الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

ربيع

Share

لا ربيع هذه السنة . جف دمع السحب قسا قلب الطبيعة . الزرع المسكين فرض عليه التقشف حكم عليه بالامساك ، فاذا هو يتحرق الى قطيرات الندى ، يتقمم ذرات الرطوبة ، يتعلل بالنسيم . . .

لا ربيع هذه السنة ، وتتوالى السحب بساطا راقصا يتماوج فتنة وإغراء . . أعلاما ترفرف اخضرارا واعدا . .  مائدة عامرة شهية . وينتصب الانتظار فاغرا فاه يلحس السراب ، يعب الوهم  ، يحتسى الظمأ . . .

لا ربيع هذا العام فى بلدنا . . .  سماء فى إجازة . . إنه صيام الجبر ، حمية العسف والقسوة تأكل الشحم واللحم ، وتمتص الدماء ، فاذا السنابل هيكل ولا روح . .  أشباح تترنح تتهاوى سكرا برحيق الهاجرة العنود . . .

وتتوالى السحب من جديد . . . لعبة الرجاء واليأس . . . وتر التحسس والانتظار ينتفض كالدرويش يصيح يصيح . لقد أفحم ولا جواب الا الشمس ، دائما الشمس ، غائبة حاضرة ، تأكل الغيم ، تزدرد الضباب ، تكتسح الفضاء ، وتملأ الآفاق . . .

ربيع ولا ربيع . تحجرت الارض . شقوق كالجراح مفتحة الشفاه تستغيث . ريح السموم . . وهج الصيف فى أوج الربيع . لقد غزتنا الصحراء أياما وأياما ، شهرا بأكمله لا تنى تقذفنا بفحيح أنفاسها ، تؤلب علينا الشمس . . جيشا من الجراد . . ملايين من الجراد . . أسرابا من النحاس الملتهب تقضم الخضرة ، تفتت الخضرة ، تفترس الحياة . . .

ابن أنت يا إبريل الحق . . . تقفز فيك السنابل قفزا ، تكاد تنط نموا دافقا ، مشرئبة تيها وزهوا ، تتمدد تتطاول ترتضع الغيث ترتشف الندى ، تهتز صحة ونعيما ، وتتفجر نضرة وامتلاء . . .

سحب . .  سحب رمادية دكناء تلوح من الشمال تزحف الينا زحفا . برد الطقس . ما أنعم هذا البرد يتشربه الجسم بجميع مسامه ، يمرح طربا فى طراوته النقية العذبة !

المطر آت لا ريب فيه . الغيث نحسه الآن يسرى فى تضاعيف الكيان ، ينعش الجسد ، يبل ظمأ الروح ، ويقلب القحط ريا وخصبا . . .

رذاذ خفيف تهفو له التربة الناشفة الغبراء ، تتلقاه فى لهفة ، تبارك كل قطرة منه ، تهش لها وتستزيد ، منهومة الشهوة مسعورة الظما . . .

رذاذ يدر ويحود ، ينفر ورق الشحر نقرا خفيفا . . وخزا لطيفا . . خشخشة تتهلل النفوس لموسيقاها بشرا وارتياحا . . أملا ويقينا . . .

وتهب ريح تعبر أقطار الفضاء تخرق السماء خرقا ، ترتج تدور حول نفسها وتنقلب كالمصروع مدومة مزمجرة ، واذا هى رياح معربدة متلاطمة تمزق بسياطها قطعان السحاب ، تغسل السماء تطهرها تطهيرا ، فاذا هى مرآة صقيلة لا شية فيها . .  حسناء كشفت عن محاسنها متبرجة قد تعرت للشمس ، وعلى محياها المشرق الدري ابتسامتها الرقيقة الساخرة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية