الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

رحلة، الظهران والأحساء

Share

بدء الرحلة

على متن الطائرة السعودية النفاثة : ( ديسناين ) وفى صبيحة يوم الاثنين ٢٠ صفر ١٣٩٠ ه الموافق ٢٧ ابريل ١٩٧٠ م غادر الوفد الأدبى الصحفى المؤلف من ثلاثتنا - مطار الرياض ، صوب الظهران . . وكانت هذه الرحلة الثانية ، بدعوة من شركة الزيت العربية الامريكية ، لزيارة مرافقها ، وللوقوف على معالم النهضة الشاملة فى هذه المنطقة البترولية . .

واعتلت بنا الطائرة كثيرا حتى ما نكاد نشاهد الارض من تحتنا . . لقد سمرت أبصارنا برؤوس السحاب وجباله البيضاء المتحركة من تحتنا حركات عكسية بالنسبة لاتجاه الطائرة . .

وبعد عشرين دقيقة بدأت الطائرة المحلقة فى الهبوط تدريجيا ، فأذنا - بضم الهمزة - بأن (( نربط الأحزمة )) استعدادا للنزول الى مطار الظهران . .

في مطار الظهران

وفى المطار الذى يعتبر من أهم مطارات العالم ومن أحدثها بناءا وطرازا قابل الوفد ، أخوان كرام أوفدت جلهم الشركة المضيفة ، وجاء بعضهم من تلقاء أنفسهم لرؤية أخوان لهم فى المنطقة الغربية من المملكة الفيحاء .

كان هؤلاء الاخوان مع حفظ الالقاب : مصطفى حسن الخان مدير ادارة العلاقات العامة للشركة ، وفهمى بصراوى رئيس عام قسم الشؤون العامة والخدمات ، ومنصور مدني رئيس تحرير مجلة قافلة الزيت الشهرية ، ومحمد عارف يونس ممثل العلاقات الصحفية بأرامكو . . وعلي قناديلي . هؤلاء عن الشركة . . وأفضل بالحضور الى المطار الاستاذان : عبد المنان ترجمان عميد كلية البترول والمعادن بالنيابة ، وعلي التركي مدير جمرك مطار الظهران . . ثم امتطينا احدى السيارات التى يمتطونها صوب كلية البترول والمعادن بالظهران رأسا بعدما زودونا ببرنامج مكتوب لمراحل رحلتنا . . من الألف الى الياء . .

في كلية البترول والمعادن

وطبقا للبرنامج المقرر من قبل الشركة المضيفة . . كان أول ما قمنا به بعد أن وطئت أقدامنا أرض مطار الظهران ان اتجهنا الى كلية البترول والمعادن زائرين مستطلعين . . تلك الكلية التى تعتبر احدى دعائم النهوض المرموقة ببلادنا . . والتى تحدث عنها جلالة القائد الرائد . . فى عام ١٣٨٤ ه - ١٩٦٦ م فقال (( أيها الاخوة : كان هذا المعهد حلما من

أحلامنا قبل عدة سنوات . حيث كنا ننظر الى ما حولنا فنجد أنفسنا صامتين مبهوتين . ليس فى امكاننا أن نجارى غيرنا ، وأن نضارع الامم الاخرى فى سبيل النهضة والحياة . . ولكن الله سبحانه وتعالى سهل السبيل ، ومهد الصعاب التى تعترض الطريق ، فوجد هذا المعهد فى فترة لا تتجاوز السنتين . وفى اعتقادى ان هذه مدة

قياسية اذا نظرنا الى ما كنا عليه قبل سنتين ، وما نحن عليه الآن )) . .

جولة في الكلية الجامعة

والمرء الذى يشاهد الكلية من كثب ويطلع على مبناها ومغزاها ، ويتمثل اهدافها يقرر بلا مرية أنها جامعة فى كلية . . لا كلية فى جامعة . . أو كلية من جامعة . .

فهى تحوى ثلاث كليات : كلية العلوم الهندسية ، وكلية الهندسية التطبيقية ، وكلية العلوم . .

كلية العلوم الهندسية تمنح المتخرج بها شهادة بكالوريوس فى العلوم الهندسية ، فى الهندسة الكيمائية ، أو فى الهندسة المدنية ، أو فى الهندسة الكهربائية ، أو فى الهندسة الميكانيكية .

وكلية الهندسة التطبيقية تنيل الطالب شهادة بكالوريوس فى الهندسة التطبيقية فى أحد هذه الفروع : الهندسة الكيمائية ، الهندسة المدنية ، الهندسة الكهربائية ، الهندسة الميكانيكية .

وكلية العلوم يحمل منها الطالب شهادة بكالوريوس علوم فى الكيمياء ، أو الرياضيات أو الفيزياء أو الجيولوجيا . .

