الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

راجع ليلعب الورق

Share

لم كان المعلم حانقا ؟ لم كانت خطوط الطباشير الاحمر تتضخم على صفحة السبورة ؟ تصبح كانها اودية فارغة موحشة . أمام طاولته قطعة من طباشير احمر يعصرها بين اصابعه ، يمرر اصابعه على وجهه ، وعلى منديلته ، يتسرب ذلك الطلاء الاحمر الى كامل جسده ، يحسه فى ركبتيه فى أعلى رأسه ، فى جبهته ، وتحت قدميه يتسرب الى صدره . . الى رئتيه ، رئته اليمنى تؤلمه اكثر ، لعنة الله على هذا الطباشير الاحمر . يسعل مرات متعددة يحاول ان يخفى ذلك فيدخل طرف كمه فى فمه ، ولكن الطباشير الاحمر يظل يزحف داخل رئته اليمنى

" أقرأ . . النهر المتجمد " . كل شئ يتجمد حوله . . حتى رفاقه يستحيلون الى ذباب صغير صغير . . يصبحون ضبابا . . حلما . . شيئا لم يوجد . . شيئا يتخيله ويتمناه . . يتمتم فى عياء " النهر المتجمد . . النهر . . من اين أبدأ ؟ " .

يغلبه السعال فيسعل ، ويشتد السعال . . يستل منديله فى اجهاد من جيبه . . ويبصق فيه ، هو ذا يسعل الطباشير الاحمر ، جنبه الايمن يوخزه

اه لو يحمل المعلم تلك العصا ، ويدفعها فى هذا المكان من الجنب ، ويمسح بها ذلك الغبار العالق بالرئة ، او يأخذ سكينا . . ويفصل عنه هذه القطعة من الجسم . . اليس ممكنا ان يعيش بجنب واحد ؟ لقد قطع أبوه شطر شجرة الخوخ . . ومع ذلك ما زالت تحيا ، وقال ان شيئا كالطباشير الاحمر قد شرب داخلها . . اه لو يطلب هذا من المعلم :

" جاى من تونس باش تغلب ولد الحفيانة : " . أيقظه الصوت وعاد يثبت عينيه على الورق " يطوال ليلها وتعلف " . " هز الموجيرة السباطه " . " هات الموجيرة الحمراء " .

" الدينارى هو الكل يا غفاس " . " صب كيلو من غير حساب " . " النهر المتجمد . . أغانى الرعاة . . يجب ان تحفظ القصيدتين " .

ما أسود صفحة السبورة ، الضوء يدخل من النوافذ الى القسم فيشتد سواد السبورة . . مربعات من الشمس تنسحب من فوق طاولة المعلم وتقترب من الصف الاول ، لم يصله ذلك المربع ، من الضوء ، لو يتكور على طاولته ويبقى مكورا حتى المساء ، ربما أحس آنئذ بأن الغبار قد بدأ يتطاير عن رئته ، واصبح يتحمل وجود جنبه ، كان يراقب مربع الضوء

" ما أبطأه ، انه لن يصل " . شرع يسعل . . اثنتا عشرة سنة تتجمع لتدفع سعلة قوية وتندفع سعلة لتنتزع من الاثنى عشر عاما شهورا طويلة مرسومة بالطباشير الاحمر ، فى كل مكان من جسمه .

يضرب المعلم على الطاولة ، يسأله . . ويصمت . . ويتساءل هو " الا يفهم المعلم ان جسمى يلتحف بالغبار . . واننى اختنق أختنق "

عيون رفاقه مصوبة نحوه . . وهو يستحيل سريعا الى قطعة طباشير حمراء باهتة . . لو أستطيع ان اسعل ذلك الغبار مرة واحدة . . انى اختنق لاجرب .

من جديد يأخذ منديله بين يديه . . يقربه من فمه ويسعل ترى أخرج كل التراب الاحمر ، أم ما زالت بقية راسبة فى الرئة ، تفرس فى المنديل انفرجت اصابعه قليلا . . قليلا استولت عليه فرحة ، لقد انتصر على الطباشير الاحمر ، ظل ينظر فى سرور غامض الى السائل الاحمر . داهمه صوت

" أنت مريض " . المعلم يحدق فى المنديل . . فى الاصابع التى انفرجت بسرعة ، وفى الوجه النحيل الاصفر . . سقط المنديل من يده ثم رفعه . . بقيت اثار الطباشير فى الارض

" أنت مريض يا آبنى . . أنت مريض . . أنظر الى الارض " ما اكبر . . وما اخسرها الرى الاحمر " " لم أيديك ما أطول أصباعك "

" غفاس ما لعبتوناش " . " العب معاى خاسر معاك " .

