الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

رحلة إلى اليمن

Share

صنعاء . - وحالما دخلنا صنعاء يممنا قصر الضيافة المجهز لنزولنا وكان قصراً بديعاً مؤثثاً بجميع اسباب الراحة العصرية الأنيقة يضاء ليلا بالكهرباء وكنا قد بشرنا من قبل باننا سنجد فى العاصمة كل شئ مكملا وعلى ما يرام من الترتيب والنظام وكان الامر كما ذكر فقد خصصت لكل منا غرفة للاستراحة وغرفة للنوم وغرفة للاستحمام وبهو كبير للطعام وآخر مثله للاستقبال نستقبل فيه زوارنا ونجتمع فيه إن شئنا الجلوس معاً وكانت الغرف مفروشة بالسجاد العجمي فوقه صفوف من الارئك الوثيرة المزوانة بأغطية حريرية كما أن النوافذ والابواب كانت مزينة بسجوف بهيجة المنظر والالوان وكانت غرفة الطعام مؤثثة بأحدث ادوات الموائد الغربية وبها عدد من الخدم المتمرنين على تنظيم لموائد وترتيب الاطعمة باسلوب إفرنجي نام .

بعد تناول الغداء زارنا رئيس قصر الضيافة واخذنا الى القصر الملكى حيث حظينا بالسلام على جلالة الامام (الراحل) ثم زرنا بعض كبار الحكومة وكنا في هذه الزيارات إذا دخلنا مجلساً نخلع أحذيتنا قبل الدخول حسب عادة البلاد .

ومدينة صنعا هى وإن كانت مدينة تحتفظ بالطابع القديم إلا أنها لا تخلو من مناظر تفوق مناظر المدن العصرية فى الروعة والجمال ومن . ذلك منظر القصور الجميلة التى تشبه ناطحات السحاب . . ولا يخلو من طرافة واستغراب إذا قلنا أن هذه القصور العالية الشبيهة بالناطحات السحاب شادها اليمنيون

فى صنعا وغيرها من المدن اليمنية فى الوقت الذى كانت منطقة مانهاتن (التى تعتبر اليوم مركز التجارة العالمية والنشاط الاقتصادى ومقر العمارات المرتفعة والمبانى العظيمة فى مدينة نيويورك) تزدحم باعشاش الهنود الخمر واكواخهم  المخروطيه الاشكال . .

وقيل لنا ان ملكا من ملوك اليمن قبل الاسلام شيد قصراً شامخاً يوازي إتفاعه ارتفاع جبل (نقم) بالمرمر الشفاف .

والبنايات الجديدة في صنعا قوية محكمة وتشيد في الغالب بحجارة مربعة أو مستطيلة الشكل وتختلف في العلو من طبقة واحدة الى سبع طبقات وكثيراً ما تكون مزخرفة الابواب والنوافذ كما ان فتحات النوافذ قد تكرن مغلقة بشباك ثابت فى وضع جميل وفي بعض القصور تستعمل الواح من المرمر المنحوت من جبال اليمن كزجاج فى النوافذ الا انها تكون ثابتة ، وازقة صنعا ضيقة كثيرة الالتواء إلا الميادين والطرق الرئيسية التى تبدئ من أبواب البلدة الى داخلها والسور المحيط بالبلدة - سور قديم مشيد بالحجارة واللبن يبلغ ارتفاعه اربعين قدما وله دعائم قوية فوقها أبراج للمراقبة والحراسة

والحياة فى مدينة (صنعا) تسير سيرها دئا ويبلغ عدد سكانها (٥٠٠٠٠) تقريباً بمافيهم عدة آلاف من اليهود يقطنون فى احياء منعزلة وقد صادف ان كانت ايام مكثنا فى صنعا أيام صومهم ولذلك لم نتمكن من التحدث الى احد منهم ولم ينته صومهم الا صبيحة يوم عودتنا فجاء بعضهم لعرض شئ من مصنوعاتهم الفضية التى يشتهرون بها اشترينا منها ما اعجبنا شكله.