وفى وسع الطالب ان ينتقل من كلية الى أخرى ، فى مراحل معينة من دراسته . .

وللكلية رئيس مجلس ادارة هو وزير البترول والثروة المعدنية ، وأعضاء هذا المجلس عددهم عشرة ، منهم مقيمون ، ومنهم غير مقيمين . وعدد طلابها ( ٤٨٦ ) طالبا ، من جنسيات مختلفة ، بينهم ( ٤٣١ ) طالبا سعوديا . . وعدد مدرسيها ٦٠ بينهم سبعة من المملكة . وفيها ٣٣ معيدا . والتعليم كله مجانى . . وعلاوة على ذلك يتقاضى الطالب ( ٣٥٠ ) ريالا سعوديا فى الشهر مع طعام مخفض السعر فى مطعم الكلية ، الى عناية طبية اساسية ، ومسكن مجانى ، وكتب دراسية مجانية أيضا .

وهناك شروط معينة مدونة لقبول الطالب بالكلية .

موقع الكلية ومبانيها في الظهران

وقد أحسن اختيار موقع الكلية . . فانشئت مبانيها الضخمة خلف جبل أبيض صغير ممتد وراءها من الغرب الى الشمال الى جزء من الشرق ، وذلك لكي يحمى ظهرها من هجمات العواصف الرملية الموسمية الشديدة فى هذه المنطقة .

وللكلية ملاعب منظمة وميادين واسعة . ومبانيها من اضخم المبانى وأجملها . . فى كل شئ . . ولقد اكتظت بالأجهزة العلمية الكبيرة والدقيقة . . حتى مولد الماء الحلو موجود بها . . وكان دليل جولتنا فى أنحائها هو عبد الرحمن الجعفرى ، الذى هو من بيت الطيار الذى ينتمى اليه آل الطيار فى المدينة المنورة .

دروس الكلية

وتلقى دروس الكلية كأية كلية حديثة ممتازة فى العالم ، بشكل دروس أو محاضرات . . وقد رأينا بعض الأساتيذ واقفين أمام السبورات والتلاميذ يتأملون وينقلون فى دفاترهم بدقة ما يكتبه لهم أستاذهم بالطباشير ، ويستمعون فى ملاحظة واعية الى ما يشرحه لهم من العلوم ، باللغة الانكليزية . . وفائدة ذلك أن يقفوا مباشرة وبصورة مستديمة حاضرا ومستقبلا على دقائق هذه العلوم الحديثة ، باللغة التى وضعت فيها مؤلفاتها قبل أية لغة اخرى ونرجو أن تصل لغتنا العربية الفصحى عما قريب الى هذا المستوى فى الاحاطة بدقائق مصطلحات العلوم التقنية حتى تدرس بها . . فتكون لشبابنا عندئذ الفائدة مزدوجة . . وشاملة .

رئيس تحرير (( قافلة الزيت )) الشهرية فالاستاذ ضياء الدين رجب ، فعبد القدوس الانصارى ، فالاستاذ على حافظ ، فالسيد ابراهيم عطاس ، رئيس الغرفة التجارية الصناعية بالدمام

في بيت الضيافة

وبعد انتهاء جولتنا فى الكلية التى استغرقت ساعة وبعض الساعة دلفنا الى (( بيت الضيافة )) الذى خصصته لنا الشركة المضيفة . . وكنا متعبين من السفر ومن التجول معا . . فغسلنا وجوهنا وأخذنا دشا باردا كما يقولون . . وغيرنا ملابسنا وأخذنا قسطا طيبا من الراحة والاستجمام ، ثم أذننا - بضم الهمزة وكسر الذال - بحضور طعام الغداء ، فقد قدم كل من : مصطفى حسن الخان ، وفهمى بصراوى ، وأحمد رشيد . وتناولنا معهم ما لذ وطاب ، ودارت أحاديث متشعبة حول نهضة المنطقة وتطورها . . وحول آثارها وتاريخها . . ثم أسلمنا أجفاننا لنوم خفيف مريح . .

الى مصنع سافكو

وعلى ضوء البرنامج المقرر انطلقنا الى

مصنع (( سافكو )) للسماد الكيماوى الحديث . .

ومصنع سافكو هذا يقوم بين الظهران والخبر . . وشركة سافكو شركة مساهمة سعودية رأس مالها ( ١٠٠ ) مليون ريال سعودى .

وقد تجولنا فى المصنع وكان معنا مديره العام ومدير علاقاته ، وأطلعانا على دقائقه وأسرار عمله وانتاجه وتخزينه وتحميله وتسويقه .

