الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

رحلة ابن جبير في شمال صقلية

Share

المحاضرة التي القاها المستشرق الايطالي الدكتور امبرتو ريزيتانو

بجامعة الملك عبد العزيز الاهلية بجدة ) وقد خصص بها مجلة المنهل ( :

ان العالم العربى الاسلامى - كما نعلم - خرج منه عدد كبير من مشاهير الرحالة فى مدى تاريخه : من احمد بن فضلان ) الذى اوفد الى ملك الصقالبة عام ٩٢١ ( الى ابن حوقل ) الذي نجده في باليرمو عام ٩٧٢ ، وقد ترك لنا وصفا مهما للمدينة ( الى ابى حامد الغرناطى ) الذى رحل في منتصف القرن الثانى عشر عبر اوروبا الشمالية الشرقية ( الى ابن بطوطة ، الى التيجانى ، وكثيرين غيرهم ممن بقيت لنا عن رحلاتهم مؤلفات نفيسة جدا ، وذات أهمية بالغة للمؤرخ ، والجغرافى ، والباحث الاجتماعى على السواء

ولكن لعل أقرب الرحالة الى القلب ، وأكثرهم طلاوة وحضور بديهة ، كان ابن جبير : فكتابه ) الرحلة ( جدير ، فى اعتقادى ، بأن يكون بين أمتع الكتب للمطالعة ، واكثرها نفعا ، لما فيه من حيوية الوصف ودقته ، ومن ملاحظات ذكية ، واعتبارات عميقة تدل القارئ على ما كان يتحلى به رحالنا هذا من فطنة ، وذكاء وحسن ملاحظة .

لقد قام ابن جبير ، كما هو معلوم ، بثلاث رحلات من اسبانيا الى المشرق لاداء فريضة الحج . هذا ما يمكن ان نجده لدى مترجميه . أما المؤرخ ابن الرقيق ، الذى عاش فى بلاط بني زيرى ، فانه يرى ان الظروف التى دفعت الرحالة الى اداء الحج الاول كانت كما يلى : . . كان ) ابن جبير ( من اعلام العلماء

العارفين ، كتب فى أول امره عن السيد ابى سعيد بن عبد المؤمن صاحب غرناطة فاستدعاه لان يكتب عنه كتابا وهو على شرابه ، فمد يده اليه بكأس ، فاظهر الانقباض ، وقال : " يا سيدى ما شربتها قط " فقال : " والله لتشربن منها سبعا " فلما رأى العزيمة شرب سبع أكؤس ، فملأ له السيد الكأس من دنانير سبع مرات وصب ذلك فى حجره ، فحمله الى منزله . وأضمر أن يجعل كفارة شربه ، الحج بتلك الدناير ، ثم رغب الى السيد وأعلمه انه حلف بايمان لا خروج له عنها أنه يحج فى تلك السنة ، فأسعفه ، وباع ملكا له

تزود به ، وانفق تلك الدنانير فى سبيل البر ) أورد المقرى هذا النص في " نفح الطيب " ( .

هذه النبذة التى أوردتها ، وهى جميلة حتى لو لم تكن صحيحة ، تدل على عمق الحس الدينى الذى رافق كل حياة رحالنا هذا ، الذى غادر غرناطة فى شهر شوال عام ٥٧٨ ه ) فبراير ١١٨٣ م ( ليبدأ رحلته نحو مكة المكرمة ، وعاد منها فى المحرم عام ٥٨١ ه ) ابريل ١١٨٥ م ( بعد أكثر من عامين . وخلال هذه الرحلة زار ابن جبير الاسكندرية والقاهرة ، وصعد مع النيل الى قوس ، واجتاز الصحراء إلى عيذاب وعبر البحر الاحمر الى جدة . ثم أقام فى مكة ثمانية اشهر ، وزار بعدها المدينة ، وأقام فى بغداد والموصل . ومن العراق انتقل الى سورية وأقام شهرين فى دمشق . واخيرا ركب البحر الى عكا على ظهر سفينة نصرانية فى طريق عودته . الا انه فى شهر رمضان المبارك جنحت السفينة فى مضيق مسينا تماما . وعاش المسافرون - المسيحيون والمسلمون على السواء - ساعات رهيبة من الهلع والرعب ، يستطيع قارىء الرحلة ان يعيشها من جديد فى الوصف الواقعى الحى الذي كتبه ابن جبير ، والذى اتلو عليكم الآن شيئا منه :

