( نهاية بداية . . . الرحلة ــ 1 ــ )
كانت انغام الربابة الجارحة تداعب مسامعك عندما انطلق صوت رخيم كانه الحلزون المتزحلق ، صوت نورى تثقله أنات الاسطورة العجيبة : اضطرت القبيلة الى التشرد ، فتعاطى رجالها النوم وشرب الشاى ، وما انفكوا يتعاطونهما :
» يا باى الاصائل والرجل تحس الركاب « بينما تتمطى المرأة تحت خيام » الخيش « ــ وهل تقي هذه زمهرير الفصول وكيها ؟ - : نورية ، دفوف ورباب سقيم : ألم تسمع مطلع مواويلهم » لعنة الله سجن / لعنة الله نور « ؟ ألم تدرك بعد ان الشعوب ــ كل الشعوب ، أى نعم ؟ ــ التى تقهر يطربها شتم نفسها : » اخذوا مني الماء وخلوا لى السراب « . . .
نظرت الى يمينك فداهمتك الستائر بلونها الجديد . التفت الى يسارك فكانت نوافذ قليلة ، ثلاث أو أربع قد جلبت شموعا منذ ان حللت بهذه الديار : متى يا ترى ؟ أنت لم تمض بما سوى عشرين يوما . كنت تتجول فى مدن اوربا ، بعض المدن فقط . كنت تتوق فى كل لحظة الى التحليق في الاجواء : الطائرة . ولكنك تمقت الانتظار فى قاعات المطارات . هل تذكر اليوغسلافي طويل القامة في مطار » سبليت « ؟ استغرب مطالعتك لمختصر تاريخ بوغسلافيا وانت على وشك مغادرتها . واجهك بقوله : كان من الافضل ان تطلع على التاريخ قبل الحلول . نظرت اليه نظرة فارغة ثم غمست عينيك فى كلمات انحليزية متتالية كحبات المسبحة السوداء التى اهداكها الحاج . . . عشية يومك هذا . . . الحاج لا تذكر اسمه بل انك لا تذكر الاسماء مطلقا . تكتبها خلسة وتراجعها المرات والمرات خلسة وتبتسم لكل انسان يشير اليك
يتقاطع وجهه ، بحركات يده ، بابتسامة ثغره . . . بكلمة ، وتكون قد أعطيته الفرصة ليبادرك بالحديث . . . ولا يعودك اسمه ثم تعود خلسة الى أوراقك ــ انت تعمد كل مساء الى افراغ جيبك من رزنامات الاوراق الصغيرة التى تدون عليها الاسماء والمشتريات والفكر السائحة و . . و . . فتطمئن الى اسم لم نسترجعه في حينه . رفعت رأسك ببطء عندما وضع اليوغسلافى أمامك قدحا صغيرا جميل الصنع ، مقهقها : » شليفوفتسا ؟ ، وبما أنك لم تقرأ مختصر تاريخ يوغسلافيا قبل حلولك ــ هل جئت الى هنا لحضور المهرجان الاولمبي للرياضة ؟ ــ فانك لم تفكر فى شرب اشهى كحول عندنا . والحقيقة ان اجود انواع الشليفوفتسا يوجد فى ماسيدونيا وانت فى ماسيدونيا الآن يا سيدى الطريف ، أتعلم ذلك ؟ ــ وكنت تقرأ حول مقاطعة بوسنيا ولم تفهم ما يقصه عليك مختصر التاريخ فقد تشبثت بفكرك تلك الاقاصيص التى كتبها » البوسنى ايفو « حول » الوزير « وأخذك الحنين الى اسطنبول ومآذنها ومكتبة آيا صوفيا ومخطوطاتها الغزيرة وازداد حنينك لانك لم تذهب بعد الى اسطنبول ولم تقتحم مكتبة آيا صوفيا ، - قد لا تعلم ، فانك تقرأ يوغسلافيا عند مغادرتها . . . وفى وجهك قهقهة من جديد فازددت له انتباها . وانت تعجب حقا بالانسان الذي يجيد القهقهة . وحملقت فيه فتدلى شارباه المعقوفان على ناحيتى شفتيه المنقبضتين : كان بياض السكر يرسم خطا مجسدا تحت شفته السفلى . وقف نظرك عنده . لقد رأيت أكثر من مرة هذا الفم وهذه الشوارب : صحيح كنت رأيتها خلف زجاج كل المغازات التى تبيع الصناعات التقليدية بمدينة ( زغرب ) معلقة على افواه الدمى المنفرجة القدمين كخادم دنكشوت المصنوعة من خشب طرى أبيض مصفر . ولم ترغب ان تدفع نظرك الى عينيه . فنظرك غير الحاد نصف الحالم يزعجك : كلما نظر احد في نظرك ظنك تنظر اليه ولكنك لا تنظر فيه . لم تكن ترغب ان تدفع نظرك الى عينيه حتى لا ينقطع عن الكلام ولكنه انقطع عنه ، لست تدرى متى ، ولكنه انقطع عن الكلام . . . فحملقت فى شعره الملولب المطرز ببياض الشموع التى كانت عصارتها تتدلى على فوهات الزجاجات الخضراء في مطعم اشبيلية ، حيث كانت ولادة تعانق عناقا دائما ابن زيدون : اليد فى اليد - كذا الشوق بل الحب عند العرب ، هل هى قهقهة اليوغسلافى التى تدق على طبلة اذنك ام هى قهقهة ابن زيدون المتألمة ؟ــ ، حيث كانت تلك الاسبانية ذات الشعر الاسود الذي يلتطم بتشنج على خصرها ونهديها ترقص الفلامنكو كالمجنونة وكنت تضرب بقدميك الارض وتقرع الطاولة من حين لآخر وتشرب القدح وراء القدح وتلاطف بعنف زوجتك التى كانت تطالب دقيقة بعد دقيقة وباصرار أن تخرجا من مطعم اشبيلية : وكنت تبرز اسنانك البيضاء ــ التى تعتقد صديقتك اليوغسلية
انها من البلاستيك - الى الراقصة» الفلامنكية « التى لم تقترب منك - رغم رغبتك الشديدة فى ذلك - شبرا واحدا . ولم تنتبه الى زوجتك وقد غادرت مطعم اشيلية وحدها . بل من ادراك انها غادرته وحدها ! ؟ - ولم تنتبه الى انك دفعت كل المال الذي حملته معك لقضاء نصف شهر باسبانيا . ولم تنتبه أيضا إلى من ادخلك في قميص النوم الاخضر . وحمل الصداع فى أروقة قصور اشبيلية وغرناطة - وكانت تحدوك كالطيف المتموج أغنية » باسي « » يستحيل أن أعيش معك ولكنى اعلم انه من المستحيل ان اعيش دونك . . « - وتحت تمثال الميموني وبين عرصات المسجد - الكنيسة ، ومع الاسباني الشاعر المجهول الذى كان يحتسي كأس النبيذ على صحة شعراء اسبانيا الفرنكية الذين استشهدوا فى سبيل الحرية ، ولكن كما يقول : مر التاريخ بجانبهم ؛ وكاد الصداع يسقطك من القلعة كانت القلعة مرتفعة ، مرتفعة جدا مثل ذلك القطار السلكى الذى صعدك واياها الى أعلى جبل ( زغرب ) وكانت نبدو عليك كل علامات الخوف وكانت هى تضحك وتقول لك : » احبك . . . انت كالطفل الذى تعوده امه على القفز من فوق المائدة الواطئة « ، فسرحت عينيك فى مدينة ) زغرب ) وقد شملها دخان المداخن بينما ارتمى نهرها الفضى القديم بعيدا عنها ، واضعا حدا عميقا بين المدينتين القديمة والحديثة ، وشاهدت الخيمة البلاستيكية التى رفعها الامريكيون وتحتها لوحات من الرسم الحديث : قطارات وناطحات سحاب ومركبات فضائية ، كلها زرقاء اللون تتألق فيها نجوم باهتة مثل تلك التى تألقت فى سماء شمال السويد فوق قطيع الجدى المندفع نحو البحيرات في منطقة » اللابون « التى استهوتك تحت قبة متحف ( زغرب ) حيث عرض السويديون نماذج من حياتهم اليوم اليومية وكانت صديقتك اليوغسلافية تقرأ الملاحظات التفسيرية وتترجمها لك بعصبية وتقول من حين لآخر : » لا أرغب فى ان تذهب للسويد فكفاك انك افرغت مخك بين فخدى تلك السويدية البيضاء كلحاف الموتى « وأدرت نظرك الى الشرق ملاحقا حديقة العاب للاطفال ، أين اشتريت وصديقتك بطاقتين للتحليق في طائرة صفراء موثقة الى اسفل وكنت متشبثا بقضيب الحديد الوسطى وكانت هى تصيح بأعلى صوتها : » انظروا لهذا الطفل ، انه خائف « : ويومها منحكما صاحب الالعاب تحليقة اضافية مجانا جعلتك ترجع كل ما اكلته بذلك المطعم المرتمى كمقدمة السفينة بباطن الارض . . .