وقد نمي الينا انه صدر منه الى ايران فى يوم ١٢ صفر ١٣٩٠ ه شحنة تتمثل فى ٥٠ الف كيس ، أى ٢٥٠٠ طن . . ثم صدرت شحنة منه ثانية الى ايران أيضا ، مقدارها ثلاثة آلاف طن ، أى ٦٠ الف كيس .

أما التسويق فتلتزم به الشركة العالمية : ( انترناشنال أورند فيرتيلايزرز ) بموجب ترتيب متفق عليه .

وقد وصف لنا ألكسندر ، المهندس الكيماوى الامريكى المتعاقد مع الشركة . الكيفية التى بها تسمد الاراضى والحقول الزراعية بهذا السماد المخصب الشديد الفعالية والاخصاب . . فقال : (( قبل كل شئ يؤخذ رأي المهندس الزراعى المحلي فى تسميد ما يراد تسميده بهذا السماد . .

وكيفية التسميد هى : اما برش السماد المذكور على الارض المزروعة ، بأجهزة فنية معلومة أو بالقائه عليها ممزوجا بالماء الذى يسقى الأرض المزروعة ، ويواظب بعد ذلك على سقيها يوميا الى نحو عشرة أيام . . وكل كيلو غرام واحد يسمد به مائة وخمسون مترا مربعا )) .

هذا وتنبعث الرائحة الشديدة من النشادر الذى يملأ الجو ، بأنحاء المصنع حتى اننا لقد كنا عزمنا على مشاهدة برج المراقبة فلم نتمكن من ذلك . . لقد غلبتنا دونه رائحة النشادر القوية المنبعثة من كل جوانب المصنع ، وحالت دون وصولنا الى ما نريد .

الى الخبر فالدمام

من المصنع اتجهنا الى مدينة الخبر القريبة منا . . وذهبنا الى بعض مكتباتها ودخلناها وفتشنا عن بعض الكتب التى تختص بتاريخ هذه المنطقة ، فلم نجد ما نبتغى . وتجولنا بالسيارة وعلى الاقدام فى بعض الشوارع ، ومن ثم عدنا الى المنزل ، وبعضنا ذهب الى بعض أصدقائه أو أقاربه .

في بيت الضيافة أيضا . .

ولقد مكثنا فى بيت الضيافة حتى آن وقت العشاء . . فتناولناه . وبيت الضيافة يجمع بين الذوق العربى الجميل ، والذوق الامريكى الحديث . . وكل ذلك قد نسق ورتب له ( ديكور ) جذاب . . فى الاضاءة . وفى المناضد ، وفى الحوائط الداخلية البيت ، وفى الزهريات ، وفى كل شئ . .  كل شئ منسق هنا .

وكنا بصحبة السيدين اسماعيل نواب وعبد الحافظ كمال العالم التاريخى والاثرى

بالمنطقة الشرقية والخليج العربى . . وقد دار حديث على مائدة العشاء حول القائه محاضرة فى جامعة الملك عبد العزيز الاهلية بجدة عن تاريخ هذه المنطقة القديم . .

وقد تحدثت بالفكرة الى عميد الجامعة بالنيابة الدكتور أحمد علي ، فرحب بدوره بالفكرة ورأى انه بمناسبة حلول موسم عطلة الجامعة الحالية بعد انتهاء الاختبارات فيكون القاء المحاضرة بها من قبل الاستاذ عبدالحافظ كمال فى شهر شعبان القادم . .

هذا وقد حظينا بزيارة سمو الأمير عبد المحسن آل جلوى ، أمير المنطقة الشرقية . . ودارت مع سموه أحاديث حول تقدم أوضاع المنطقة مما سيعود عليها وعلى البلاد بخير عميم ان شاء الله .

رحلة الاحساء

وكان برنامجنا فى اليوم الثاني ان نشد الرحال الى الاحساء ، فى الصباح المبكر . . فالاحساء بعيدة عن الظهران ، وبينهما صحراء مترامية الاطراف . ولولا هذا العملاق الاسود الممدود فوق هذه الرمال الناعمة ، لما امكن ان نصل الى الاحساء ونعود منها الى الظهران فى يوم واحد ، ولكنها نعمة الله علينا بالاسفلت أحد مشتقات النفط المستخرج من هذه المنطقة الجرداء . . التى جمعت بين الضدين : التجرد ، والتجدد . .

وكان رواد الرحلة كل من السادة : على قناديلي ، وحمد الرشيد . وفيصل رويحة .

وقد مضت بنا السيارات . . وكانت ممتدة الى جانبنا عمالقة أنابيب النفط

ينساب فيها الى حيث يراد أن يكون مصبه . وهناك تلال جرداء من الرمل الابيض الناعم . يقوم على جوانب الطريق مصطفة من هنا وهنا . . وهناك شجيرات برية وصحراوية متناثرة بسبب وهج الشمس والحر والظمأ والبعد عن بعض .

