الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

رباعية اليد الاخرى المنسية

Share

بدات شمس آخر النهار فى التقهقر الى الخلف ، وسحب ذيولها التى كانت تصول وتحول فوق السطوح والبناءات العالية ، ، ولم يعد يصلنا منها سوى بقايا نور لم يعد كافيا لاضاءة المدينة .. بدأت عملية سحب القوات .. ولم يعد للقوات المنهزمة الا الانهزام الفعلى . . والرضوخ والانسحاب .. فكانت المدينة اشبه بالمقبرة الصامتة الحالكة التى لم توار موتاها التراب .بعد .. لا يزال الظلام يتدفق ، ويتدفق ، وما زلت انا الآخر اختزن شحنة اخرى من الامور التى اريد توضيحها والاتيان عليها ..

فلتشتعل اضواء المدينة .. وان ابت ذلك فانت وما تريدين .. فانا من المهزومين ولم يبق لى الا الانسحاب ...

لقد تحملت الظلمة والغربة خمس سنوات ولا اتحملها ليلة واحدة .. الظلمة هنا فى (( باريس )) تبدأ من الخامسة او الرابعة ، والاضواء تشتعل بداية من الثامنة . . . ( يقال انه من العيب الكبير وسوء النية ان نقول باريس ونصمت ، بل لابد ان نضيف شيئا آخر ، فنقول مدينة العطور والنور والنساء والافيون ، مدينة التفكير والتدبير ،,، مع الملاحظة ان باريس تكتب بالسين فى الآخر وتنطق زايا ،,، واذكر ان احد (( السواح )) قال لى : (( زرت بلدكم وتعلمت شيئا هاما لابد من الاشارة اليه )) ، قلت له : ما هو ؟ قال : (( ان كلمة تبدأ أو تنتهى أو تشير الى حرف الزاى ، هى كلمة قبيحة ولها دلالات خطيرة ...! ) اما اذا مررت عبر الميترو قاصدا باب الله فى الصباح ، فالظلمة تضربك فى الاعماق ، ولابد من انتظار الساعة الثامنة ..

مسكين أنا الهذا الحد ما زلت احتفظ ببساطتى رغم ثقافتى العالية . ؟ على كل يا شيخ مدينة (( باريس )) لا تأخذ كلامى ماخذ الجد ، ، فانت اعلى من هذا, اهتماماتك ابعد من هذه الامور ،,، التى افهمها ولا احد المجال للدخول فى الحديث عنها . . لا . . لا . . اكيد ان كلامى لا يؤثر فى انتخابات الدورة المقبلة . . ارجوك . . انا مقتنع تمام الاقتناع . . من فضلك اتركنى اجمع ادباشى فاننى راحل . . والوقت يمر بسرعة . . لكن بالله عليك قبل ان ترحل . . عفوا قبل ان ارحل ، ، اعمل اعمل مزية وقم بدور النيابة فى البرلمان وقل للسادة : اننى فهمت كل شئ ولم أفهم شيئا مما تريدون .. عفوا مما اريد .. على كل تصحبنى السلامة وتصحبك العافية .

اخيرا الارض تحت قدمى ثابتة . . تصبب منى العرق ، وغسل كل جسدى .. تقلبت على الفراش يمنة فيسرة ، فتثاؤب كاذب ، تململ طويلا ،,, ماذا بقى بعد فصل القوات والرجوع للخطوط . . لماذا كل هذه المداولات وسط هذه القاعة ، على هذا السرير ؟... هبا ايها النوم دغدغ اجفانى , غازل عينى كما كنت تفعل من قبل ،, ارجوك اننى ارفض المداولات والمناورات , لماذا اتداول معك وانا مهزوم ؟ .. هزمت ولابد من اعداد العدة من جديد .. ارجوك . . كل ما تفعله بى الآن مجرد حلم .. حلم . . احتلام .

إبق هكذا حتى الصباح وبالضبط حتى الرابعة ترقب مرور التاكسى .. ثم ... اصعد مدرج الطائرة . . لا تنس ادباشك التى وضعتها فى (( المال )) ... مجموعة كتب . . افراد العائلة ينتظرونك خلف سياج المطار.. اخوك الصغير , هو الآخر فى انتظارك خلف السياج السنة الفارطة وعدته بهدية ،, سنة كاملة فى انتظار الهدية . . تذكرت ذلك واشتريت قطارا كهربائيا ، اعجبت بسرعته وكيفية صنعه ، وندمت على اقتنائه . . المنزل كله مفروش (( بالحرش )) وعرفت مسبقا ان القطار السريع سيلقى به فوق (( القلص )) ..

