لتعرف اندونيسيا اقرا هذا المقال الجامع
يحدثنا التاريخ ان الرحالة العربي التنظيم " ابن بطوط ، قد عرج على " اندونيسيا ، فى القرن السابع الهجرى اثناء رحلته التى قام بها فى الشرق وفي الغرب . . وتم يكتف بزيارتها زيارة عابرة بل توغل فى اراضيها ودخل غابتها وقراها ، دفعه الى ذلك حبه للوقوف على احيال هذه البلاد الشرقية العريقة فى التحضر . والتمدين . . وقد جاء فى وصفه لها وقصة رحلته اليها انه وصل الى جزيرة " جاوا ، بعد خمسة وعشرين يوما من مغادرته بلاد " البرهنكار " وانه وجدها بلادا خضراء يكسوها جمال طبيعي ساحر ، وتكتنفها مناظر خلابة وكانت فى عهده تكثر فيها اشجار النارجيل والقرنفل والعود الهندى . والعنبة وقصب الكافور ، ويقص علينا ابن بطوطة انه قابل " سلطان جاوا ، وهو يقصد بذلك احد سلاطين جزيرة سومطرة ، فقد قال في وصفه : هذا السلطان الملك الظاهر من فضلاء الملوك وكرمائهم . شافعي المذهب ، محب في الفقهاء ، وهو كثير الجهاد
والغزو ، ومتواضع ، يأتي الى صلاة الجمعة ماشيا على قدميه ، وأهل بلاده شافعية يحبون الجهاد ويخرجون معه تطوعا ، وهم غالبون على من يليهم من الكفار والكفار يعطونهم الجزية على الصلح وقد دخلت عليه فوجدت القاضى أمير والطلبة عن يمنيه وشماله فصافحنى السلطان وسلمت عليه واجلسني عن يساره .
ويقول ابن بطوطة " انه صلى ذات يوم مع السلطان فى المسجد . . وعندما خرج من المسجد وجد الفيلة والخيل على بابه . . وكانت العادة - حينذاك - عند اهل اندونيسيا انه إذا ركب السلطان الفيل ركب من معه الخيل ، واذا ركب الفرس ركبوا الفيلة اما اهل العلم فكانوا يمشون دائما عن يمينه . ."
تلك هي صورة تاريخية رآها رحالتنا عن كثب منذ اكثر من ستمائة سنة . . وكانت اندونيسيا وقتذاك بلادا اسلامية ، ولم تزل كذلك ... بل ان الاسلام قد انتشر فيها انتشارا
شمل اكثر اجزائها على ايدى التجار العرب والهنود الذين كانوا ينقلون تجارتهم اليها ، ويمارسون الرحلات الكشفية والعلمية اليها . .
ولقد تطرقت الدعوة الاسلامية إلى اندونيسيا بعد مضي ٦٠٠ سنة على بعثة هادى البشر عليه افضل الصلاة والسلام على أيدى التجار - كما قلت- فقد قرر بعضهم الاستيطان فى هذه البلاد الجميلة ، كما كان البعض الآخر يقوم بنشر الدعوة اثناء اقامته فيها ، وجاء اختلاط هؤلاء التجار باهل البلاد بنتيجة طيبة مثمرة فى صالحهم فقد كانوا يدخلون الاســــلام عن رغبة وطواعية بعد ان وجدوا فيه ما يحقق لهم سعادتهم فى دنياح واخراهم .
وقد عثر فى القرن الثاني الهجرى على محال ومخازن تجارية فى بلاد الصين لاسيما فى شواطئها الشرقية ، اذ كانت الصين - ايضا - تتبادل مع اندونيسيا فى الحقل الاقتصادى والتجارى مستهدفه فى ذلك الى تأسيس علاقات ودية وطيدة ووشاج قوية ثابتة بين البلدين لتحقيق الانتعاش الحيوى ، والتقدم المعيشى لسكانها . .
وقد انتشر المسلمون فى مدينة ( كانتون ) فى أوائل القرن التاسع الميلادى وراحوا يدعون لدينهم الحنيف بكل الوسائل المثمرة الحقة حتى اندفع كثير من اهلها الى اتخاذ الاسلام دينا لهم فى ذلك الوقت . . واصـــــبح للمسلمين مكان مرموق ومركز مدعم قوى فيها حتى ان ملك الصين وقتذاك رأى تعيين " نقب " لهم يتولى مهمة القضاء ويقوم بالامامة في المسجد الذي شيده المسلمون على نفقتهم . .
غير أن العلاقات التجارية بدأت تضمحل فى القرن العاشر بين العالم الاسلامي وبلاد الصين ، فكانت بواخر المسلمين تنتهى رحلتها الى بعض الموانى فى جزيرة " ملايو " الامر الذي تاثرت تجارة الصين به ايما تأثر ، فاضطرت الحكومة الصينية الى ارســــال بعثة للماوضات مع التجار العرب والهنود الاندونيسيين لاعادة اتصالهم التجارى مع بلادها بعد ان التزمت بتعهدات ووعود بتحســـين العلاقات الدينية والاقتصادية والعلمية مع المسلمين الذين كانوا يهدفون من وراء ذلك الى نشر الدعوة الاسلامية فى بلاد الصين الواسعة الارجاء . .