وتفاقمت القهقهة فارتشفت قطرة من الشليفوفتسا ونظرت في عينيه : كانت بيضاء ، هادئة ، نصف حالمة - كان صامتا - ونظره واقفا بشفتيه
المنقبضتين مثل شفتى استاذ الادب العربى بجامعة السربون اللتين ما انفرجتا عن اسنانه المنحرفة الى داخل فمه الا عندما اعلنت الاوساط العلمية المحترفة عن وشك اقتحامه ابواب » الكوليج دى فرانس « . ويومها علم كل واحد أنه ، رغم شفتيه المنقبضتين ، لم يبلغ الستينات . وخجلت : لانك تذكرت انك لا تعرفه وعادتك انك لا تبالي بمن لا تعرفه . . فنظرت فى عينيه من جديد وقد انتفخت اكياسهما الجلدية وتجعدت ، ولم تكن قد لاحظت تجعد أكياس عيني أمك الا عندما تخرجت من الاعدادية ، عندما قالت لك : » الآن قد اصبحت رجلا ؟ فلتشق طريقك مثلما تشاء ؟ « وعندها احسست انها تتكلم مثل العقلاء فانتبهت الى تقاسيم وجهها ولاحظت تجعد اكياس عينيها . وقلت لها مطأطأ الرأس : » لقد شرعت فى شق طريقي منذ ان عرفت ان لى أبا وأنه انتقل الى باطن الارض « وعندما استغفرت الله خرجت أنت من المنزل وفي رأسك تتلاطم عبارات أمك . أخذت الطريق .
وقلت له : انك اشتريت هذا الكتاب من المطار . وقد جئت الى يوغسلافيا ولم تقرأ عنها شيئا ما عدا المقالات الصحفية حول سياسة تيتو والمقالات الصحفية حول اشتراكية تيتو والمقالات الصحفية حول بعض المؤلفين اليوغسلافيين البارعين الذين يكتب حولهم النقاد المجندون فى الصحف الاسبوعية ، ولكنك تعرف عنها الكثير ، الكثير تعرف عنها . وانك تفارقها ومعرفتك ازدادت بها وانك ستعود لان يوغسلافيا جميلة وان النساء اليوغسلافيات لهن أنوثة جذابة وان السهرات المطعمة » بالشليفوفتسا « مع الغجر اليوغسليين ممتعة وان العازف على الكمان فى احد مطاعم ضواحي ( زغرب ) كان فعلا رائعا حتى ان صديقتك انقذفت عليه وقبلته قبلة مفرقعة جلبت انتباه كل الحاضرين بينما أخذت أنت زجاجة الكحول ودققت بها الطاولة فاقترب منكما عازف الكمان وأخذ منك ربطة عنقك البيضاء ووضعها على كتفه الايسر فازدادت شواربه السوداء القاتمة نصوعا وراح يغنى لكما أغنية لم تفهم عباراتها الا بعد ان ترجمتها لك صديقتك ، حينما احسست بحزن مفاجئ : كانت الترجمة تشعرك بأنك غريب ، غريب فى يوغسلافيا وفي أى مكان تجهل لغة ساكنيه . وازداد حزنك لانك تعلم الطريق التى شرعت فى شقها منذ أن مات أبوك وانها ستكون أوربا . بين مداخنها ومعالمها وجامعاتها وحاناتها ، بين محاملات عبادها وعنصريتهم ، بين حدائقها وملاهيها . وكانت الاغنية عذبة مثل رحيق صديقتك التى لا بد وانها تذكرت بعد قفزتها على عازف الكمان الفجرى انك عربي وان دم العرب يفور بسرعة مدهشة اذا ما مسح احدهم نظره على