" شهر رمضان المعظم . . استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ) ديسبمر على لغة الاندلسيين ( ونحن بازاء الارض الكبيرة ) وهى ايطاليا فى لغة كتاب الجغرافيا العرب ( على متن البحر مترددين ، وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا ، حتى وصلنا هذا الموضع من ازاء الارض الكبيرة المذكورة ، وابصرنا فيها ضياعا وعمارة كثيرة ،

واعلمنا انها من قلورية ) أى كلابريا اقليم من أقاليم ايطاليا الجنوبية ( وهي من بلاد صاحب صقلية ) وهو الملك غليا م الثانى النورماندى ، الذي سيأتى ذكره ( . . ومن العجب فى الاتفاقات في الاسفار البحرية أنا استطلعنا على ظهر البحر أهلة ثلاثة أشهر : هلال رجب ، وهلال شعبان ، وهلال رمضان . . ثم حركتنا من ذلك الموضع ) أى من سواحل قلورية ( ريح موافقة ، فلما كان عشى يوم السبت . . . . اشتد هبوبها فزجت المركب تزجية سريعة فلم يكن الا كلا ولا حتى أدتنا الى أول المضيق ، وهذا المضيق ) هو البوغاز الذى بين قلورية المذكورة ومدينة مسينا ( ينحصر فيه البحر الى مقدار ستة اميال واضيق موضع فيه ثلاثة أميال يعترض من بر الارض الكبيرة الى بر جزيرة صقلية . والبحر بهذا المضيق ينصب انصباب السيل العرم ويغلى غليان المرجل ، لشدة انحصاره وانضغاطه وشقه صعب على المراكب . فاستمر مركبنا فى سيره والريح الجنوبية تسوقه سوقا عنيفا وبر الارض الكبيرة عن يميننا وبر صقلية عن يسارنا . فلما كان مع نصف ليلة الاحد الثالث للشهر المبارك قد شارفنا مدينة مسينة من الجزيرة المذكورة دهمتنا زعفات البحريين بان المركب قد امالته الريح بقوتها الى احد البرين وهو ضارب فيه . فأمر رئيسهم بحط الشرع للحين فلم ينحط شراع الصارى المعروف بالاردمون ) هى كلمة مشتقة من الاصل اليونانى للدلالة على الشراع المسمى ب " شراع لاطينى " ( وعالجوه فلم يقدر عليه لشدة ذهاب الريح به . فلما أعياهم مزقه الرائس بالسكين قطعا قطعا فى توقيفه وفى اثناء هذه المحاولة سنح المركب بككله على البر والتقاه بسكانيه