وطال الطريق ، ولكننا اختصرناه بالأحاديث والقصص والطرائف ، وبسماع المذياع . . المثبت فى مقدم السيارة . .

ثم دخلنا مشارف الاحساء . ودخلنا بيت الشركة الذى يقيم فيه ممثلها فى هذه الناحية . . وكنا ساعة وصولنا ظماءا ، فشربنا ماءا باردا مثلجا . . وأرسل (( المكيف )) الينا نسيما باردا كاد يرسل الى عيوننا سنة من نوم معسول . .

ثم استأنفنا المسيرة من جديد ، الى مصنع الشركة المتعهدة بمشروع الري والصرف . ودخلناه

فاذا هو شبه مدينة صغيرة . أو خلية نحل ، وبه مكاتب مفتحة جانبية . . وجاءنا المدير مرحبا . . وهذه الشركة هى شركة ( فيلب هولزمن PHILPP HOLZMANN ) الالمانية المتعاقدة مع الحكومة فى تنفيذ المشروع الحيوى الهام الكبير : مشروع الري والصرف فى الاحساء . .

والاحساء بلد ( مائى ) يكاد يغرفه الماء ، وطالما عانى منه صحيا وزراعيا اذ تتكور قية المستنقعات الدائمة خاصة بعد فصل الامطار . . فيتولد منه بعوض البرداء ( الملاريا ) الناقل لحمى الملاريا . . ويغرق الماء المزارع ويطفو عليها . . فتسوء صحة النخيل والاشجار والخضراوات بالماء الراكد الوفير ، وبالماء المتسرب الكثير . والنبات والاشجار فيها من الحياة ما يتأثر بالعوامل المختلفة . . كالانسان والحيوان تماما . . وقد أرادت الحكومة أن ترفع هذا الضرر

العام . وان يحل محله نفع عام . . فقررت تنفيذ مشروع الري والصرف . . وأناطته بشركة ألمانية .

ومشروع الري والصرف . . أحد المشروعات الجبارة التى احتضنتها الحكومة . ولم تبال - فى سبيل اسعاد المواطنين وتقدم الوطن - بصرف ملايين الريالات لتحقيقه وانجازه .

والآن لندع الحديث عن هذا المشروع الجبار لمفكرتى الصغيرة التى كنت دونت فيها مشاهداتى ومروياتى اذ ذاك :

* بدئ فى المشروع بسنة ١٩٦٧ م الموافقة لسنة ١٣٨٦-١٣٨٧ ه .

* صرفت عليه الحكومة الى شهر مارس ١٩٧٠ م - ١٣٩٠ ه مبلغ ( ١٦٣ ) مليون

ريال عربى سعودى . * عند نهايته ستبلغ تكاليفه العامة ( ٢٢٠ ) مليون ريال .

* مشروع الري عبارة عن قنوات تمد فى الارض مدا فنيا متماسكا . . وتحمل القنوات المصبوبة من الاسمنت ، المياه الصالحة المصلحة لازرع الى الحدائق فتروبها وتصلح من شأنها ، وتكثر من انتاجها . . ومشروع الصرف سيحمل المياه الفاسدة المفسدة من المزارع لينقلها الى الخارج بعيدا عن المدن . فاما أن يفيض فى البرارى والقفار فتتخلص المزارع والمدن من اذا ان يتسرب الى البحر فيفيض فيه ويذوب كما يذوب الملح فى الماء . . وقوام هذا المشروع قنوات ترابية متماسكة . وشاهدت استصلاح المشروع لأراض

شاسعة واسعة ، هيئت للزراعة ، وكانت أرضا بورا .

* شاهدت بعض القنوات تنقل فى جوفها المياه الفاسدة الى مكان بعيد من الصحارى المجاورة . .

* جفت البساتين التى كانت غارقة فى المياه الفاسدة ، وخلت من هذه المياه ( المخربة ) . . ويعود اليوم اليها نشاط الحياة . وحيوية النشاط . . من جديد . .

* أسست الشركة المقاومة مصنع قنوات فى الاحساء نفسها . . فسهل ذلك قيام المشروع .

* هناك خزان ماء كبير جدا مرتفع يرتفع اليه ماء الري بالضخ ، ليفيض على قنوات الري تحته . .

* صعدت على بناء حديث مرتفع ، وأشرفت منه على الخبت الأجرد الواسع الذى سيرتفع اليه ماء المشروع الصالح المصلح فيزرع ويثمر ان شاء الله خير الثمار .

* بنت الشركة المتعهدة شبكة من القنوات بحسب الحاجة والفن .

* تعهدت الشركة المقاولة بصيانة خطوط القنوات لمدة عامين . وستدرب الشركة أبناء  الاحساء على أعمال الصيانة .