وقمنا فى ايام اقامتنا بصنعا بزيارة مناطق جبلية بالقرب منها وكلها تشبه الغابات فى كثافة اشجارها المثمرة . وزرنا مصيف الامام بالروضة وهو شمال غربي صنعا وقضينا يوما بين حدائقه وجنانه . وتمتعنا كذلك بنزهات فى منتجعات وادي (ضهر) المشهور بوفرة أشجار الليمون والبرتقال على اختلاف أنواعه .

ومن المشاهد التى تركت في نفوسنا الاثر الطيب مدارس (صنعا) ومتحفها

المتواضع ، وهو وإن كان صغيراً إلا أن معروضاته تلقي شعاعا ولو كان ضئيلا على مجد اليمن الغابر . أما المدارس فهى أمل البلاد فى تعبيد طريق المستقبل وقد أخبرنا مدير المعارف ان عدد الطلبة فى مدارس اليمن يبلغ (٥٠٠٠٠) طالب والامل قوى فى رفع مستوى التعليم أكثر من هذا . وفي صنعا وحدها يبلغ عدد الطلبة (٨٠٠٠) طالب وفيهم عدد كبير من الايتام وابناء الرؤساء الذين يقطنون فى مناطق بعيدة عن صنعا وتتراوح اعمار الطلبة بين ست سنوات وثمانى عشر سنة .

اما الدروس التى يتلقاها الطالبة فى المدارس فهى : القراءة والكتابة والقران ومسك الدفاتر والمحفوظات والجغرافيا والصحة والزراعة والموسيقى والتاريخ والرياضيات . واكثر المعلمين من اهل اليمن وتفر منهم انم دراسته فى الخارج .

وقبل أن نغادر صنعا اخبرنا أحد مرافقينا ان اطاراً من إطارات سياراتنا فى حاجة الى اصلاح وانه سيصلحه عند بعض المهرة اليمنيين المشهورين بإصلاح الاطارات فأذنا له وبعد قليل جاءنا به فكانت طريقة التصليح غريبة فى نوعها رقعة كبيرة من أطار آخر وضعها فوقها محل العطب وأثبتها بمسامير لولبية (قلاويظ) ربطت من الداخل ربطا محكما واختبرناه فى السيارات فكان صالحا للسير وتحمل وعورة الطريق

العودة

عندما عزمنا على الرجوع استاذنا ان نسلك الطريق الجبلى الذى يمر بـــــ (يريم) و (إب) فاذن لنا . وبارحنا صنعا وفى النفس رغبة لاطالة المكث بها وكان سيرنا نحو الجنوب على نفس الطريق الذى جئنا منه حتى وصلنا قرية (المعبر) وهناك احضرت لنا سيارتان من سيارات الحكومة اليمنية بدلا من سياراتنا التى ارجعناها الى (الحديدة) ومنها الى عدن ثم قمنا من (المعبر) فسير نحو

الجنوب الشرقي في ارض خصبة حتى وصلنا بلدة (زمار) ليلا . وذمار بلدة مشهورة جميلة يقدر سكانها (٤٠.٠٠٠) نسمه تقع وسط منطقة زراعية خصبة قضينا ليلتنا تلك فى البلدة وفي اليوم الثاني قبل طلوع الشمس توجهنا نحو (يريم) وقد خرج معنا من (زمار) ستة من الخيالة العرب بأمر من العامل فى ثيابهم الجميلة المتحدة حاملين بنادقهم في أيديهم يلوحون بها فوق رءوسهم وهم ينشدون اناشيد قومية ولم يزالوا معنا فى سباق منظم الى مسافة كبيرة ثم أومأوا الينا ايماءة التوديع وعادوا الى بلدتهم عندما اقتربنا من الوصول الى (بريم) .