اخيرا الارض تحت قدمى ثابتة . . حتى وانا اخترق هذه الطرف الملتوية المتشابهة المظلمة المنهزمة . .

هى دائما ثابتة وجميلة فى عيوننا الحبلى ..

امتدى ، ، وعند الشدة اشتدى ..

انت يا امى . . مسكينة انت . . لكن هل انت فى حاجة الى انسان مثلى كى يقول لك مسكينة . . ؟

يكفيها بكاؤها على نفسها طوال الليل ترسل صراخها الجاف ونواحها القاحل .. متالمة متوجعة من الروماتيزم الذى اقعدها ، فصارت تقوم بكل الشؤون و هى قاعدة . . تطبخ الشاى . تضرب الملصوقه . . ومازلت يا امى تلحين فى مراودة ابى .. ابى الذى سقطت اسنانه . . ابى تساقطت كل علامات الشيخوخة على كامل وجهه فاصبح يقول لك انه لم يعد يطمع فى شئ سوى كاس شاي مع اصحابه عند رأس النهج او اعادة بسط مشكلة اقتسام الدار عند كل التفاف به .. : (( اسمعوا يا اولاد لازم انهنيكم قبل منام عينى )) . .

وأخيرا يا أمى تعلمت الصلاة ، فصليت قاعدة بعدما وجدت التيمم منفذا وصراطا يوصلك الجنة وانت قاعدة .. يئست من كل شئ .. وحملت شمعة وتبخيرة الى سيدى احمد .. وتبركت طويلا بين احضانه .. لم يجب الدعوة فذبحت الديك الذى كان يوقظك لصلاة الفجر . . بركته لم تنزل . . فقيل لك لابد من تغيير عتبة البيت . . لاشك انك تفكرين فى اخى الذى غادر البلاد للعمل بالخارج . . وما الذى يقلقك . . ؟ ذهب عن طريق الحكومة منذ خمس سنوات . . ولم يعد . . لا خوف عليه . . ضمن حياته . . سيعود ليتزوج . . ويبنى دارا . . ( انها احلام امى ) امتدى يا امى .. وان اشتدت اشتدى . . فانت كما تركتك منذ سنين . . لم تتغيرى .. رحلنا عنك ولم تتغيرى . . فقدت ابى الذى كان يغذيك . . وانت وهو زهرتان ترتعان . . بصب الواحد ذاته فى كيان الاخر . . تغير هو .. ولم تتغيرى .. انهزمت ولم تتغيرى ...

ما زلت كما عهدناك من سنين تلك الحبلى التى تنجب الاطفال . .

- طق . . طق ..

من الطارق ؟ . . من تذكرنى فى هذه الليلة الباردة ؟ ! الليل انتصف يا امى والزوار لا ينقطعون : (( صحيح ان المشى والمجئ كثرة هذه الايام . .)) قلت : آش ها العفس . . ؟ وشاهدتك يا امى تتحاملين على نفسك للنهوض

- لا .. لا ماهو لازم تتعب نفسك .. )) او نسيت ان الرومانيزم اقعدك من زمان

... لكن أبى سيبقى لفتح الباب .. ( انا الذى فتحت الباب يومها وليس ابى كما قلت لكم . . على معذرة اختلطت الامور . . ) فتحت الباب يومها , و وجدتها قطعة من الخشب الاصفر ، ملتصقة بالباب . . ابتسمت ، فابتسمت بدورها ، وقالت ، أمازلت ساهرا ؟ . .

ـ ... ...

- الطقس بارد للغاية . . هل نسهر ؟ . .

قاطعتها بابتسامتى العريضة كما كنت افعل مع ابى حتى امد نفسى بشئ من الشجاعة . . او كما كان ابى عندما استاذنه فى شىء ما يريد ان يرفض لمجرد الرفض . . ابتسامة عريضة تملأ فمه ورفض قاتل ...

- آسف امى فى الداخل . .

اغلقت الباب وابتسامة عريضة تفضحنى خلفه . . كنت فعلا اريد ان اعود طاهرا . . وكم وددت ذلك . .

قال ابى لا يهم ما دامت النية موجودة . .

الله يسامحك يا ابى . . فانت من جهة تقتدى بالنية ومن جهة اخرى تناقض كل ذلك ، وتبقى تتشمم عن بعد كل ما نفعله .. ورائحة الانثى .. لا تغيد عنك ابدا يا ابى ..