وهما رجلاه اللتان يصرف بهما . وقامت الصيحة الهائلة فى المركب فجاءت الطامة الكبرى ، والصدعة التى لم نطق لها جبرا ، والقارعة الصماء التى لم تدع لنا صبرا ، والتدم النصارى التداما ، واستسلم المسلمون لقضاء ربهم استسلاما ، ولم يجدوا سوى حبل الرجاء استمساكا واعتصاما ، وتعاورت الريح والامواج صفع المركب حتى تكسرت رجله الواحدة فألقى الرئيس مرسى من مراسيه ، طمعا فى تمسكه به ، فلم يغن شيئا . فقطع حبله وتركه في البحر . فلما تحققنا انها هى ، قمنافشددنا للموت حيازيمنا ، وأمضينا على الصبر الجميل عزائمنا ، وأقمنا نرتقب الصباح أو الحين المتاح ، وقد علا الصياح ، وارتفع الصراخ ، من أطفال الروم ونسائهم وألقى الجميع عن يد الاذعان ، وقد حيل بين العير والنزوان ، ونحن قيام نبصر البر قريبا ونتردد بين أن نلقى بأنفسنا اليه سبحا او ننتظر لعل الفرج من الله يطلع صبحا ، فأحضرنا نية الثبات والبحريون قد ضموا العشارى لاخراج المهم من رجالهم ونسائهم وأسبابهم فساروا به الى البر دفعة واحدة ثم لم يطيقوا رده وقذفته الموج مكسرا على ظهر البر . فتمكن حينئذ اليأس من النفوس . وفى أثناء مكابدة هذه الاحوال أسفر الصبح ، فجاء نصر الله والفتح ، وحققنا النظر فاذا بمدينة " مسينا " أمامنا على أقل من نصف الميل . وقد حيل بيننا وبينها . فعجبنا من قدرة الله عز وجل في تصريف اقداره ، وقلنا : رب مجلوب اليه حتفه فى عتبة داره ، ثم تمكن الشروق فجاءتنا الزواريق مغيثة ووقعت الصيحة فى المدينة فخرج ملك صقلية غليام بنفسه فى جملة من رجاله متطلعا لتلك الحال .

وبادرنا الى النزول فى الزواريق والامواج لشدتها لا يمكنها الوصول الى المركب فكان نزولنا فيها خاتمة الهول العظيم ونجونا الى البر وتلف للناس بعض اسبابهم : فتسلوا عن الغنيمة بايابهم .

" ومن العجب على ما أخبرنا به أن هذا الملك الرومى المذكور أبصر فقراء من المسلمين يتطلعون من المركب وليس لهم شئ يؤدونه فى نزولهم ، لان أصحاب الزواريق أغلوا على الناس فى تخليصهم ، فسأل عنهم ، فأعلم بقصتهم ، فأمر لهم بمائة رباعى من سكته ينزلون بها وخلص جميع المسلمين عن سلام . وقيل الحمد لله رب العالمين وفرغ النصارى جميع ما كان لهم فيه فأصبح اليوم الثانى وقد جعلته الامواج جذاذا ، ورمت به الى البر أفلاذا ، فعاد عبرة للناظرين وآية للمتوسمين ، ووقع العجب من سلامتنا منه وجددنا شكر الله عز وجل على ما من به من لطيف صنعه وجميل قضائه وتخليصه لنا من ان يكون هذا القدر ينفذ علينا فى الارض الكبيرة او احدى جزائر الروم المعمورة ، فكنا لوسلمنا نستعبد للابد . والله عز وجل يعيننا على اداء شكر هذه المنة والنعمة ، وما تداركنا به من لحظات الرأفة والرحمة ، انه على ذلك قدير ، وبعوائد الفضل والخير جدير ، لا اله سواه . ومن جملة صنع الله عز وجل لنا ولطفه بنا فى هذه الحادثة كون هذا الملك الرومى حاضرا فيها ، ولولا ذلك لانتهب جميع ما فى المركب انتهابا ، وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين ، لأن العادة جرت لهم بذلك . وكان وصول هذا الملك لهذه البلاد بسبب أسطوله الذى ينشئه ، رحمة لنا ، والحمد لله على ما من به

علينا من حسن نظره الكفيل بنا لا اله سواه " اهـ . .

غير أن ابن جبير لمس بنفسه ان الناجين من المسلمين لم يؤخذوا عبيدا ، كما كان يخشى ، بل استقبلهم غليالم الثانى ، الملقب بالطيب ، استقبالا ليس أكثر منه انسانية وكرما ، فقد ذهب بنفسه للقاء أولئك الناجين المساكين ، وقام بكل ما يمكن لمساعدتهم .

