصاد الا بعد نهضتها العلمية والفكرية التى انبثقت في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي . . فبدات أول ما بدأت بدراسة القانون والطب والمنطق واللاهوت . . ثم عبدت السبل والطرق الرابطة للمدن بعضها بعضا ، وكونت نقابات من المتعلمين . . منها نقابات بولونيا ، ونقابات المدرسين في باريس وسواها من النقابات في فرنسا وايطاليا .
وانبثقت من هذه النقابات فكرة انشاء الجامعات ، وقد عد بعض مفكرى القرون الوسطى هذه الجامعات فى درجة البابوية والامبراطورية من حيث الاهمية . . وفى هذه الجامعات تدعم معظم عوامل التقدم والرقى اللذين تنعم بهما اوروبا حاليا . وكان بودى ان اشرح هذه الفترة من حياة اوروبا فى صورة واسعة الا ان شرط الاستاذ الانصارى السابق يشد عنان قلمي فيمنعه من الجموح .
ومع ذلك فانى اعتقد ان فيما ذكرته على رغم ما لابسه من اختصار وايجاز يكفى لاخذ فكرة عن بداية النهضة الاوروبية الكبرى ويكفى لنقارن به بداية النهضة العربية بعد فترة التسعف الذى عاصره العرب منذ
بضعة قرون . . تلك الفترة التى غالبت الامة العربية الوانا من الاستعمار ، والجهل ، والاعتساف حتى هوت صروح مجدها التى شيدها الاسلام .
ان بداية النهضة العربية لا تقل شانا عن بداية النهضة الاوروبية الكبرى ، فقد عنيت الدول العربية بالمدارس والمؤسسات والجامعات فكان لها منها ما يسد حاجتها بالنسبة لسكان البلاد العربية ومن حيث البداية تدلنا القرائن على اننا سائرون في خط سير سيصل بنا الى ما وصل اليه غيرنا من الامم المتقدمة .
وظاهرة اخرى نستطيع ان نستدل بها ان مستقبل الامة العربية سيكون له شان عظيم جدا ، وهذه الظاهرة هي التخطيطات الاقتصادية التى تضع بها الدول العربية رسما بيانيا لمستقبلها .
ففي مصر وتونس والمغرب والسعودية نهضة اقتصادية لو قورنت بما مضى عليها من تاريخ لهالنا الفرق الكبير والتقدم العظيم الذي حققته هذه البلاد في المجالات الاقتصادية والصناعية .
ان مصر بعد الثورة الأخيرة استطاعت ان تحقق نصرا كبيرا فى مجالها الاقتصادى حتى اصبح دخل الفرد يقدر بضعف دخله قبل بضعة اعوام ، وكذلك تونس والكويت والسودان .
اما السعودية فقد خطت خطوة واسعة فى عهد الملك سعود الذي يستطيع المؤرخ الاقتصادى ان يعتبره الرجل الاول فى تاريخ الاقتصاد السعودي
ان العرب ادركوا في السنين الاخيرة القليلة مدى اهمية الصناعة وفعاليتها فى نهضة لشعوب ورقيها فاتجهت اليها بكل طاقاتها وشيدت المصانع الكبرى في مختلف انواع الصناعات ومن الشعوب العربية
شعوب حققت الكفاية الذاتية فى مستهلكاتها الصناعية . . وعلى رأس هذه الشعوب شعب الجمهورية العربية المتحدة التى اخذت تعد عدتها للخطوة الاخيرة فى المجال الصناعي وهي انتاج المصنوعات الثقيلة .
ولم يمر على العرب عصر سابق انتجت فيه بلادهم الراديو . . والسيارات والتلفونات والتليفزيونات . . الا هذا العصر الذي نعايشه .
وكل هذا دلالة واضحة على التقدم السريع الذي يصاحب تطورنا ولا يلبث ان يحل فينا اليوم الذي سنضاهى فيه الشعوب التى سبقتنا فى مثل هذه المجالات ، ولا يلبث ان تتكامل الشخصية العربية المتطورة .
هذه هي الملامح العربية التي استشفها من واقعنا العربي اليوم . انه ليس مجرد تخيل للملامح . . بل ملامح حقيقية سنصادفها مستقبلا .