* روعي فى قسمى هذا المشروع ( التوازن ) ، بحيث مدت الانابيب مدا فنيا منظما . . فلا يطغى الماء الصالح فيها على الحقول فيضرها ، ولا تتجمع المياه الفاسدة المالحة على المزارع فتتلفها . . وهكذا تروى المزارع بما يكفيها من صالح المياه . . و ( يخلى طرفها ) مما يؤذيها من فاسد المياه . .

* يروى من المزارع حاليا ( ٢٥ ) ألف فدان . . وغدا سيتضاعف ( المروي ) فيصبح ( ٧٠ ) ألف فدان . . ان شاء الله .

* قدر لبقاء هذه القنوات ما بين ( ٥٠ ) عاما الى ( ١٠٠ ) عام .

* من السهل تغييرها بما يماثلها من المنتج فى هذه البلاد اذا اعتراها تآكل أو صدم أو خراب .

* وقفت على عين الخدود ، جمع ( خد ) . . وقد وصفها محمد بن عبد الله آل عبد القادر الانصارى الاحسائى فى كتابه : ( تحفة المستفيد بتاريخ الاحساء فى القديم والجديد ) فقال : (( عين الخدود : قديمة العهد . . قال فى (( القاموس : خدد على وزن صرد ، عين بهجر . وسميت خدودا لخدها الارض (١) . يزيد عرض مجراها على عشرين مترا . وقدر بعض الخبراء انها تخرج فى الدقيقة الواحدة ، ثلاثين ألف جالون ، ويتفرع منها خمسة أنهار : النقبة - بضم النون - ، جر النهرين ، وينقسم الى قسمين : جر ظويغط ، وجر بنى نحو . . وبنو نحو من اياد ، جر حديد . جر العباسية ، نهر الجازى )) ( ٢ ) .

* بركة عين الخدود التى فيها منبع العين كما شاهدتها . . قريبة الشكل من المثلث . . وقد رأينا الماء ينبع من قلب هذه العين ، والمنبع يميل الى الغرب قليلا فى داخل البركة وقد وقف فوقه سباح ماهر وانا أراه . .

* هذه العين تسقي أربعة آلاف هتكار . قال لى هذا القول المهندس الالمانى ( سبيكرمان ) . والهكتار الواحد ألف متر مربع . .

* أرانا حمد الرشيد من بعيد أرض بلدة ( جواثى ) الأثرية المشهورة فى الجاهلية والاسلام . . وهى بضم الجيم الموحدة التحتية ، وتخفيف الواو وفتحها بعدها ألف فثاء مثلثة فألف تقصر وتمد . .

وقد وصفها مؤرخ الاحساء : محمد بن عبد الله آل عبد القادر الانصارى ، فى كتابه (( تحفة المستفيد )) فقال عنها : انها (( مدينة لعبد القيس بهجر ، كثيرة الزروع والنخيل . . قال أبو تمام :

زالت بعينيك الحمول كأنها

نخل مواقر من نخيل جواثى

ولما أسلم بنو عبد القيس ، بنوا فيها مسجدا وصلوا فيه الجمعة ، وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة ، بعد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . . قال الامام البخارى رحمه الله فى صحيحه : ( باب حكم الجمعة فى القرى والمدن ) حدثنا محمد بن المثنى ، عن أبى جمرة ، عن عبد الله بن عباسى رضى الله عنهما قال : أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله ( ص ) فى مسجد عبد القيس بجواثى . . وبذلك يفتخر بنو عبد القيس فيقول شاعرهم :

والمسجد الثالث الشرق الشرقى كان لنا

والمنبران وفصل القول فى الخطب

ايام لا مسجد للناس نعرفه

الا بطيبة والمحجوج ذو الحجب

وبعدما أورد المؤلف ما سبق ، علق عليه بقوله : (( قلت : لم يزل موضع هذه المدينة موجودا والمسجد كذلك ، وهى شرقى الكلابية . . ثم علق على ذلك المشرف على طبع الكتاب وتحقيقه : الاستاذ حمد الجاسر بقوله : (( بمسافة مسيرة ساعة ونصف على القدم تقريبا . ولم يبق من آثار ( جواثى ) سوى أطلال المسجد وفوهة العين ، وقد تراكمت فى الموضع الرمال ، حتى أخفت معالم القرية ، ويقع المسجد فى وسط سكان القرية ، ولم يبق من آثاره سوى شرذمة من جداره القبلي ، وخمس أساطين من رواقيه : الثانى والثالث فى الجهة الجنوبية . وقد غطت الرمال كثيرا من الباقى من آثاره , وبناؤه بالحجارة والطين واللبن ، ومبلط بالنورة تبليطا أحدث من البناء )) (٣) .

