إذا كان العالم الاسلامى - فى القرن العاشر م - قد أخذ يسير بخطى حثيثة نحو السقوط والانهيار نتيجة لما اصابه من الانقسام والتفكك وتكالب الامراء والقواد على النفوذ والسلطان ثم لتسرب أجناس مغايرة للعرب من فرس واتراك استغلوا ضعف الخلفاء فاستبدوا بهم وأذاقوهم ألوانا من الذل والهوان رغم انتفاضات هذا ( المريض ) من حين لاخر عندما يقبض الله له رجلا قوي الشكيمة شديد الحرص على ترميم هذا البناء المتداعى ، مع كل هذا نرى فى الناحية المقابلة ارتقاء الحضارة الاسلامية الى قمة التقدم ونراها تتطور وتستوعب خلاصة الحضارات الاخرى من غربية وشرقية بدرجة لا مثيل لها . . فالتأخر السياسي كان يقابلة ولا يوازيه اندفاع حضارى نحو القمة ولا اخالني أبالغ كثيرا اذا قلت ان أبا الريحان محمد بن أحمد البيرونى قد فاز يقصب السبق لتبوئ هذا المكان الشاهق . . حتى اذا ما تقدمنا مع السنين والقرون نرى كل مفكرى الاسلام مجترين مقلدين أكثر منهم مبتكرين ونراهم يلهثون محاولين بلوغ هذه القمة بدون جدوى . . وكيف يستطيع من أذواه الهزال العقلي وأضعفه الخمول الفكرى الوصول اليها ؟ .
وقد وجد فى القرن العاشر م من دفعته الغيرة الدينية والطموح السياسي الى مد رقعة الاسلام مرة أخرى نحو الشرق : ففي غزنة ، تلك القرية المغمورة التى لم يسبق لها ذكر ، ظهر محمود الغزنوى الذى ما ان نشر جناحيه عل يمينه ثم على شماله حتى رنا بنظره الى الهند أو الشمال الغربى منه ، والذى اطلق عليه منذ سنة 1947 اسم باكستان ، ان نشر الاسلام فى هذه المنطقة الشاسعة والبعيدة عنا أنما يرجع الفضل فيه الى هذا القائد الجرىء الشجاع الغيور ، وما زالت بعض المساجد أو المنشآت التى شيدها هناك مائلة او الآن تنطق بمآثره ، سواء كانت في البنجاب أو فى لاهور أو فى ملتان او فى كشمير . . وعلى كل فنحن انما عرجنا للحديث عن هذا " الغازى " كما كان يلقب غالبا لكى نعرف بانه لم يكن يرمي الى التوسع العسكرى فقط ، فقد رأى بثاقب فكره وبصيرته أن هذا التوسع العسكرى لا يمكن أن يثبت أو يدوم الا اذا دعمه توسع ثقافى وروحي . . مثله فى ذلك مثل الاسكندر الاكبر من قبل عندما أراد - بعد أن حقق حلمه بفتح فارس ووصوله الى تخوم الهند - أن يمزج حضارة هذه البلدان الشرقية بالحضارة الهلينية . . وهو ان فشل فى ارساء قواعد امبراطورية مترامية الاطراف بعد أن قضى نحبه وهو فى ميعة الشباب ، فقد نجح - بعد موته - فى القيام بهذا العمل الجليل
وطعم الحضارتين ببعضهما بعض . . ومثله فعل فيما بعد فى القرن 18 نابليون بونابرت عندما حمل معه الى مصر نخبة من العلماء كانت البذرة التى أينعت فيما بعد وأيقظت العرب مما كانوا سادرين فيه من سبات وفتحت عيونهم على مزايا الحضارة الغربية وبثت فيهم الحمية والحماس - بعد ما راعهم وأدهشتهم حالة التخلف الفكرى الذى وجدوا أنفسهم عليه - للحاق بركب هذه الحضارة . .