غمر الظل المكان وتصاعدت رائحة الجلود . رائحة درج عليها منذ عامين وكرهها منذ عامين ، زحف الظل . . وزحفت خطواته ، ارتقى درجا سلمه الى آخر دارت عيناه تبحث عن المكان الذي سيجلس فيه .

" أنت تعرف مكانك منذ سنين لماذا تكذب . ادفع بخطواتك ايها الجحش " أى لون تزوق به الاحذية اليوم ؟ " " اللون الاحمر طبعا " . حملق فى المادة الكيمياوية التى ستلتصق بعد قليل بالجلد ، وحملق فى الجلد الترابى الاشهب وخزه جنبه الايمن ، فاتكأ على الجدار " لم لا تزوق الاحذية بالازرق ، أو بالاخضر ، أو بالابيض ، أو " بالسخط الاحمر ، دائما ، ولا شىء غير الاحمر ! " .

تفقد سترة الجلد التى حالت بينه وبين الهواء . . شد أزرارها جيدا . . تزحزح ظهره عن الجدار ، اقترب من الالة

" كوال يا كوال المحاين " . عاد به الخاطر الى الحانوت . . أيقظه الصوت . . فانصت " ما تهزنيش معاك لمدبغة منوبة ؟ " " سكت ، انحرفت زاوية فمه الى اليسار . . وأجاب " الله لا يشقى حبيب " .

الايدى والاوراق امامه تلعب لعبتها تدفع خاطره احيانا الى المدبغة . . واحيانا الى المقبرة . . والى القسم . . والى المستشفى ، كل اللحظات التى تكونت منها جثة تتحرك . . تشم الجلود النتنة فى مدبغة منوبة . . وتصب كالجلد مكونة من اخلاط كيمياوية سامة " الراجل الا كان قال الكلام " ما يكون رمرام كذاب . ينوى الدوانة " .

آه لو تعرف حين تتحرك اصابعك . . تقبض على الحديد . . على المواد الكيمياوية على الجلود المهترئة . . لو تدخل يدك فى براميل الماء المتعفنة

لتنتزع الجلود . . أو لترجها . . لو تقرب انفك ايها الجرادة ، وتشم جلد نعجة يقطر بالرائحة . . بالوسخ . بالفواضل

" الراجل الا كان قال الكلام . يكون خمام ثبات يعرف امرامه "

نظر الى الوجه المحملق فيه . . الى السيماء المقطبة ، كأنها تطالب بشىء لا مناص منه . . حاول ان يبتسم له . . ثم حاول ان يحيل بصره فى محتويات الحانوت . . ولكنه تجاوزها بعيدا وفى ناحية من القرية كانت يداه فى جيوب معطفه . . معطفه مشدود الى صدره وكتفيه . . كتفاه بارزان . خواطره تتنقل بسرعة . . خطواته كأنها تلتصق بالارض . . وضع يده على جدار المقبرة . . تطلع فى وجوم الى القبور الستة

منذ سنوات واخوه مسجى هنا . . ربما قد تفتت عظامه . . وتفتت اللحاف الذى يشد تلك العظام . . ان بناء القبر كان سميكا لا يمكن ان يتسرب الدود والحشرات داخله ، كاد ان يلعن القرية وأهلها . . أولئك الذين تتسرب ارجلهم داخل المقبرة . . ويدفعون ما فى بطونهم من اوساخ ويتقيئون . . الا يحترمون الموتى حينما كانت المعاول ترتفع لتسوى هذه القبور . . كانوا يبكون ويرتفع صياحهم ، ترى أنسوا كل هذا . . أدفعتهم الوقاحة الى ان يتعروا كالكلاب بين المقبرة ويتقيئون !

الظل يحجب شطر وجهه . . وهو يتنقل ببصره داخل المقبرة . القمر يضىء شطر وجهه الآخر . كان طويلا ونحيفا ، " كم يبعد الجسم من سنتمتر على طبقة التراب العليا انه لا يتذكر ذلك ، لقد حدد المسافة ساعة عملية الدفن ، ولكن كل شىء قد امحى من خاطره لو يأخذ فأسا ، ويحطم طبقة التراب ، ويحملق داخل الحفرة ويعتذر لاخيه

" اذا ظلمك اهل القرية ، فأنت لا تزال بطلا والكل يعترفون بك . ان الزمن قد تقدم فقط " . آه لو يستطيع ان يهمس له هذا . . لو يسمعه .

على حافات الجدار المربع نباتات يعرفها منذ قديم ، ويعرف أنها تحمل نفس الرائحة ، ونفس اللون انها الوحيدة التى ظلت تنبت فى ذلك المكان وتقترب من القبور . . وتغطى بعض تلك الاوساخ . . ولكن مع هذا كانت الرائحة مزدوجة .