وبعد الوصول اليها رتبنا برنامج سيرنا إلى بلدة " الضربة " بعد أخذ وود طويلين مع عامل (بريم) وكان ضمن البرنامج استبدال السيارات لعدم صلاحيتها للسير فى الممرات الضيقة والمرتفعات الحبلية بالخيل والبغال والحمير وقد أحضرت بأمر العامل أربعة من الجياد العتاق وبغلة وثلاثة حمير ثم سلمنا على العامل سلام الوداع وبدأنا فى السير فوق منحدر هلالي حول سفح جبل شامخ الذروة وكان المنحدر عبارة عن ممر صخرى قديم بقينا نتلوى فيه حتى وصلنا بلد (إب) وفي أثناء الطريق أخذت الخيل ثلث وتنحط من شدة الاعياء والتعب فترجلنا إلى مسافة غير قصيرة شفقة بالدواب وراحة لافخاذنا من تعب الركوب وكانت فرقة من الجنود المشاة شاعتنا إلى مسافة بعيدة من بريم ثم رجعت الى مركزها .

وكلما ار نفعنا بين الممرات الملتوية الجبلية شاهدنا عن ايماننا وشمائلنا مناظر طبيعة خلابة تنعش الفؤاد وتفرح النفس وتبهج العين وبعد وصولنا إلى اعلا نقطة فى الممر وقفنا لحظة نستزيد من التمتع برؤية جمال الجبال الخضر والاراضى المدرجة التى يزينها حقول ناضرة ومزارع ممتدة على امتداد البصر.

كما ان منظر جبل (سمارا) الاشم كان يبدو رائعا جداً وهو يعلو عن محلنا ١٠٠٠ قدم كانه مسلة عالية او برج سامق وهناك قرى كثيرة متناثرة

على رغوس الجبال وسفوجها.

ثم أخذنا ندرج درجا رويداً حتى جن علينا الليل واصطبغت ألوان النهار بسواد الظلام وعندئذ وصلنا قرية اسمها (المنزل) بتنابها تلك الليلة على سطح بيت أعدل لنزولنا وكانت ليلة ليلاء قارسة البرد اضطررنا الى تضعيف عدد الاغطية التى علينا كما اننا لم نخلع شيئاً مما كان علينا من المعاطف الصوفية وفي منتصف الليل استيقظنا على لغط ولجب ارتفع من عدوة الوادى فقمنا ونظرنا من السطح ولم نجد غير جماعة من العرب يحملون معهم عدداً من المصابيج الغازية (الاتريك) يدخلون المنزل الذي كنا فيه . وقد بقى دخولهم المنزل في منتصف الليل بضجيج وأنوار لغزاً عويصاً لم يحل الا في الصباح إذ قيل لنا انهم جاوا لاستقبالنا ومرافقننا فى الطريق ارسلهم عامل مدينة (المخادر) وهى المحطة الثانية لنا . ومن الصباح المبكر مشينا من قرية (المنزل) على الاقدام في أول الامر لأق الممر الذي سلكناه كان زاميل كبير وانحدار مخيف لا يأمن الراكب فيه الخطر .

وكانت أشجار الفواكه المتنوعة وأشجار البن والغات تكسو المناطق الجبلية التى كنا نمر من وسطها والممتدة إمتداداً تعجز العين عن تحديده حلة سندسية رائعة مزخرفة بشتى الالوان والازهار.

وقد ذكر بعض الفلاحين اليمنيين انهم يزرعون محاصيلهم على دورات فأول ما يزرعون البر ثم بعد حصاه بزرعون بقولا أخرى كاللوبيا والفول والفاصوليا هذه الطريقة المتبعة فى اليمن منذ قرون تعتبر الآن وفي أمريكا من أحدث الطرق الفنية فى الزراعة.