جزء من حسد المرأة المصاحبة لهم ، فعانقتك وعانقتها - لا تذكر بالتحديد من كان المبتدى - عناقا طويلا حتى ان عازف الكمان ذا الشوارب السوداء توقف عن العزف وراح يصفق ويصفق ويصفق فصفق الحاضرون وتوقفتما عن العناق ثم حملتما حسديكما وخرجتما من المطعم مترنحين - وكنت تشعر بأن الحياة في تلك اللحظة حميلة فأعادك ذلك الشعور الى احساسك المستمر بأن الحياة عبث دائم وانت تتصارع والعبث لتضفى على فسيفسائه مضمونا ، مقنعا ، فأعادك صوتها وكانها أحسست باحساسك : انك تكرر على مسامعي كل يوم : » املئى نفسك بحياة اللحظة « ، فمالك تغوص الآن فى غياهب الحيرة ، وهل يسطو التشاؤم على المناضل ؟ ــ وقصدتما الفندق وكانت تردد على مسامعك بصوتها الخيشومى الناعورى الدافئ صوتا لا تدرى أهو من صنعها أم اقترضته من أغنية انجليزية :
وفي الفندق شربتما وشربتما : تلاشت امام عينيك تقاسيم وجهها النحيف الذي لم تبق منه بارزة الا عظام وجنتيها المحمرتين مثل سقوف بيوت حي العمال الهرمية الذى انتشر تحت نافذة شقتك المعلقة بالطابق السابع من » الفندق العالمي « ب ( زغرب)( : نافذة واحدة على حياة زاخرة بمئات المداخن ، مصنع قطع القاطرات والجرارات الطويلة حيث كان يقف ساعات فراغه القصيرة الطويلة يحملق في الدخان المتصاعد منها مثلما يتصاعد دخان سجائره الملولب من خباشيمه : كان يحملق طويلا فيها ، وقليلا ما كان يتكلم . ويلتفت نحوك ببطء حركة وجهه المعهود وكانه نسي انك تقف جنبه ، ثم تعود الى ذاكرته رويدا رويدا كما تعود عدسية آلة التصوير شيئا فشيئا لتلتقط فى لمسة واحدة لوحة كاملة ، وقد جئت من باريس لزيارته وقد احمرت عيناه كما يتقد فرن تكرير الحديد وادمعت كسيل الحديد السائل ويقول لك بيد خشنة فقدت نعومة مراهقته ، تضرب بعنف طاولة الصالون : انك سوف تبقى تعيش فى الخيال ، فى الحلم ؟ وانك لن تقدر على لمس وضعية العامل اذا مانزلت الى المصنع ، تباشر القساوة وتمارس مرارة الحياة ، اما ان تدفأ يوميا بقراءة ماركس
ولينين وسيغي وغيرهم وتتحدث عن اصلاح وضعية العمال بترديدك من حين لآخر : » الا هبوا يا عمال العالم لتتحدوا « وتمليكهم المصانع . . فصوتك لن يسمعه سوى حائط مكتب بل صوتك لن يسمعه سواك اذ كما تقول الوالدة : »وآذان للحائط صاغية « . . . ولم تعجبه يوم ذاك . كنت تحبه كثيرا وترتاح لتوبيخه ارتياحك لتوبيخ ضميرك : فصوته عندك صوت الحقيقة . ألم يسألك ليلة رأس السنة : » أخي هل تحب الحياة ؟ « فاستغربت سؤاله وسرت فى جسدك قشعريرة جليد مدينة باريس وحملقت فيه وقد اختفى نصف وجهه فى عتمة النور الجانبي الذي كان على يساره ، وقلت له : - وهل كنت مقتنعا ـــ » بل أحبها « . فأردف بحقيقته المحيرة : » اما انا فلست ادرى « . وامتص كأس الوسكى الذى كان قد استصبه دفعة واحدة بسرعة القطار الذى كان بعد يومين يحملك لترى جثة أخيك وقد انعم الجليد خشونة بشرتها ، لتشاهد بعينيك قساوة ومرارة حياة العامل ، لتجهز الاوراق الضرورية لاعادة جثمانه الى التراب الوطن ، ذلك الوطن الذى تكلمتها كثيرا فى شأنه . . .
