الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

رجالاتنا المنسيون, الرحالة العربى، مسعر بن المهلهل البنبعي

Share

سنتحدث فى هذا المقال عن رحالة عربي يعتبر من أقدم الرحالة ، ذوى الآثار المدونة . كما نحاول ان نتكلم فى قولة اخرى عن جوال اخر " ابن وهب القرشى " والذي حدانا الى تخصيصهما بالحديث عدة امور : - منها - ان الكثير منا يظن ان ابن بطوطة وقبله ابن جبير قد حازا قصب السبق فى التجوال في ارض الله الواسعة - ومنها - ان هذين الرجلين من بلادنا ومن اهلها صليبة - ومنها - انهما قاما برحلتيهما فى عصر نعتبره من عصور الخمود والركود من الناحية العلمية بالنسبة الى بلادنا ، ومع اننا حين نبحث فى خبايا تاريخ ذلك العصر وأمثاله من العصور نعثر على كثير من النوابغ - لا من ناحية المغامرات فى الضرب فى الأرض - بل من جميع النواحي الحيوية ، ولعل من أشد تلك العصور ايغالا فى همود الحركة العلمية بالنسبة لما نعرفه عن ذلك العصر هو القرن التاسع الهجرى ، ولكن اليس مما يثير العجب ان ذلك العصر لم يخل - كغيره من العصور - من نوابغ فى العلم والادب والتاريخ بل من نابغات ايضا فى هذه العلوم منهن من درس وحدث وألف وتسابق فطاحل ذلك العصر من العلماء الى الرواية والتحديث عنه والاشادة بذكر تا ليفهن ، واغرب من ذلك واعجب اننا فى هذا العصر الذي امتاز على غيره من العصور بتقدم الصناعة تقدما من أثره أن أصبحت وسائل التنقل من بلد الى آخر من اقصى المعمورة الى

أقصاها ، تفوق كل عصر من العصور المتقدمة ؛ لا نرى من شبابنا المثقف من استطاع أن يستفيد من هذا التقدم ويفيد كما فعل الشيخ أمين بن حسن الحلوانى المدنى الذى لم تديه تمته وقلة وسائل الانتقال فى عهده وشدة التكاليف عن التجول فى كثير من مدن الشرق والغرب ، فزار اوربا ووصل فى سنة ١٨٨٣ م الى امستردام وليدن ، وعاد بعد ذلك وسافر الى الهند فاشتغل فى التأليف والتدريس والنشر فى " بمباى " حتى وافاه الاجل المحتوم ، وبعد فأرانى قد استطردت استطرادا أبعدني عن الموضوع فلأعد اليه :

منذ أصبحت المدينة ليست مركزا للخلافة الاسلامية أصبح أهلها بحكم الضرورة - مدفوعين الى السعى فى الارض حسب مقتضيات الحياة ولوازمها وبعد ان كانت موطن انصار رسول الله الأوس والخزرج اندفع أولئك عنها الى الانتشار فى أقطار المملكة الاسلامية ولم يبق فيها منهم الا القليل ولم يخل " واحة " ينبع ذات المياه الجارية والتربة الخصبة من تلك القبيلة فتوطنها كثير من افرادنا وعاشوا فيها - بجانب أهلها عيشة ملائمة لظروف تلك العهود ، ومن اولئك الأفراد الرحالة ابو دلف مسعر بن مهلهل الخزرجي الينبعى الذى يخفى علينا من امره - فى حالة نشأته وحياته وتنقله - أكثر مما يظهر ، ويجهل من احواله اكثر مما نعلم ، ولكن خفاء ذلك علينا وجهلنا لا يمنعنا من ان نقرر - بحق - انه من الافذاذ العصاميين الذين تبوءوا بعملهم فى هذه الحياة مكانة سامية .

عاش الرحالة المذكور فى القرن الرابع الهجرى وقد غادر بلده - لاسباب مجهولة فى زمن مجهول - الى الشرق فوصل الى خراسان واتصل باميرها نصر ابن احمد السامانى الذى اوفده الى الصين مع بعثة أرسلها احد الامراء الصينيين الى امير خراسان فسار الى تلك البلاد وتجاوزها الى غيرها من البلدان فدخل كابل والتبت وكشمير وملتان وشواطئ بحر الهند وبلاد السند وكولم وبغانين وسجستان ووصل الى شروان وبلاد الارمن وتفليس وغيرها وقد وصف