ويذكر احد المؤرخين الصينيين ان البلدان العربية كانت اكثر اتصالا بالبلاد الصينية والاندونيسية فقد كان العرب يصدرون اليها بضـــائع ثمينة منها بعض الاخشاب والنباتات والتمور والفواكه وغيرها ، الامر الذي جعل حكومة الصين تميل الى تحسين العلاقات مع المسلمين وترغب فى التودد اليهم فكانت النتيجة ان نمت التجارة بين الشعب الصينى والتجار المسلمين وعادت بفوائد ومصالح لا حصر لها فى الميدان الاقتصادى . .
وقد اوضحت بعض الكتب العربية ان الطريق البحرية التى كانت تسلكها السفن الاســــلامية فى ذلك الحبن تمتد على طول سواحل الهند الى ساحل " مالابار " ثم تدخل المحيط اهندى شرقي سيلان ميممة نحو جزائر " نيكوبار " ومنها الى الجزء الشمالى من جزيرة " سومطره " وبعدها تصل الى مضيق " ملقا " ثم تسير نحو الجنوب فتصل الى الجانب الآخر من " سومطره "
ومنها الى جزيرة جاوا - اندونيسيا فى هذا العصر - ثم تأخذ فى سيرها نحو الشمال متجهة الى ميناء كامبوجا فى الهند الصينية ومنها الى سواحل الصين الجنوبية والشرقية . . وكانت هذه الرحلة الطويلة تستغرق زهاء شهرين إذا كانت الرياح في اتجــــاه السفن ، اما اذا عاكستها فان الرحلة تطول كثيرا .
تلك عجالة سريعة قدمتها كتصوير خاطف عن اندونيسيا القديمة . . وعلاقاتها التجارية مع العرب والهنود وكيفية انتشار الاسلام فيها منذ احد عشر قرنا والذى يدرس تاريخ اندونيسيا يدرك - حق الادراك - ان هذه البلاد الاسلامية يحفل تاريخها بأمجاد عظيمة ، وحوادث خالدة حرى بالشباب المسلم ان يدرسها دراســـة وافية ، ويقف على تاريخ أمة ذات بأس شديد ناضلت وكافحت حتى نالت اســــــتقلالها في القرن العشرين منذ عشر سنوات . .
ولما كانت اندونيسيا الحديثة التى تأسست في ١٧ اغسطس من عام ١٩٤٥ قوية الصـــــلة باندونيسيا القديمة ، فانى أرى من الضرورى التحدث عنها فى ايجاز واختصار اذ ان استيفاء حقها من العرض والبحث بصورة شاملة يستغرق مئات الصفحات من هذه المجلة الغراء .
لقد بلغ سكان هذه البلاد الشقيقة فى عام ١٩٥٤ ثمانين مليون نسمة ، أى عشرة اضعاف سكان هولندا التى ظلت تعيث فسادا زهاء ١٤٠ سنة في اندونيسيا ، وهم خليط من الاجناس المختلفة وان كانت تجمعهم اليوم وحدة الوطن ، ووحدة القومية ، ووحدة
الاهداف فان فيها اكثر من ربع مليون نسمة من اصل أوربى واثنين وثمانين الفا من اصل عربي ، وما يقرب من المليونين من اصل صينى ، وهناك ٥٣ الفا ينتمون الى اصلاب آسيوية وغير اندونيسية .
ويتكلم اهل اندونيسيا تسعا وعشرين لغة مختلفة تنقسم الى مئات من اللهجات الدارجة التى تعودها سكان كل منطقة على حدة ، غير ان اللغة الرسمية الشائعة هي الملايو التى كانت - منذ عدة قرون - لغة التجارة فى تلك البلاد وهي تدرس في المدارس بجانب اللغة الوطنية لكل اقليم ، وقد ظلت اللغة الهولندية ابان الحكم الهولندى هي اللغة الافرنجية الوحيدة السائدة بين الطبقات المثقفة فقد كان الطلبة يضطرون إلى الدراسة في هولندا الامر الذي كان يحتم عليهم اجادتهم لها ، غير ان عهد الاستعمار كان نجمه في افول وتدهور كبيرين حيث جاء عهد الاستقلال مؤذنا باضمحلال اللغة الهولندية ، ولما كانت اللغة الانجليزية تتمتع بصبغة دولية وذات ذيوع وانتشار في معظم انحاء المعمورة ولم يكن ثمة بد من الاستعاضة عن اللغة الهولندية المحدودة التى لا يمكن الاستفادة بها في المجال الاقتصادى والعلمي والصناعي ، فقد احتلت اللغة الانجليزية مقام اللغة الهولندية . . وانتشرت بين الطبقات المتعلمة وغيرها
اما الدين فان دين الاغلبية الساحقة في اندونيسيا هو الاسلام ، وتوجد المسيحية والبوذية . . ويكثر عدد المسيحيين في شرقى سومطرة وشمال " سليبس " و " امبون " اما البوذية فانها تنتشر في جزيرة " بالى " وفي
اندونيسيا وزارة خاصة مهمتها الاشراف على الشئون الدينية المختلفة والجمعيات الخيرية التى تديرها هيئات دينية وبعض رجال الدين ايضا . .