فالسلطان محمود الغزنوى كان رجلا حربيا متدينا سنيا يقرأ العربية ويعجب بطلاوتها دون أن يغوص في أعماقها كثيرا . . وقد فكر - كما قلنا فى أن فتحه أو غزوه العسكرى لا يمكن أن يبقى أو يصمد ويؤتى بثمرته المرجوة اذا لم يواكبه ) فتح ( لعقول سكان هذه المنطقة من الهند ، وهو عمل مهم ولكنه شاق وعسير اذا أدركنا مدى تمكن جذور البوذية فى نفوس الهنود ، واذا ادركنا الشوط العلمي الذي قطعوه وبالاخص في الرياضيات والفلك ، واذا علمنا بأن لهم فلسفة خاصة تغاير تماما فى نظرتها الى الوجود وتفلسفها للحياة نظرة المسلمين اليه واليها
من هذه الزاوية نستطيع أن نفسر طلب محمود الغزنوى من أمير خوارزم مأمون بن مأمون أن يبعث له بعلماء بلاطه وفي طليعتهم البيروني وابن سينا . . واذا كان الاخير قد فر ولم يستجب لنداء من أجهز على الدولة السامانية التى عاش فى ظلها فان البيرونى ( 1 ) الذى ولد فى خوارزم سنة 973 م وهو الرجل الطلعة التواق الى الاسفار والتعرف على الامصار وأحوال سكانها وطبائعهم وعقائدهم ، الجسور الذى لا يهاب الاخطار لتمزيق الحجب التى تحول دون وصوله الى هذه الغايات ، لم يقعد عن الرحيل اليه والانضمام الى سمط علمائه الكثيرين . . ثم اصطحبه في غزواته الى الهند فكان " غازيا آخر يلبس جلباب العلم والوقار ويحمل فى نفسه روح التسامح والود والحب والبعد عن كل عنصرية بغيضة . . وهكذا بينما كان السلطان يشهر سيفه في وجه الامراء الهنود ويهدم معابد بوذا ويعلن كلمة الاسلام وسط صهيل الخيول وضجيج فيلة الاعداء . . كان البيرونى تحت ستار الهدوء والسكية وبما كان يكتسب من وداعة ولطف وحسن سيرة ، يجوس مدة سنين طويلة خلال الدساكر والقرى والمدن والجبال والفيافى والوديان لاستكناه أسرار هذه البلاد الشاسعة . . وهو في الحقيقة لا يقتصر على الاخذ والتسجيل فقط بل لقد كان - كالنحلة - يمتص ويعطى . . انه يقوم بعملين متكاملين قل من يستطيع الاضطلاع بهما فى آن واحد : التعرف والتعريف وهو ما سنحاول تفصيله فيما يلى من الحديث
واذا درسنا كتب البيروني سواء كانت فى التاريخ أو الجغرافيا أو الفلك
أو الرياضيات أو الفلسفة أو الطبيعة ألفيناه قد اتخذ لنفسه طريقة خاصة فى الدرس والبحث هى أشبه ما تكون بالطريقة المنهجية التى يتوخاها العلماء الثقاة اليوم ، وقد اشتهر فى هذه الابحاث بالتجرد الكامل والنزاهة الصادقة والنظر الى الامور نظرة موضوعية خالصة بعيدة عن التأثيرات الذاتية . . حاول البيروني أن ينضو عن نفسه كل الشوائب الجنسية والاجتماعية والدينية بقدر ما أسعفه الجهد حتى تكون النتائج التى يتحصل عليها أقرب ما تكون الى الحقيقة ، وبهذه الروح نقد كثيرا من شؤون الفرس بني جلدته والعرب والمسلمين والمسيحيين ، وبهذه الروح أيضا اكتسب ثقة هؤلاء جميعا . . . ثم هو بعد هذا كله لا يمكن أن يسلم بشئ الا بعد وضع على محك التجربة الطويلة والدقيقة الامر الذى فعله بعد ذلك فرانسيس باكون فى القرن السابع عشر في كتابه Novum Organum عندما أشاح عن الطريقة المدرسية القديمة واعتمد على ما تفسر عنه التجربة من نتائج . وانظر ما يشترطه البيرونى فى مقدمة كتابة " الآثار الباقية . . " الذى سنذكره بعد حين للوصول الى النتائج الصحيحة : " . . . بعد تنزيه النفس عن العوارض المردية لاكثر الخلق ، والاسباب المعمية لصاحبها عن الحق ، وهى كالعادة المألوفة ، والتعصب ، والتظافر ، واتباع الهوى ، والتغلب بالرئاسة وأشباه ذلك . . وبغير ذلك لا يتأتى لنا نيل المطلوب ولو بعد العناء الشديد والجهد الجهيد . . "
للبحث بقية