" لو فتحت القبر . . واعتذرت لاخى ، واقول له ان الزمن قد تقدم " . ردد الكلمات . . رفع يده . وضعها على شباك الحديد ، أحس بالبرودة قبض على المشابك بقوة . . نسى ان احساسه بالبرد قد بعث داخل جسمه قشعريرة ، كانت سراويله تحتك بالجدار . . يلتصق لحمه بالسراويل وبالحائط .

" لو أقص شعرى احتجاجا على هؤلاء الاجلاف ؟ " . تخيل راسه كالبصلة ، ربما كان رأسه متسخا فمنذ ايام لم يغسله عند ذاك سيكون كالبصلة المشوبة " وسأحرق اطراف أصابعى ، واقطع ثيابى . . والعنهم كلهم " الكوال خطف الموجيرة " " هات شكبة " . " اثنين بزوز " . " مشكى " . " قص " .

تنفس الضوء من ثقب فى الجدار . . وتنفس الريح باردا خلفه ، اصبحت رائحة التراب قوية داخل الحانوت " كوال . . ياكوال . . يا صاحب المحاين " . " كوال اصباطه " . ظلال الادباش تتكسر على وجوههم ، وظلال أيديهم تتحرك فوق الورق بسرعة . " سكر ها لنقبة " . " استنى نلوزك بشكبة " .

تمطت ظلال اليدين والرأس والصدر والعجز . . واستوت ظلا فى شكل انسان واقف ، تقدمت من الثقب . . ووضعت فيه جريدة قديمة وعادت تلك الكتلة . . لتتفرق ظلالا صغيرة تطول وتقصر حسب اقترابها من ضوء " الكربيلة " . " أنت راجل والا لا ؟ " .

" وانت آش قولك ؟ " . " أنا انظنك ماشك راجل " . " وكيف نجيبلهم في جريتى اربعة ! " . " تولى صيد " . " مال شد الخنقة معايا ، شينكو خير من بلاش " .

نسى الورق . . وتذكر شيئا اخر . . ثم نسيه . . ثم امحت من خاطره كل الصور الممكنة . . ثم نظر الى الحصير . . وركز انتباهه على الاربع ورقات ، على الثلاثة . . على الواحدة ، تشتت الانتباه لاحق صورته وهو عائد من المقبرة وهو امام الحوانيت . . والمغازات ، وهو متجه الى منزل أخته . . اختصر الاحداث . يده تمتد الى صندوق قديم تفتحه . . وتخرج آلة حلاقة .

قبل اربع عشرة سنة كان أخوه يستعمل هذه الالة بالذات انها كل ما بقى من اثاره . تنهد فى اعياء .

كل الذي يدل على ان اخاه كان موجودا . . آلة حلاقة وقبر لا يحترمه اهل القرية . وضع الصابون . . وشرع يحلق واصابعه تعصر الآلة " كان أخي يمرر اصابعه على الآلة ولكنها لا تعنى بالنسبة له . . وتمر اصابعى عليها واتألم . . أتألم " .

فيق . . جاى من تونس تحب تغلب " تعرف اش كون رد البل من هداج " . " لم الكل " . " اللص جاب " . " واحد اثنين . . ثلاثة " .

سرح خاطره بعيدا ، خاطر غائم . . كأن الظل يتسرب اليه وكأن جسمه مل المكان الذي يحبه . . ويتشهاه منذ عامين ، أغمض جفونه قليلا . فتحها . . وعاد يغمضها .

" ياولد بوكعبة اش مجيبك . . من مدبغة منوبة فالشتاء " " كرهت ريحة الجلود " .

" جيب الحق . . ومن بعد اكذب " نحب نزور المقبرة " .

كان لابد ان يقول لهم شيئا اخر . . يدفع فى اذهانهم الغليظة . . ما اقترفوه فى حق اخيه . . كانت يداه تندفعان . . وتنقبضان . . وكانت زاوية فمه تنقبض ويعض شفته .

" انتم مشيتوش للمقبرة " " اللي مات الله يرحمه " " انتم شفتوش فى وسطها آش ثمة " . انغرزت عيونهم فى عينيه . . وبدأ الوقت يمر ، توقفت الايدى . توقفت الظلال " حل ها النقبة خلينا نتنفس . . " .

شعر بألم وخيبة . . لم تعرف هكذا معهم ؟ . . كان عليه ان يصمت الا بؤمن بان الزمن قد تقدم ؟ تصبب العرق من الوجوه " مشكى يا أحمد " . " قص ياسخطه " .