والذى كنتما تتجادلان كثيرا فى شأنه . . .
والذى كنتما تحبانه كثيرا . والذى كنتما تصورانه فى ابهى الحلل . والذى كنتما تقولان عنه دائما : إنكما كلما عدتما اليه أحسستما بالغربة فيه - وتساءلت هل سيفحص الشرطى جواز جثة أخيك عند عودته الى التراب الوطن قبل ان يسمح لها بدخول قاعة المار فتنتظر الجثة ويمر الاجانب غير العرب بهوياتهم أمامها ؟ - وحملت جثمانه وبكيت : بكيته حتى لا تبكى التراد الوطن . وبكيت على انفراد ساعات الليل وساعات النهار ومنذ فارقك الوهم . وبكيت لا لانك تحمل جثمانه بل لانك لا تريد ان تراه بعد فى قبره : فوجهه الملطخ بالدم المزرورق ويده الكبيرة بأصابعها الملتوية الماسكة لباسه بصرامة ورجله اليمنى المهشمة تناشدك : » أخي هل تحب الحياة ؟ وانت أجير بمصنع صنع قطع القاطرات والجرارات ؟ هل تحب الحياة التى تشع شمسها دخانا صبيحة كل يوم صقيع ويتلألأ قمرها ضبابا ملوثا مساء كل ليلة جليدية ؟ . « ويتوارد اليك صوته مثل الصدى ويمسك رأسك الصداع بضرب بمطارقه ، وبعد لم ترغب مثله البقاء بأرض الوطن التى عاد هو اليها فتركتها انت واخذت تجوب بلاد العباد لا تعرف الاستقرار . . . واصبحت تشعر ان الارض ارضك اينما وجدت واصبحت تخشى - فى كل ارض - أن يوجد لك أخ يصيبه ما أصاب العامل الاجير فى مصنع صنع قطع القاطرات والجرارات واصبحت تخشى الصداقة مثلما ترهبك الوحدة . . .
وتوقف الشريط ايضا ودفن فى هذا الظلام صوت الربابة الجارح . فاجتاحك صمت شرقي » أريد « ( 1 ) رغم قطرات المطر التى لم تدرك كيف جاءت بعيد ساعات من الحر كانت قد اضنكت عيونك . كنت احسست بتعد شديد بعد ان القيت محاضرة المساء فغمرتك السعادة عندما اشارت اليك بزيارة بعض الاصدقاء . ولم تنتبه للطريق التى جرفت سيارتها الهادئة . لم نكن تفكر فى شىء سوى ان تقبل يدها . . .