وصلنا بلدة (المخادر) بعد أن سرنا ساعتين على ظهور الخيل بين طلوع ونزول فى جوحار عتم الجأتني حرارته إلى التجرد من الثياب والاكتفاء (بالنطلون) وحده .

ورأينا خارج البلدة جمعاً من الاهالى يقدمهم العامل فى انتظارنا فتبادلنا

معهم عبارات التحية والترحيب واشكر ثم ازدلفنا معهم الى دار العامل داخل البلدة حيث مكثنا ما يقارب ساعتين وكان المرافقون اليمنيون يريدون ان نطيل اللبث ليتمكنوا من اتمام (كيفهم) من العات والنارجيلة إلا اننا لم نتمكن من تنفيذ رغبتهم فتحركنا بمجرد ما انتهينا من تناول الغداء وكان الطريق الذى امامنا فى منتهى الصعوبة والوعورة ولا تستطيع الخيل السير فيها ولذلك احضر لنا العامل بغالا متمرنة على تلك الدروب الضيقة والممرات الصخرية وقبل ان نصل بلد (إب) التى نقصدها سلكنا ممراً صخريا مرتفعاً قد تملس من كثيرة السير فوفة منذ قرون ولقينا من سيرنا الذي استعرق ساعة فى ذلك الممر تعباً شديداً وجهداً عظيما ثم شرعنا ننحدر الى وادى كبير ، وتراءت لنا من هناك بلدة (إب) بسورها الابيض كانها بلدة من بلد ان الاساطير الاولى . وبعد ساعات وصلناها وآوينا إلى القصر الذي اعد لنزولنا ولم تقع أعيينا على المقاعد الوثيرة فى القصر إلا وارتمينا فوقها متألمين من ركوب البغال والسير المتعب فى الملاوى الصخرية المرتفعة محت أشعة الشمس الحارة بيد ان ذلك التعب والالم سرعان مازال على أثر شراب بارد قدمه الينا ورؤية منظر الجبال الخضر والمروج المدرجة ذات بهيجية ورواء .

قضينا تلك الليلة فى ذلك القصر ومن الصباح قمنا الى غرفة الاستحمام نقضى تفثنا وننجز عملية (التواليت) التى حرمنا منذ خروجنا من (صنعا) وبعد تناول الفطور فمنا بزيارة عامل البلدة ومن عنده خرجنا الى الاسواق التى هي عبارة عن ازقة ضيقة متلوية بين صفوف من البيوت الحجرية وكانت ظلالها تمتد فى الازقة كانها بسط سود تغطى الارض ثم عدنا الى محلنا وبتنا  ليلة أخرى لنستزيد من التمتع بهواء (إب) العليل وجوها اللطيف.

وفي صباح اليوم الثاني فمنا من (إب) نحو آخر ببلدة مررنا بها فى رحلتنا وهي (السياني) واما الممرات الجبلية التى عبرناها بين (إب) و (السياني) فحدث عن وعورتها وانحدار أرضها ولا حرج وانتهينا من تلك الممرات الى

ربع مرتفع جداً لقيت الدواب فى صعوده عناء كبيراً وكنا كلما ارتقيناه نفعاً يظن انه الاخير من نوعه ولكن الذي يأتي بعده كان ينسينا الذي مررناه به لصعوبة مرقاه ووعورة مسالكه حتى وصلنا القمة

ثم اخذنا فى الهبوط وقد لقينا فيه جهداً لا يقل عن التعب الذي اصابنا فى الصعود ولا سيما عندما كنا نمر بمنحدر شبه رأسى لا نستطيع السير فيه إلا مترجلين . وبعد ما وصلنا الى الارض المستوية ركبنا سيارات معدة لركوبنا وقطعنا بها بقية المسافة الى بلدة (السياني) وقفنا فيها قليلا ثم مررنا منها الى (تعز) ومنها على طريقنا الذى سلكناه من قبل الى عدن،

تمت الرحلة

اشترك في نشرتنا البريدية