ثم عاد به الحنين الى المقبرة . . أكل هذا من اجل ان يرى القبر ويحيى قصة الطباشير الاحمر حاول ان يتذكر مستشفى اريانة للاطفال . . الطبيب . . الالات . . والممرضات

" أنت باش تحس يا وليدى " . " أنا نكح فى الدم " " عندك حد فى عيلتكم مريض " .

اصفر وجهه وسكت . . خاطره انتقل بسرعة الى المقبرة أخوه فى اللحاف الابيض فى صندوق خشبى . . اهو الذى ناوله الطباشير الحمراء ، لا . أبدا . . كان مريضا حقا . . لكنه كان بطلا مشى على الحجارة . . على الشوك . . رقد فى العراء ، حمل السلاح . . ولكنه ؟ " عند كش حد فى عيلتكم مريض اتكلم ما تخافش " " لا

وقال ابوه ان ابنه كان . . كان . . وكان . . الضوء الاحمر يملأ القاعة لعنة الله على الضوء الاحمر

" غنى يا سخطة " . " لا جت تمشى خاخ " . خلت قلوب العاشقين دواخة هلعة نظيفة وشاطبى نساخة " وفوقهم جوامع مشيدين قببهم " . " قول أنت جاي توخذ فى مرا " " جاي نحب نشكب " " قول الحق ومن بعد اكذب " . " وراس ها الشكبة " .

جمدت الظلال وانغرزت عيونهم فى عينيه . . واستوى الصمت بينهما برزخ لا يلتقيان

" هام قالوا جاى توخذ فى مرا " . ضحك احدهم وأضاف " الجوف خاوى والحزام شراخى " . " اسكت هدمة اش ثمة ما يضحكك في الدنيا " . " تو العجين " .

بينه وبين مستشفى المجاذيب خطوات . . وبينه وبين المدبغة خطوات اخرى . . لو تقف قدماى . . لو اتسمر فى هذا المكان ولن استطيع التحرك أليس هذا ممكنا ؟ لقد كان كل شىء ممكنا غبار الطباشير فى الرئة . . المستشفى . . المقبرة الجميلة . . الزغاريد والبكاء ، كان أخي حيا . . كان . . وكان وأصبح . . كان ممكنا . . ممكنا . . ان انظر الى ذراعى فلا اجدها وقد انظر الى حذائى فلا اجد الا فردة واحدة . . وانظر مرة أخرى فأجد ان الجوارب قد بدأت تنسل شيئا . . فشيئا . . وأمد يدى . . فلا أجدها وقد تأخذ قدمى من الاسفل فى الذوبان . . اصبعا . . اصبعا . . ثم تتقشر الساق وفجأة تطير عظامها بعيدا . . واقف على قدم واحدة . . بقدم واحدة . . بلا يدين بلا ذراعين وحين اصوب نظرى من جديد الى أسفل . . اجد ان فخذى قد بدأ ينفصل من فوق فى حين ان الساق لا تزال ثابتة . . وتنفصل . . دون ان أحاول

ردعها لانني لا أملك يدا . . وأتزحزح بعيدا . . وتبقى الفخذ والساق ثابتتين كالوتد . . وانزلق الى الارض . . فى حين ارى قشور اللحم الحمراء المتطايرة من ساقى . . والفخذ والساق مشدودتان بعيدا عنى

غروضات بان الغرض بين هذبهم " . رعيبات همسوا كبدتى يرعبهم غروضات في شبوا رعيبات دبوا يغمزوا ويغبوا " خرج الطرح " " على كل حال تعاودوا " . " نحن ما نلعبوش مع الغفاسة . " العب معاى خاسر معاك "

تمطط الظل فى عينيه . . غابت عن خاطره مدبغة منوبة وغاب المستشفى تمطى فى مكانه . " ولد المرا غالب ومغلوب " .

بدأ ضوء الكربيلة يخفت . . واخيرا انطفأ . . تحركت افكاره . . الطباشير الاحمر . . لقد تخلصت منه منذ زمن ، ولا أريد جثة اخرى بجثتى لن أتزوج . . لن أمرغ صدرى فى الوحل ما أجمل أن ألعب الورق . . وان تظل يداى تتحركان لتلوز الرى لتخطف السبعة دينارى . . لتمشكى الورق وتوزعه .

غفاس جاى من تونس يحب يغلب " كان راجعا ليلعب الورق . . وكان راجعا لينظر الى المقبرة وكان راجعا يحلق وجهه بآلة أخيه الشهيد . . وكان راجعا لينظر الشفق . . وكان راجعا . . كان راجعا ليقتل الارق .

" ما تهزنيش معاك لمدبغة منوبة . " يزى بلا تخلويض " الراجل الا كان قال الكلام ما يكون ندام صيد ما يخافش الثنية " .

اشترك في نشرتنا البريدية