ويقول راقم هذه السطور تعليقا على ما سبق من تاريخ بلدة ( جواثى ) : ان جواثى

هذه كانت معروفة فى زمن الجاهلية القريبة من صدر الاسلام بدليل قول امرئ القيس أمير شعراء الجاهلية :

نمش بأعراف الجياد أكفنا

اذا نحن قمنا عن شواء مهضب

ورحنا كأنا من (( جواثى )) عشية

نعالي النعاج بين عدل ومحقب

وقد شرح البكرى ، صاحب (( معجم ما استعجم )) البيت الثانى المذكورة فيه جواثى - بقوله : ( يريد - أى امرؤ القيس - كأنا من تجار جواثى ، لكثرة ما معهم من الصيد . . ثم فسر هذا التفسير بقوله : ( أراد كثرة أمتعة تجار جواثى ) ( ٤ ) . . وهذا يدل على أمرين أحدهما : وجود جواثى كبلدة تجارية مقصودة من قبل تجار العرب فى الجاهلية لما عرفت به من كثرة الربح ، لكثرة تجارتها وكثرة ورود التجار اليها وصدورهم منها . . وهذا بطبعه يدل على مدى التقدم الاقتصادى

الموجود فى جواثى فى الجاهلية القريبة من صدر الاسلام التى يمثل امرؤ القيس امارة شعرائها . .

والآن أصبحت جواثى أثرا بعد عين . . وهذه حالة الدنيا . . تقدم وتأخر وتخلف فتقدم ، وعمران وخراب ، وخراب فعمان . ولله فى خلقه شؤون . وقد ذهبنا الى بلدة (( الكوت )) القديمة ذات المبانى القديمة والسور المتهدم الذى لا تزال بعض أبراجه الطينية المستديرة المخروطية باقية الى اليوم . . ومن هذا السور دخلت جيوش الملك عبد العزيز . وبعض أبراجه التى شاهدت هذا الدخول قيل لنا انها هدمت فى مشروع توسعة (( الكوت )) وقد أخذنا صورة لبرج منها . . كما أخذنا صورة للاستاذ علي حافظ وللسيد حمد الرشيد وصورة لى . أمام باب وعقود من ذلك البلد القديم .

* فى مساء يوم الثلاثاء ٢١ صفر ١٣٩٠ ه - ٢٨ ابريل ١٩٧٠ م أقامت الشركة حفلة

عشاء للوفد ، فى بيت الضيافة حضرها المستر جيمس نايت ، نائب رئيس الشركة للعلاقات العامة ، ورجال من الشركة ومن وزارة الاعلام والصحافة : لقمان يونس ، وحسن المطرودى مدير تحرير جريدة (( اليوم )) التى تصدر بالدمام .

برنامج يوم الاربعاء

كان برنامج هذا اليوم كسابقيه حافلا بالمشاهدات والرحلات . . فبعد أن تناولنا الافطار فى بيت الضيافة مباشرة تهيأنا للحركة . . فزرنا فى مدينة الظهران مبنى ادارة الشركة ومكتبة الأبحاث العامة التابعة لها . وقد عرض لى أن ألم ببعض محتوياتها . . واسترعى نظرى ثلاثة كتب فى خزائنها العامرة ، هى : كتاب الطيور للواء عبدالله النجومى . وفجر السكة العربية ، للدكتور عبد الرحمن فهمى محمد ، ويقع فى ثلاثة مجلدات ضخام . . والمستقصى فى أمثال العرب ، للزمخشرى طبع حيدر أباد دكن .

ثم اتجهنا الى الامام لمشاهدة ميناء الملك عبد العزيز البحرى . . وها أنا أنقل أيضا من دفتر مذكراتى

الصغير ما كنت دونته فيه عن هذه الرحلة : * وقفت بنا سيارتنا فى براح مخصص لوقوف السيارات فى الميناء .

* دخلنا مكتب مدير ادارة الميناء . . علي الناصر الغصن .

* شاهدت من كثب كيف تنقل البضائع من البواخر الراسية على رصيف الميناء الى أماكنها بالمخازن - نقلا آليا منظما وسريعا . والمخازن هناك محكمة البناء . . فلا منفذ فيها لمطر غزير أو لسيول جوارف أو لموجات طاغية من أعاصير الرمال . . وهى عالية السقوف واسعة ونظيفة ولها تهوية كافية . وقد دخلت أحد هذه المخازن فاذا كل تاجر يعرف موضع بضائعه المخصص له من المخزن المقرر له .

* دخلنا رصيف السكة الحديدية والعمل فى بناء حاجز الامواج قائم على قدم وساق . . وها هى ذى السيارات الكبيرة تنقل الصخور وتأتى بها وتلقيها فى أماكن معينة من البحر الى جانب الرصيف ، ليشاد فوقها الحاجز الجديد .