خلو الشقة من غيرك كان يتابعك كلما عزمت على الرجوع اليها . . . ومارست عيناك الظلمة فاستقرت على الاطار الفضى الذى يحمي صورة ابنتك ، وهي تنظر اليك وتسألك عن سبب جلوسك وحدك فى ركن الاريكة وقد ضاع قطها الاسود الملازم لها فى العتمة . تحب هذه الصورة العتمة . تحب هذه الصور كثيرا مثلما تحب صورة ابنتك المتكئة جنب سريرك التى تلقي نظرة سريعة طويلة عليها كلما اوسدت رأسك وفتشت عن القط الاسود مثلما فتشت يدك عن كأس الوسكى : كأس واحدة تفعل فيك فعلها ، لم تكن تستسيغ مذاقه خاصة عندما كنت تقطن فرنسا . . . ومنذ اصبحت تأنس للكأس الواحدة ، اذ دونها لتقلبت فى سريرك المرار تلو المرار . . . ونظرت فيها مفتشا عن القط الاسود فقد التقطته وابنتك وكانت الشمس فى قطر السماء وزرقة بحر حزيرتك كزرقة الادرياتيك تحت جذوع النخيل النائمة تبعث فيك ذكرى قصة عرائس البحر اللآتي أنقذن عازف القيثارة الذهبية : قرأتها وكنت في الصف الثاني بالمدرسة الابتدائية وقرأتها من جديد - كم من مرة ؟ المرار : لا تذكر بالتأكيد بل كلما وقع الكتيب بين يديك : وما ان ولدت ابنتك حتى اشتربته ووضعته بين كتبك التى لم تقرأها بأجمعها ، وما إن بلغت العامين حتى اخذتها الى سريرك وقرأت على مسامعها المنتبهة قصة عرائس البحر وصاحب القيثارة ؟ وبيدها الصغيرة الناعمة تلك اليد التى اسقطت من وجهك نظارتيك مئات المرات ، اقتلعت منك الكتيب وقالت : » خرف من رأسك لا من الكتاب . . . « وطيلة سنة كاملة ، بتلك الغرفة الصغيرة المطلبة بالطلاء الوردى المعلقة بالطابق الثاني عشر المطلة على نهر السين الملوث يقاذورات المدينة العتيقك والسمك الجيفة والمواد الكيمياوية التى تفرزها شركة رينو لصنع السيارات ، رويت لها الاقاصيص : كنت تعمد الى تطويع بعض الاقاصيص العربية للأطفال فتنام ابنتك قبل ان تنتهى القصة . وكنت تقص عليها قصص
الكاوبوى » التى خلقتها خلقا « ؛ » الكاوبوى الذى يشق المحيط الاطلسي على ظهر حصانه « ، » الكاوبوى الجائع الذى يتسلق جبال الهيملايا على ظهر حصانه « ، » الكاوبوى الجائع الذى يفتش عن الذهب فى بحيرات هاجوج وماجوح « ؛ » الكاوبوى الجائع . . . الجائع . . . « ، وكلما انتهيت من تخريف قصة من أقاصيص الكاوبوى حتى تطالبك بالحاح إما باعادتها أو بتخريف قصة كاوبوى ثانية . وعندما عادت يوما من روضة الاطفال قائلة لك : بابا أنا لست عربية « سألتها عن السب فأجابت : » لانني فرنسية « فسألتها : و » بابا « اجابت : » وأنت كذلك فرنسى لانك مثلى تتكلم الفرنسية « و » الكاوبوى كذلك فر نسي « ؛ أدركت يومها وجوب تعريب ابنتك فأخذتها الى بلدك فخاطبوها بالفرنسية وعدت وإياها الى فرنسا . . . وقصدت سبيلك . . .
وبحركة آلية ضغطت على زر الاضاءة الجانبية . . . لقد انقطع الكهرباء منذ حين وانقسم أثاث البيت انصافا ، سوى » دشداشتك « البيضاء المستوردة من الصين الديمقراطية ، مثل الاحياء الموتى فى لوحة بيكاسو » جرنيكا « التى انفردت بمكتبك المعلق بالطابق الثاني عشر المطل على نهر السين الملوث والتي كنت تديم الحملقة فيها لتفهم - دون جدوى - كيف توصل الرسام الشهير الى بث الاضاءة النصفية على الاحياء الموتى وقد تهشم الفانوس الذي يتوسطها ؟ ولم تفهم . . . الى ان أشارت عليك زوجتك بأن الاضاءة تأتى من ثقب متوسط الحجم يتوسط جدار البيت . ويومها تساءلت ان انت قادر على ادراك النور : بل ادراك مأتاه . .
وتحركت يدك المرتعشة نحو المائدة فتعجبت من شكلها الجديد فى هذه الظلمة - هل هي فعلا يدك ؟ فارتمت على علبة السجائر فعلبة الكبريت ، وأشعلت عودا . . . واندفع صوت النورى مساوقا دوزنة الربابة المتألمة :
» اخ . . آخ . . يا ريم يا التى بنجد خذني على حجازك . . . « .

