الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

ربيع وأطياف . .

Share

انا فى نافذتى المظلمة . أصغى ، أتشرب ملء نفسى وشوشة الصمت ..... تغزل بالليل ، أدس رأسى فى شعر الليل . وجهى يضل ، عيناى تضلان فى ثنايا شعوره المرسلة الغزيرة . أتشمم عطره . أغسل مآقى بنداه . لقد سكرت بالليل .

ليلة ربيع . هذا ربيع لا كما عرفنا . صفت أحداق الليل فيه وتألقت . ليلة ربيع تفغم بالآمال . نقلك فيها زهر البرتقال . بشرتها سناء وعبير . أما ترى الآمال تتطاير تتلاعب فى السماء ! شهب رنحها السكر واستهواها الرقص .

أثواب عرائس هذه التى أمامى أم زهر فائح ؟ . . أشجار حفلت بالزينة زفت لميلاد أمة . . لميلاد دولة . . لميلاد قوة.

هذه الاشجار السامقة لا ترى الا رؤوسها الضخمة قائمة فى السماء .. أهى باقات ، حزم ألقيت فى حقل الليل ؟ !

ليلة ربيع . ما أبهى الربيع يرفعك الى قمة نفسك ومنتهاك . فاذا الحياة فيك قوة عارمة ، سكرة أبلغ من الرشد ، وأصفى من اليقين . واذا هى رغم تفاهة القش عند اقدامها وسماجة الهشيم ، رغم كيد أعدائها القاهرة شىء عجيب تسيغه وتعبه عبا ولا ترى له ثمنا ضدا . كأنك الشجرة السنديانة تنتشى بالنسغ يصعد فيها ، يملأ شرايينها ، ويفتق بشرتها الجافة الغيراء ، براعم براعم خضرا ، يقشعر لها جسمك . كدغدغة الحب يغمرك يبهرك فتضيق عن فيضه وجوده . واذا الموت من أجلها فى مثل سحرها وبهائها النهاية الكف والخاتمة الأنسب . واذا أنت تعجب من الشك والضعف واليأس كيف سكن كل ذلك نفوس جماعات من البشر مدى الاحقاب . كيف أمكن هذا والحياة تطرق باب قلبك عند يقظتك الحق ، فى حلمك النير البصير وتهيب بألدم فيك أنك حر ! حر ! أما علمت ؟ انك حر الى الأبد .

هذه الليلة قد جن فيها القلب بالشعر ! اعتناق الطبيعة والوجود . ضرب من الشعر غريب . مزيج حب واباء . فيه فحولة ورواء . سكرة الذات حتى

الظما . الشعر ! نعم . روعة الوجود وقد بلغ الذروة . بركان نور تدفق ضمن النفس ، هذا العالم الصغير المدهش

هذه الطبيعة . . كيف ننعتها . . قوة جاذبية وعظمة سلطان . . قربا ، أشد القرب من نفوسنا . حتى الشغاف ، حتى النبض ، حتى الرفة . مكان الوريد منك .

ما الشرف والعزة ، وماهناء الضمير والحرمة ساعة الموت ان لم يكن فى كل ذلك طعم الشعر ونكهته . . سر الحياة وناموس الوجود .

وانى لأسمع صوت المقاتلين الفتيان عند فجر المعركة ، فى عتمة الغيب الكبير ينشد . . همسة خاطر ، بارقة فكر ، وآية صلاة:

" الهنا ! آمنحنا ميتة نلتذ طعمها خمرا مزة . قربانا نطعمه أرضنا الظمأى . سنفونية كئيبة عذبة . كروعة وداع الأحبة . كمرارة فراق من نهوى . أن ترى نفسك تتلاشى وتذوب فتقر وترضى .

رباه ! ميتة بينها وبين الحياة رحم واشجة . كبرزخ ما بين الحلم واليقظة . فيها شئ من سحر ألوان الغروب . من خضاب الموج عند الشفق . أن تفارق الحياة بدمعة واحدة لا أكثر . دمعة سخية تترقرق ، لما من السراب عابرا يشيع النفس الأخير . تباركت ، تباركت الحياة ! "

الليلة ليلة ربيع . ربيع لا كما عرفنا . انه ميلاد بشرى . انه ميلاد أمة . انه صفحة مغربنا الحبيب .

اشترك في نشرتنا البريدية