والنهضة الزراعية في اندونيسيا هى الدعامة الاولى فى ارساء اساسات النهضة العامة في البلاد ، فقد اشتهرت منذ اكثر من تسعة قرون بوفرة منتجاتها من الحبوب والغلال والفواكه ولا زالت تتربع على مقام بارز بين الدول الاسيوية فى انتاج انواع كثيرة من " الغلة الارضية " كالتوابل والشاى والتبغ والكاكو ، والمطاط والخيزران وزيت النخيل وغيرها ، كما انها تنتج من البترول والقصدير كميات وفيرة ، وبجانب هذا تنتج مقادير قليلة من المنجينيز والفحم ، والحديد والنحاس والفضة والملح ، وقد نشأت فى اندونيسيا صناعات محلية يقوم معظمها على استصناع المواد الخام المستخرجة من البلاد كصناعة تكرير الزيت ، وصناعات المطاط وقصب السكر ، والزجاج الا ان هذه الصناعات لا تزال في بداية حياتها . . وهي تثب وثبات قوية لتدرك ركب المدنية والحضارة الذي يسير بخطوات فساح
وقد وطدت اندونسيا علاقاتها بالدول العربية جمعاء لا سيما بعد أن نالت استقلالها ، وخاصة وان اول من اعترف باستقلالها هي جامعة الدول العربية فشاطرت العرب في قضاياهم ومشاكلهم السياسية ووقفت بجانبهم فى كل موقف ، ومما زادها اجلالا للعرب واكبارا لنخوتهم ذلك الموقف النبيل الذى وقفته الحكومات والشعوب
العربية تجاه الكفاح التحريرى ... والنضال المستميت اللذين أبداهما الشعب الاندونيسى فقد كانت الصحافة العربية - وتؤازرها الاذاعات ايضا تحمل حملة شعواء على الاستعمار الهولندى . . وكانت الحكومات تبذل جهودها ومساعيها للدفاع عن قضية اندونيسيا ، وكانت الشعوب تناصرها بالمقاطعة والاحتجاج والمطالبة بخروج هولندا بالحسنى او بغير الحسنى ، كل هذا جعل الشعب الاندونيسى يحفظ للعرب هذا الجميل ، بل دفعه الى مناصرة القضايا العربية كلها سواء بالاحتجاجات او في مجالات السياسة العالمية او بغير ذلك من الوسائل الفعالة ، ولا ريب ان الدول العربية قد كسبت صديقا قويا يقف لمؤازرتها والتعاون معها في كل الميـــــــــــــــادين السياسية والاقتصادية والعسكرية ، بعد ان قررت الحكومة الاندونيسية مناصرة جميع القضايا العربية والوقوف بجانب الدول العربية في نضالها ضد عدوها اللدود ( الصهاينة ) الذين اقتطعوا قطعة من كيانها وبترو جزءا من جسدها ثم راحوا يعبثون فيه كيفما حلا لهم العبث .
وبعد . . فأن اندونيسيا هي الدولة الاسلامية القوية التى ما زائت تدأب على رفع راية الاسلام على ربوعها خفاقة وتعمل جاهدة على ان يكون صوت المسلمين جهوريا مدويا فى جنوبى آسيا محلنا ان ساعة النصر قد دنت وان فرصة الجهاد المرير والكفاح فى سبيل الحق قد ازفت . . وما النصر الا من عند الله العلي العزيز . .
وان الشعب السعودي حين يستقبل فخامة الضيف الكريم الرئيس الجليل السيد احمدسو كارنو رئيس جمهورية اندونيسيا الذي حل ضيفا كريما على اخيه مولانا صاحب الجلالة الملك المعظم انما يستقبله بقلب يفيض حبا له . . ويستقبله بنفس تتدفق تكريما . . واعزازا لشخصه العظيم . . وحين يرحب به هذا الترحيب الكبير يرحب فيه بالنبل ممثلا فى شخصه المحبوب والشهامة متسمة في اعماله وافعاله
المجيدة ، والعزة بادية فى نضاله وكفاحه ضد الاستعمار الغاشم
وحياه الله فى بلاد تكن له الحب خالصا . . وبياه بين شعب ابي يكن له كل اعزاز ، وكل تقدير ، وكل اجلال . .
وعاشت المملكة السعودية ... وعاشت الشقيقة اندونيسيا تظللهما راية الاسلام خفاقة على ارضهما ... ارض الحرية والاستقلال ، ومهبط الحق والعدالة والجلال .