* تفرغ البواخر فى هذا الميناء نحو ٧٠ ألف طن فى كل شهر .

من اليمين : الاستاذ الياس منصور بيما أمين مكتبة الابحاث العربية فى أرامكو ، فالاستاذ               عبد القدوس الانصارى ، فالاستاذ مصطفى حسن الخان ، مدير ادارة العلاقات العامة بأرامكو ، فالاستاذ               ضياء الدين رجب ، فالاستاذ منصور مدنى رئيس تحرير (( قافلة الزيت )) الشهرية ، فالاستاذ              علي حافظ ، فالاستاذ عبدالحافظ كمال من قسم الأبحاث العربية بأرامكو ، فالاستاذ حمد الرشيد               مساعد ممثل العلاقات العامة بأرامكو .

الى رأس تنورة

كان منتهى هذه الرحلة الى الشرق مدينة رأس تنورة الرابضة على ساحل الخليج العربى شرقى المملكة . .

وها أنا انقل من المفكرة الخاصة أيضا ما يلي :

* دخلنا مكتب مراقبة الزوار فى رأس تنورة ومعنا رجال من الشركة . . * قمنا بجولة ناجحة فى معمل التكرير ، وفى فرض الشحن برأس تنورة ، وشاهدنا كيف ينقل الذهب الاسود ضخا الى الناقلات الضخمة والمتوسطة فى أنابيبه الضخمة المتصلة بصهاريجه

الكبرى . * لمعمل التكرير من الخزانات نحو ( ١٦٠ ) خزانا تتراوح سعة كل منها بين ( ٥٠٠٠ ) و ( ١٨٠٠٠٠٠ ) برميل ، وتبلغ سعة جميع الخزانات ما يقرب من ( ٦٠٠٠٠٠٠ ) برميل من الزيت الخام والمنتجات المكررة ومختلف أنواع الزيوت والماء .

* برأس تنورة محطة لتوليد الكهرباء ، وفيها ستة مراجل طاقتها الاجمالية ( ١٤٢٨٠٠٠ ) رطل من البخار . * هناك منشات لمعالجة مياه الآبار وازالة عسرها ، وأخرى لتزويد الهواء

المضغوط ، وأخرى لضخ المياه المالحة من الخليج لأغراض التبريد . . الخ .

* أما فرضة الشحن : شحن النفط فهى على بعد نحو ( ١١ ) كيلومترا من معمل التكرير .

* بلغ مجموع البواخر التى حملت فى رأس تنورة ( ٢٦٩٤ ) باخرة . . *  فى الفرضة نحو ( ٨٨ ) خزانا تتراوح سعة الواحد عنها بين ١٠0٠ و ٥٠٠٠٠٠ برميل ، ويبلغ مجموع سعتها ( ١٤٨٠٠٠٠٠ ) برميل . وأعمال التوسعة مستمرة .

* يصدر من الفرضة ثلاثة أصناف من الزيت الخام : العربى الثقيل الذى يستخرج من حقل مغمور فى السفانية ، يبعد نحو ( ٢٤٠ ) كيلومترا الى الشمال من رأس تنورة . والخام العربى الخفيف الذى يستخرج من مناطق الانتاج الرئيسية على اليابسة ، والخام العربى المتوسط الذى يستخرج من حقلي القطيف والخرسانية على اليابسة ، ومن حقل ابو سعفة المغمور .

* تصدر أنواع عديدة من المنتجات المكررة ، تشتمل على ثلاثة أصناف من نفط السيارات ، وصنفين من نفط الطائرات ، والكيروسين ووقود الطائرات النفاثة ، وستة أصناف من زيت الوقود ، وصنفين من غاز النفط السائل .

* تعتبر رأس تنورة من أكبر موانئ الزيت فى العالم .

* بلغ مجموع ما شحن منها ، من الزيت الخام والمنتجات المكررة حتى سنة ١٩٦٧ - ( ٥/٥ بلايين من البراميل ) . دخلنا مكتب ممثل علاقات ارامكو فى رأس تنورة ( حمد الدريعى ) مع منصور مدنى ، ومحمد سعيد العلي ، وحمد الرشيد ، ثم جلسنا هنيهة على شاطئ الخليج ، نسرح أبصارنا فى أمواجه الهادئة ،

ولونه الفاتح الأزرق ، المشرب بالخضرة . المتلاعب تحت اشعة الشمس الناعمة . .