الا ان الرحال - كما استطعنا أن نلمح من كلامه - لم يكن مستعدا لان ينسب شيئا من الفضل فى تلك النجدة الى الملك النورمندى . فهو ، فى الواقع ، يجعلنا نفهم أن الفضل فى اسراع الملك الى نجدنهم انما كان لله وحده ) ١ ( . بل انه لا يلبث أن يبدو جزعا لدى رؤيته مسينا تعج بالكفار ،

فيهتف ) فى باب من ابواب الرحلة المعنون ( : " ذكر مدينة مسينة من جزيرة صقلية اعادها الله تعالى " .

هذه المدينة موسم تجار الكفار ، ومقصد جوارى البحر من جميع الاقطار ، كثيرة الارفاق برخاء الاسعار ، مظلمة الآفاق بالكفر لا يقر فيها لمسلم قرار ، مشحونة بعبدة الصلبان تغص بقاطنيها ، وتكاد تضيق ذرعا بساكنها . . وخصب هذه الجزيرة أكثر من ان يوصف وكفى بانها ابنة الاندلس فى سعة العمارة وكثرة الخصب والرفاهة ، مشحونة بالارزاق على اختلافها ، مملوءة بأنواع الفواكه واصنافها لكنها معمورة بعبدة الصلبان يمشون فى مناكبها ويرتعون فى اكنافها ، والمسلمون معهم على املاكهم وضياعهم قد حسنوا السيرة فى استعمالهم واصطناعهم ، والله عز وجل يصلح احوالهم ويجعل العقبى الجميلة مآلهم بمنه " .

ولكن لعله لم يلبث ان داخله الندم لانه لم يقل كلمة خير فى الملك النورمندى الذى أنقذ حياته ، فاذا به يصف غليا م الثانى بما يلى :

وشأن ملكهم هذا عجيب فى حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجاب وكلهم ، أو اكثرهم ، كاتم ايمانه متمسك بشريعة الاسلام ، وهو كثير الثقة بالمسلمين وساكن اليهم فى أحواله ، والمهم من اشغاله ، حتى ان الناظر فى مطبخته رجل من المسلمين ، وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم ووزراؤه وحجابه الفتيان ، وله منهم جملة كبيرة هم أهل دولته والمرتسمون خاصته وعليهم يلوح رونق مملكته لانهم متسعون فى الملابس الفاخرة والمراكب الفارعة وما منهم الا من له

الحاشية والاتباع ، ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الانيقة ولا سيما بحضرة ملكه المدينة المذكورة ) أى بالرمو ( وله بمسينة قصر ابيض كالحمامة مطل على ساحل البحر وهو كثير الاتخاذ للفتيان والجوارى ، وليس فى ملوك النصارى ، اترف فى الملك ولا انعم ولا ارفه منه . وهو يتشبه فى الانغماس فى نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع اساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم ابهة الملك واظهار زينته بملوك المسلمين . وملكه عظيم جدا ، وله الاطباء والمنجمون ، وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم ، حتى انه متى ذكر له أن طبيبا أو منجما اجتاز ببلده أمر بامساكه وادر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه ، والله يعيذ المسلمين من الفتنة به بمنه . وسنه نحو الثلاثين سنة كفى الله المسلمين عاديته وبسطته . ومن عجيب شأنه المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصبن به " الحمدلله حق حمده " ) ٢ ( وكانت علامة أبيه : الحمد لله شكرا الأنعمه . وأما جواريه وحظاياه فى قصره فمسلمات كلهن . ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكور

وهو يحيى بن قتيان الطراز وهو يطرز بالذهب فى طراز الملك ان الافرنجية من النصرانيات تقع فى قصره فتعود مسلمة ، تعيدها الجوارى المذكورات مسلمة وهن على تكتم من ملكهن فى ذلك لله ، ولهن فى فعل الخير أمور عجيبة . وأعلمنا انه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك فكان يتطلع فى قصره فلا يسمع الا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته فكان يقول لهم : " ليذكر كل واحد منكم معبوده ومن يدين به " تسكينا لهم . واما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عمالته فى ملكه فهم مسلمون ، ما منهم الا من يصوم الاشهر تطوعا وتأجرا ، ويتصدق تقربا الى الله وتزلفا ، ويفتك الاسرى ويربى الأصاغر منهم : ويزوجهم ويحسن اليهم ، ويفضل الخير ما استطاع وهذا كله من صنع الله عز وجل لمسلمى هذه الجزيرة ، وسر من اسرار اعتناء الله عز وجل بهم " اه . .