كثيرا من البلدان التى مر بها وصفا لا يخلو من دقة وطرافة . ويقول الدكتور زكى محمد حسن نقلا عن دائرة المعارف الاسلامية : ) وقد حفظ لنا القزويني وياقوت وابن النديم مقتطفات يظن انها من وصف ابى دلف لرحلته فى الصين والهند وهو وصف يشهد - على ايجازه - بان هذا الاديب الرحالة كان دقيق الملاحظة وحسبنا مثلا انه فطن الى ان الخزف الصيني كان يقلد فى بعض البلاد الأخرى ولا سيما فى ايران ومليبار ، ولكن الاوانى الصينية تفضل فى الاسواق على كل ما يصنع تقليدا لها ( وأقول : ان ذلك الوصف الذى عبر عنه الاستاذ بكلمة " يظن " قد نص ياقوت فى معجمه فى عدة مواضع على التصريح بنسبته - أى ذلك الوصف - الى الرحالة المذكور ، كما ان ابن النديم قد صرح فى كتابه " الفهرست " ص ٤٩١ بالرواية عن ذلك الرحالة ، وقد ساق ياقوت فى المعجم مادة ) الصين ( رسالة لابى دلف كاملة ، واوردها مفرقة عند كلامه على المدن التى زارها الرحالة المذكور ، كما ان تلك الرسالة طبعت فى برلين سنة ١٨٤٥ فى ٤١ صفحة . وقد اعتنى كثير من المستشرقين بدراسة تلك الرسالة وترجموها الى عدة لغات ، وممن اعتنى بذلك ) فون شاوزر وفراند وماركارت ووستنفلد وغيرهم وقد ترجم مسعر فى ) دائرة المعارف الاسلامية (

وروى السيد سليمان الندوى ان لمسعر من التأليف ) كتاب عجائب البلدان ( وصف فيه ممالك فارس والصين والهند وجزائرها وبعض بلاد المشرق الاقصى غير رسالته الصغيرة التى ذكرها الحموى فى معجمه .

وما دمنا بصدد الكلام عن هذا الرحالة فينبغي ان نشير الى ناحية من نواحيه النفسية - لا تقل فى رأينا - عما امتاز به من المغامرة فى التجول فى اصقاع الارض ، ونعني بها الناحية الادبية فقد ذكر الثعالب أن مسعرا اتصل بالصاحب بن عباد ونال لديه من الحظوة والقرب ما لم يفز به كثير من الأدباء ومدحه بقصائد من شعره وقدم له قصيدة تقع فى اكثر من ١٨٥ بيتا فى وصف ) بني ساسان ( وأساليب حياتهم وقد أعجب ابن عباد بتلك القصيدة وممازاد

اعجابه بها أن مسعرا عا الخليفة فى ذلك العهد ) المطيع لله العباسى ( من تلك الطائفة بقوله :

ومنا قيم الدين الم   طيع الشائع الذكر !

يكدي من معز الدو   كة الخبز على قدر !

ومنا شعراء الارض  اهل البدو والحضر !

واذا عرفنا عن ابن عباد هذا انه باقعة من بواقع الزمن كثير التحامل على كبار الشعراء والادباء وان اباحيان الكاتب العظيم لم ينل بأدبه لدى ذلك لوزير ما كان يؤمله ويرجوه بل استخدمه بنسخ رسائله الادبية حتى اعياه الكلل ، فارتحل عنه . كما ان الصاحب المذكور الف رسالة فى نقد شعر المتني باسلوب تهكمي لاذع - اذا عرفنا ذلك وتصورنا حالة الوزير الأدبية أدركنا أن حظوة ذلك الرحالة بادبه لدى الصاحب تنم عن مقدرة عظيمة فى معرفة ذلك الرحالة الأديب باساليب الحياة الاجتماعية فى ذلك العهد كما ينم على ذلك اسلوبه الهزلى فى شعره الذي يدل على ظرف ولطف . وإلى القارىء بعض شعره

وقد صارت بلاد الله  فى ظنى وفى حلى

تغايرن بلبثى و  تحاسدن على رحلى

فما انزلها الا على أنس من الأهل

وقال :

ويحك هذا الزمان زور  فلا يغرنك الغرور

زور ومخرق وكل واطبق  واسرق وطلب لمن يزور

لا تلتزم حالة ولكن در بالليالي كما تدور

وقال من ارجوزة طويلة يرثي بها برذونا امره الصاحب برثائه - :

دهر على أبنائه وثاب تعجمهم أنيابه الصلاب

واها لناء ماله اياب ! لكل قلب بعده اكتئاب

قد كملت فى طبعه الآداب وهذبت أخلاقه العذاب

أقب مما ولد الاعراب ذو نسب تحسده الانساب

وميعة ينزو بها الشباب كأنما غرته شهاب

ياغائبا طال به الاياب   لاخبر منك ولا كتاب

ما كنت الا روضة تنتاب من مستأنسا تألفك الرحاب

تعشقك العيون والالباب ترتج كالموج له عباب

وفي هذا القدر من شعره ما يكفى للاستدلال على ما اشرنا اليه من ناحية هذا الرحالة الأدبية ، ومن اراد المزيد ففي تتمة الدهر للثعلبى شي من ذلك

اشترك في نشرتنا البريدية