* ذهبنا الى غرفة مراقبة ضخ النفط الى الناقلات . ويديرها شباب سعودى من مختلف مناطق المملكة . وفى جوانب غرفة المراقبة الواسعة ما يشبه الخزائن مثبتا عليها مئات الأزرار الكهربالية الملونة ما بين أخضر وأحمر وأصفر وأزرق ، وكل واحد من هذه الأزرار له عمله الخاص به اذا ضغط عليه المراقب قام بمهمته فورا ، سواء أكانت ارسال المقدار المطلوب العين من الزيت بالارقام الإلكترونية - الى الناقلة ، أم كفه عنها .

* تناولنا طعام الغداء فى مطعم الشاطئ بنجمة . .

* غادرنا رأس تنورة بعد الظهر ، فى طريق عودتنا الى الظهران ، ومررنا بالقطيف ، وشاهدنا كيف أثر تجفيف المياه فى تحسن منظر النخيل والمزروعات وأشجار الفواكه .

* فى المساء كان عشاؤنا فى بيت الضيافة بصحبة كل من السادة : عبد الله جمعة من قسم دراسة الانباء ، وعبد الله الحسين رئيس تحرير قافلة الزيت الاسبوعية ، وعونى أبو كشك المحرر المساعد لرئيس تحرير قافلة الزيت الشهرية ، وابراهيم الشنطى المحرر المساعد فى قافلة الزيت الاسبوعية .

برنامج يوم الخميس

فى صباح يوم الخميس - وهو رابع أيام وجودنا بالظهران - قمنا بزيارة مطابع المطوع بالدمام . . وكان رائد رحلتنا هذه الختامية هو السيد محمد عارف يونس ، ممثل العلاقات الصحفية بأرامكو . . وقد أعجبنا بالتنظيم والتنسيق المشاهدين فى كل مكان ، وعلى كل آلة من آلات الطباعة ، ولدى كل

موظف وعامل . . من المدير ، الى العامل الصغير . وقد اجتمعنا بمديرها العام : ( أنطون اليبرودى ) فى مكتبه رجال معنا فى كل أنحاء المطابع ، وأطلعنا على كل كبيرة وصغيرة . . وقام بشرح ما يحتاج الى الشرح ، ورأينا عدد مجلة قافلة الزيت الشهرية الآخر أثناء تصويره وكتابة خطوطه . وقد قابلنا أثناء جولاتنا فى المطابع أحد مؤسسيها ( سليمان بلغنيم ) ، أما شريكه الآخر ( علي المطوع ) الذى سميت باسمه المطابع فقد كان غائبا عن المطابع ساعة قدومنا اليها فى الضحوة من ذلك اليوم .

في (( جريدة اليوم ))

عقب انتهائنا من زيارة مطابع المطوع ، اتجهنا الى ادارة تحرير (( جريدة اليوم )) التى تصدر فى الدمام ، فزرنا مدير تحريرها حسن المطرودى ، ووجدنا معه فى مكتب ادارة التحرير الاخ خليل ابراهيم الفزيع سكرتير التحرير . . وتبودلت فى المجلس أحاديث عن الصحافة السعودية ، واتجاهاتها الادبية ، وتناول الحديث فكرة تداول الكتابة بين الكتاب ، وتبادل النشر فيما بين الصحف والمجلات بالمناطق الثلاث التى توجد بها صحف ومجلات . وهى

المنطقة الوسطى ، والمنطقة الغربية ، والمنطقة الشرقية . . وقد لاقت هذه الفكرة استحسانا عاما ، لما فيها من تنمية أواصر الود ودعم الثقافة والادب .

تأجيل السفر

بانتهاء الساعة الخامسة بعد الظهر - بالتوقيت الزوالى المحلى - من يوم الخميس ٢٣ صفر ١٣٩٠ ه - ٣٠ أبريل ١٩٧٠ م - انتهت برامج الرحلة . . وكان من المقرر أن نغادر الظهران الى المطار حالا ، فى طريق العودة الى جدة . ولكن حدث ما لم يكن فى الحسبان ، فقد ظهر ان لا مكان لنا فى الطائرة المغادرة . . لقد حجزت كراسيها جميعا . وعلى ذلك اضطررنا للبقاء فى مدينة الظهران ببيت الضيافة حتى صبيحة يوم الجمعة ٢٤ صفر ١٣٩٠ ه - ١٩٧٠ م . وفى صبيحة يوم الجمعة كانت مغادرتنا للظهران جوا صوب مدينة جدة رأسا ، على الطائرة السعودية النفاثة ( ديسناين ) أيضا ، وقد هبطت بنا هبوطا عبوريا - ترانزيت - فى مطار الرياض ، وكانت وما زالت ذكريات ضيافة أرامكو لنا ، عالقة فى أذهاننا .

ثم مضينا فى رحلتنا الجوية بعد ذلك فى هدوء وراحة حتى هبطنا مطار جدة بسلامة واطمئنان .

اشترك في نشرتنا البريدية