وتلاحظون أن ما يذكره رحالنا عن البلاط النورمندى فى باليرمو ، وعن المسلمين الذين يتولون فيه مهام مختلفة ، وعن تصرف الملك نحو اولئك المسلمين ، ذو اهمية بالغة وهو يتفق تماما مع ما نستطيع ان نجده فى المصادر اللاتينية عن ذلك العهد .

بعد مسينا ينتقل ابن جبير الى شيفالو CEFALU ثم الى ترمينى TERMIN١ فالى قصر سعد ، وأخيرا الى باليرمو العاصمة . كان ذلك فى السادس عشر من رمضان عام ٥٨٠ ه . الثانى والعشرين من ديسمبر عام ١١٨٤ م .

لقد أسلفنا ان ابن حوقل وصف لنا باليرمو خلال العهد العربى ، ولا سيما من

الوجهة المكانية والاجتماعية . وجاء بعد ذلك الأدريسى فوصف لنا هذه المدينة ، حين كان يعمل فى بلاط الملك روجار الثانى لتأليف كتابه : ) نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق ( نحو منتصف القرن الثانى عشر فوصف ابن جبير اذن كان الوصف الثالث لمدينة باليرمو من قبل أشهر الجغرافيين والرحالة المسلمين ، ولكنه كان أقصرها ، الا ان هذا الوصف على قصره ، يشتمل على أمور انسانية ذات أهمية كبيرة ، وعلى اعتبارات شخصية تعيننا على فهم شخصية رحالنا هذا . فهو حاضر دائما لآبراز تفاصيل ومزايا قد لا يفطن لها غيره من الزائرين . وأود ههنا أن أشير الى دقة الرحال فى وصف مزايا كنيسة المارنورانا فى باليرمو وكان هذا ، MARTORANA المسلم الورع قد وقف أمامها يوم الميلاد . غير أننى قبل أن أتلو عليكم النص العربى أرى من المفيد أن أقول كلمة عن هذه الكنيسة التى سأعرض عليكم بعض صورها .

تدعي هذه الكنيسة أيضا " كنيسة الاميرال " ، لان الذى بناها نحو عام ١١٤٠ من الميلاد كان جورج الانطاكى : قائد بحرية الملك روجار الثانى . وشخصية هذا الرجل ذات اهمية كبيرة : فهو انطاكى المولد ، نصرانى العقيدة . ونحن نجده فى بلاط تميم أمير المهدية ، ثم فى باليرمو فى خدمة الملك روجار المتقدم ذكره ، وقد أسدى اليه خدمات جلى بفضل خبرته فى الشؤون العسكرية ، وعلى الاخص بفضل اتقائه اللغة العربية . هذا المغامر اذن هو الذى شيد الكنيسة التى سترونها هنا ، وفيها تظهر بجلاء آثار الطراز الهندسى الاسلامى . وهذا معقول جدا على كل حال :

فنحن آنذاك فى عهد كان فيه الملوك النورمنديون فى صقلية يعجبون بجمال الفن العربى . ولذلك كانوا يرغبون فى أن يتجلى فى هندسة الكنائس المسيحية ونقوشها أثر هذا الفن الاسلامى . ان الفن لا دين له ، ولا ينتمى الى هذا الشعب أو ذاك ، ولا الى هذا الجنس او ذاك ، فاذا كان جميلا ، معبرا ، نافذا ، أمكن استعماله في أى معبد ، مسيحيا كان أم اسلاميا . ولقد شاء جورج الانطاكى ، ان يطبق هذا المبدأ في هذه الكنيسة ، كما فعل آخرون من قبل ، وكما سيفعل المهندسون والمزخرفون العاملون فى خدمة الملوك النومنديين من بعد . وكمثال لذلك كنائس مختلفة وأبنية عديدة فى صقلية وخاصة فى باليرمو وكلها ترجع الى العهد النورمندى . ومن السهل أن نرى فيها المحاكاة البارزة للطراز العربى ، فى الهيكل العام ، وفى خصائص القباب والاقواس وغيرها .