جلست مع والدى ، وكان كل اخوتى معنا يومها . . وهناك فى الركن الآخر من البيت تجلس امى ترقبنا . . لم تطق صبرا فانضمت للمجلس زحفا على اربع . . كان كل منا يحملق فى الآخر ، كانما ينبش عبر ملامحه ما افتقده من الآخر طيلة هذه السنين . . ابى هو الآخر لم يتخلص بعد من هذه الفوضوية التى يعيشها ويسير بها كل أموره الخاصة .. الجلوس فى الصدارة الكلمة الاولى لرب العائلة وكلها حسبما قال تدخل فى باب المجالس والمجالسة حسبما جاءت فى كتب الفقهاء والعارفين بهذه الامور .. والا كانت جلستنا يئن فيها الشيطان ( والعياذ بالله )

- احشم لا تناقش هذه الامور . . منذ متى صار الفرخ يطعم أباه ؟

كان كل من فى البيت ينتظر فى قلق مفضوح اشارة بداية المداولات . . ونحن الرابضون .. القاعدون . . الصامتون . . المدججون بالسلاح والعتاد ... العاكفون . . . . ننتظر الاشارة . . لكن المداولات تقطع كل ذلك . . اما انت يا ابى ، ، لم تتوقف بعد عن اكلى بعينيك . . تثقبنى .. تحدث فى فجا هائلا .. تتفرج انت من خلاله على كل ما يدور فى خلدى .. اولا تسالنى ... ام انها آداب المجلس التى تحدث فى شانها الفقه فلصقت بدماغك . .؟ آ ... آ . . لكن ما عسى ان يكون سؤال القائد للجندى الرابض على الخطوط باكنه السوس غير : هل انت مستعد ؟

هل انت اليوم احسن من الامس . . على استعداد ؟

لا انكر ان هناك صلة تقارب وحوار بينى وبينهم . . لكن عملية تحديد هذه العلامة امر صعب . . صعب لانى لا افهم بالرغم من الثقافة العالية التى امتلكها . . تصور انى قضيت ثلاثة وعشرين سنة فى الدراسة والبحث . . وعدت كى اقول للناس انى فاهم ومتفهم للامر الفلانى الشئ الفلانى . . (( مهما حاولت او ناورت او تكتكت كى تقعنى بانى غير فاهم . . فانى فاهم ولا جدال فى ذلك ثلاثة وعشرون سنة فى البحث والتنقيب والتفكير والتدبير . . هذا بقطع النظر عن الكتب التى قراتها . . مهما كان نوعها ، فلسفة ، ادب ، سياسة ، اجتماع ، قرات لاكبر كتاب العالم . . بطبيعة الحال لا يمكنك ان تناقشنى فى هذا او تكذبنى . . فبلادنا متفتحة . . تصلها كل الكتب ومن المنطق ان اكون انا الآخر مفتوحا . . هل تناقشنى فى هذا ؟

لو حاولنا القيام بعملية معادلة بسيطة بين عقلى انا كانسان وبين عقل حمار أبى الاشهب لوجدنا انه من المنطق ان تكون الثلاثة والعشرون سنة كافية لكى يفهم الحمار كل الاوامر والتوصيات التى يصدرها ابى . . وهى كافية بالتالى كى اكون فاهما ومتفهما انا الآخر . . مثالا آخر لو سمحت . . لنضع قطيعا من الدجاج خلف سياج . . ونضع الحب من الجهة الاخرى . . هل تتصور ان القطيع المحبوس سوف لا يتحامل على نفسه لايجاد الحيلة اللازمة للحصول على الحب .. ؟ وهل نترقب من الجندى الذى يتعلم الوقوف على الخطوط غير الانتظار . . ؟ والاقتناع بانه جندى باسل . . حتما ستقول انه سيخرق قاعدة الانتظار كما فعل قطع الدجاج اذ مربية الدجاج نسيت قطيع الدجاج .

ما زلت اذكر جيدا ما قاله الاستاذ : (( المشكلة ان تقتنع بينك وبين ذاتك بانك فاهم . . مع الحفاظ على ديمومة الصراع الذى تتغير أساليبه وطرقه بتجدد اقتناعك بالشئ . . وبذلك يكون وجودك خارج ذاتك ، مجرد موقف تكتيكى يعلمك الانتظار

ما زال هذا الجسد الممزق يناور ويحلم . . وما زال هذا الفراش يتقبل . . ويتقبل . . افرغ فيه شهوتى . . ومازال الجندى الرابض يضاجع السلاح والعتاد يتدرب كيف ينتظر . . .

وانت ايتها اليد امتدى . . امتدى . . واجتازى الخطوط .. امتدى .. اشتدى .. فاننى فى انتظارك خلف الشئ عندما تجتازين الخطوط ، ونبدأ موسم الزرع بك . . أيتها اليد المنسية . .

اشترك في نشرتنا البريدية