ولنعد الآن الى كنيسة ال Martorana لنرى الطراز العربى في واجهتها ، كما نراه فى بعض الكنائس الصقلية النورماندية الاخرى ، منها كنيسة : S . Catapo وأمامكم منظر عام للكنيسة ذات القباب العربية .

واليكم الواجهة ذات الطراز العربى . والمعروف انه كثيرا ما التقى فى الابنية النورماندية الفن البيزنطى والفن العربى الاسلامى . وخير مثال على ذلك ، نافذة من نوافذ الكنيسة المذكورة حيث نجد الصليب المسيح فى صميم الرسوم الزخرفية العربية .

واليكم نماذج من النوافذ ذات الطراز العربى الصرف . وهذا منظر عام لكنيسة

أمامكم مدخل كنيسة ال S . Catatpo اختلط فيه الفن البيزنطى والفن العربى أما هذا المنظر - يتوسطه النخيل - ففى امكاننا ان تعتبره ناحية من نواحى الشرق العربى الاسلامى

ولنعد مرة ثانية إلى كنيسة ال Murtorana - التى وقف ابن جبير امامها -  حتى نلقى نظرة على الجزء الاسفل من برج أجراسها : ورد فى رحلة ابن جبير وصف له ملفت للنظر ( كما سنشير اليه عن قريب ) .

الجزء الاعلى بني فى عهد لاحق للعهد النورماندى . ان الاختلاف بين الجزء الاسفل والجزء الاعلى واضح كل الوضوح

ربما كان النقش فى الخشب بالحفر أحسن فروع الفن الفاطمى حظا فى وفرة النماذج التى وصلت الينا منه . فبينما لا نعرف فى سائر الصناعات نماذج كثيرة من الطراز الاول ، تعبر حق التعبير عما كانت عليه تلك الصناعات من تقدم وازدهار ، نرى المتاحف والمجموعات الاثرية الخاصة والمساجد والكنائس القبطية المصرية وعددا من العمائر النورماندية الصقلية تضم بين جدرانها تحفا خشبية لا تزال فى حالة جيدة من الحفظ .

هذا ، والتحف الخشبية المذكورة هى موزعة على عصر الفاطميين كله ، فبينها ما يرجع الى حكمهم فى شمال افريقية ، وما يرجع الى بداية حكمهم فى وادى النيل ، او الى اوج عزهم او الى نهاية دولتهم وبدء اضمحلالها . وبينها ما صنع فى صقلية وتأثر بأساليبهم الفنية ، وما ينسب الى بنى زيرى ، خلفائهم فى شمال افريقية . أما ما نجده من التحف الخشبية فى

صقلية - أو بالاحرى فى باليرمو - متأثرا بالطراز الفاطمى فالواح باب كنيسة الــ Martorana وهى كما أشرنا اليه من  الابنية الصقلية التى يظهر فى ترتيب قبابها وأساليب زخارفها تأثير الفنين الاسلامى والبيزنطى . والالواح المذكورة - ومنها هذا الباب - تتجلى فيها الاساليب الفنية التى نعرفها فى أزهى عصور الفاطميين فى مصر ، فتمتاز بعمق الرسوم ودقة صنعتها

وهو نموذج رائع مدهش ، ذو الزوايا المستقيمة والمقسوم الى اربعة اقسام : اثنان لكل مصراع . ومن ذا الذى لا يلمس فى هذه النقوش العربية الطراز ، التى تشبه رسوم الكثير من الاقمشة العربية ، الطراز العربى ، فى كل شىء هنا ، لقد فتن الملوك النورمنديون ، كما اسلفنا ، باصالة الفن الذى أدخله العرب الى الجزيرة ، وشاءوا أن تعكس معابدهم كذلك بعض التفاصيل من نقوشه وزخارفه .

واليكم مناظر تفصيلية لهذا الباب المؤنق الرائق

وأمامكم القبة الرئيسية للكنيسة ، وتوجد فى داخلها كتابة باللغتين العربية واليونانية ، والنص العربى من هذه الكتابة وصل الينا بشكل سئ مبتور كما ترون ولا يمكن اعادة تركيبه الا بواسطة النص اليونانى ، وهو عبارات معروفة جدا فى الطقوس الدينية المسيحية . والكلمات الوحيدة التى نستطيع ان نقرأها هى : " باسم الرب أوشعنا فى الاعالى " . " وهى عبارة تدل على التسبيح " سبحان الرب " واصلها عبرى ( .

وهذا يدل على ان جورج الانطاكى كان صاحب ثقافتين : عربية ويونانية .

ولا عجب فى هذا النص العربى متى عرفنا أولا أن جانبا من الكنيسة مبنى على الطراز العربى ، وان بانى هذا المعبد النصرانى كان انطاكيا ، وكان لذلك يتقن اللغة العربية ، ويتقن اليونانية كذلك دون ريب . لقد كان من الطبعى اذن أن تجىء الصلوات والترانيم التى شاء ان يراها بين زخارف كنيسته منقوشة بتينك اللغتين . ونحن فى الواقع نجد فى هذا تعبيرا عن اللقاء الرائع بين العالم العربى والعالم البيزنطى ، الذى كان من مميزات العهد النورماندى الفريدة فى صقلية

ومن الغريب فى داخل الكنيسة وجود بعض الاعمدة المرمرية عليها كتابة عربية منها :

بسم الله الرحمن الرحيم حسبي الله ونعم الوكيل

ومنها : ان الله مع الذين اتقوا ومنها : النصر والظفر وتكملة الكتابة : اليمن والاقبال

لقد ذهب ابن جبير اذن يوم عيد الميلاد عام ١١٨٤ لزيارة هذه الكنيسة ، وترك لنا عنها هذا الوصف الممتع ، والمهم كذلك أنه يدل على مدى الاثر الذى يتركه معبد مسيحى فى نفس المسلم وعقله . واليكم ما يقوله ابن جبير :

ذكر المدينة التى هى

حضرة صقلية اعادها الله

" هي بهذه الجزائر ام الحضارة والجامعة بين الحسنيين : غضارة ونضارة ،

فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر ، ومراد عيش يانع أخضر ، عتيقة انيقة ، مشرقة مؤنقة ، تتطلع بمرأى فتان ، وتتخايل بين ساحات وبسائط ، كلها بستان ، فسيحة السكك والشوارع ، تروق الابصار بحسن منظرها البارع ، عجيبة الشأن ، قرطبية البنيان ، مبانيها كلها بمنحوت الحجر المعروف بالمكدان ، يشقها نهر معين ، ويطرد فى جنباتها اربع عيون ، قد زخرفت فيها لملكها دنياه ، فاتخذها حضرة ملكه الافرنجى اباده الله ، تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود فى نحور الكواعب ، ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهة وملاعب ، فكم له فيها - لا عمرت به - من مقاصير ومصانع ، ومناظر ومطالع ، وكم له بجهاتها من ديارات قد زخرف بنيانها ، ورفه بالاقطاعات الواسعة رهبانها ، وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها ، وعسى الله عن قريب ان يصلح لهذه الجزيرة الزمان ، فيعيدها دار أمان ، وينقلها من الخوف للامان ، بعزته ، انه على ما يشاء قدير . وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الايمان يعمرون اكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع ، ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى ، والاسواق معمورة بهم ، وهم التجار فيها ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم ، ويصلون الاعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسى ولهم بها قاض يرتفعون اليه فى أحكامهم وجامع يجتمعون للصلاة فيه ، ويحتفلون فى وقيده فى هذا الشهر المبارك . واما المساجد فكثيرة لا تحصى واكثرها محاضر لمعلمي القرآن وبالجملة فهم غرباء عن اخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا

أمن لهم في أموالهم ولا فى حريمهم ولا أبنائهم " .

واليكم ما يقوله ابن جبير عن كنيسة ال " Martorana ومن اعجب ما شاهدناه بها  من أمور الكفر ان كنيسة تعرف بكنيسة الانطاكى أبصرناها يوم الميلاد وهو يوم عيد لهم عظيم وقد احتفلوا لها رجالا ونساء فابصرنا من بنيانها مرأى يعجز الوصف عنه ويقع القطع بانه اعجب مصانع الدنيا المزخرفة جدرها الداخلة ذهب كلها وفيها من الواح الرخام الملون ما لم ير مثله قط ، قد رصعت كلها بفصوص الذهب وكللت بأشجار الفصوص الخضر ، ونظم أعلاها بالشمسيات المذهبات من الزجاج ، فتخطف الابصار بساطع شعاعها ، وتحدث فى النفوس فتنة نعوذ بالله منها . واعلمنا ان بانيها الذى تنسب اليه انفق فيها قناطير من الذهب وكان وزيرا لجد هذا الملك المشرك . ولهذه الكنيسة صومعة قد قامت على أعمدة سوار من الرخام ملونة ، وعلت قبة على اخرى سوار كلها فتعرف بصومعة السوارى . وهى من اعجب ما يبصر من البنيان ، شرفها الله عن قريب بالأذان ، بلطفه وكريم صنعه . وزى النصرانيات فى هذه المدينة زى نساء المسلمين ، فصيحات الالسن ، ملتحفات منتقبات ، خرجن فى هذا العيد المذكور ، وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائقة وانتقبن بالنقب الملونة ، وانتعلن الاخفاف المذهبة وبرزن لكننائسهن ، أو كنسهن ، حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلى والتخضب والتعطر فتذكرنا على جهة الدعابة الادبية قول الشاعر :

ان من يدخل الكنيسة يوما

يلق فيها جآذرا وظباءا

ونعوذ الله من وصف يدخل مدخل اللغو ، ويؤدى الى أباطيل اللهو ، ونعوذ به من تقييد ، يؤدى الى تفنيد ، انه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة " .

وتلاحظون كم كانت فورة الحماسة فى نفس رحالنا لدى هذا المشهد : - انه يضع الكنيسة بين اجمل كنائس الدنيا ، ويعتبرها تخطف الابصار بساطع شعاعها ، وتحدث فى النفوس فتنة لا تقاوم ، حتى ليستعيذ الله من فتنتها . لقد كان هذا المسلم التقى عائدا حينئذ من مكة حيث ادى فريضة الحج ، فليس فى وسعه اذن ان يخضع للفتنة وينساق الى التحمس للمعبد النصرانى

غير ان ابن جبير ، على الرغم مما فيه من غيرة اسلامية ، ليس فى وسعه ان ينسى ، ولا يعرف كيف ينسى ، انه انسان بكل ما فى الكلمة من معنى ، ومن حرية ومنطق . ولهذا يصعب عليه - بل يستحيل - ان يصرف نظره عن ذلك المشهد الذى تبدى لعينيه فى عيد الميلاد ذاك حيث يمضى العديد من نساء باليرمو النورمانديات الحسان للصلاة فى كنيسة المارتورانا .

لقد كاد ابن جبير أن يقع في الفتنة اذن كأى فان مثله - وكل نياته الخيرة تأثرت بتلك البهارج الباطلة . ونحن البشر الفانين مثله أول من يجد له العذر .

اشترك في نشرتنا البريدية