ارهاصات الرحلة
فى عام ١٣٨٩ ه وجه الينا أمير منطقة الباحة ، سعود بن عبد الرحمن السديرى . دعوة كريمة ، لزيارة منطقة الباحة ، بجنوب المملكة . فرغبنا اليه - وقتها - فى أن يفضل بتأجيل هذه الدعوة ، حتى يحل صيف العام القادم ، وهو عامنا الهجرى الحالى ( ١٣٩٠ ) . . فأفضل بالقبول . . ومضت الايام بعدها سراعا تباعا ، وكل منا منهمك فى مشاغله وأعماله ، وقد نسينا موضوع الدعوة فى غمرة الأفكار والأشغال ، ولكنه لم ينس . . اذ تلقيت منه - بأخرة - خطابا لطيفا مشبعا بروح الادب والكرم والوفاء ، مؤرخا فى ٢٥ صفر ١٣٩٠ ه وقد جاء فيه :
(( يسرني أن أذكركم والأخوة الأعزاء بوعدكم بزيارة أخيكم التى أجلتموها فى العام الماضى ، الى أول صيف هذا العام ، حيث بدا الصيف الآن ، والظروف مواتية للزيارة ، مؤكدا ترحيبى الحار بكم الخ )) .
وعندها رأيت أن لا بد من اعلام الاخوان : علي حافظ ، ومحمد حسين أصفهاني ، وعبد القادر طاهر ، بالرسالة الواردة من سعادته ، وقد أبدوا الموافق على الرحلة . . فأبرقت الى الامير المفضال بذلك . وبعد تبادل برقيات ، حددنا موعدا معينا لبدء الرحلة من جدة الى الباحة ، ولكن حدث يومئذ لأحدنا ما لم يكن فى الحسبان ، مما اضطرنا الى طلب تأجيل ثان للرحلة ، ثم اتفقنا على أن نكون بيوم الاربعاء ١٤ ربيع الاول ١٣٩٠ ه . . وقد أبرقت له بذلك فوافانى رده البرقى ويتضمن قوله :
(( تسلمت برقيتكم الجوابية لبرقيتي فى هذا اليوم . مقدرا مشاعركم الطيبة . ولا مانع لدي ، من تأجيل الرحلة ليوم الاربعاء من الاسبوع القادم الموافق ١٤ منه ، ما دام ذلك متفقا وظروفكم ، مؤملين أن يكون التأجيل كذلك من أسباب مرافقة بقية الاخوان . بخصوص السيارة : يحسن امتطاء سيارتكم الى الطائف فقط . ومن الطائف ستكون سيارتنا الأكثر احتمالا لطرق المنطقة ، فى انتظاركم ، فى الصباح الباكر من يوم الاربعاء المشار اليه فى بيتنا بالطائف - الشهداء الجنوبية المطلة على حوايا . رقم الهاتف الآلي ٢٢٧١٣ مكررا ترحيبى بكم وبالاخوان والى اللقاء ان شاء الله . ( الباحة )
وعلى ضوء هذا التخطيط الحكيم رتبنا أمورنا ، وقررنا أن يكون سفرنا فى اليوم الموعود من جدة بالساعة الثانية عشرة والنصف من صبيحة يوم الاربعاء المتفق عليه ، وذلك حسب التوقيت الغروبى لمدينة جدة . . فقمنا من جدة مبكرين. وبعد ساعة كنا فى مكة المكرمة . وقد عن لنا فيها ان نعرج على مكتبة الثقافة فى شارع الغزة ، لكى نأخذ منها كمية من صحف اليوم نفسه التى تحدثت عن افتتاح أمير منطقة الباحة مشروع كهرباء هناك . ولكننا مع الاسف لم نجد ما نريد فى المكتبة . وحدث ان انسل من بيننا الزميل عبد القادر طاهر ، فبحثنا عنه فأعيانا معرفة مكانه ، الى أن جاء السائق وأخبرنا بأنه تركه يشترى لنا كبابا مشويا . . فانتظرناه على مضض حتى عاد الينا ومعه الكباب المشوي والخبز الحوارى ، تفوح منهما رائحة عبقة شهية ، ولم نكن تناولنا بعد ، طعام الافطار . . وكانت قطع الكباب التى تشبه الأصابع وكان الخبز الحوارى ملفوفين معا فى كيس ورق أصفر من نوع هذه الاكياس الرخيصة الثمن التى يضع فيها الباعة البضائع التى يشتريها منهم
الزبائن . . وقد رأيتنا بعد هنيهة ونحن نلتهم هذا الافطار اللذيذ المفاجئ . وحينما شبعنا كان الظمأ يحرق حلوقنا فملنا الى دكان مثلجات فى (( حوض البقر )) وأخذنا منه ماءا مثلجا وأطفأنا به اللهب الذى كان يشتعل . . وسرعان ما خرج عبد القادر طاهر من السيارة مرة أخرى ومعه بقية الزاد الطازج ، فناوله شخصا كان يقف فى الدكان الذى أتانا بالماء المثلج ، وتسلمه منه . . فأفاده وأراحنا . .
عبر الطريق
انطلقت بنا سيارة البيجو كالقذيفة . وكنا نرى السيارات أمامنا بعيدة عنا ، وما هى الا دقيقة أو دقيقتان واذا بنا نلحقها ثم نتجاوزها ، ونمضى قدما ، وتتخلف هى الى الوراء ، ثم تختفى عنا فى الأفق البعيد الذى تركناه وراءنا . . وكان الجو ملتهبا ، والشمس ترسل شواظ أشعتها على الجبال المحيطة بنا ، فتزداد حرارة الطريق بازدياد حرارة الآفاق . وقد أثرت حرارة الجو الملتهبة من حرارة وعاء الماء فى السيارة ، فلحقها بعض الابطاء من جراء ذلك ، فرأى السائق أن يقفها بجانب المقهى الذى كان
هناك حتى يخف وقدتها . . ومن ثم دلفنا الى داخل المقهى الصحراوى وشربنا الماء البارد ، وارتشفنا كؤوس الشاى المنعنع . . وما ان أحسسنا بشئ من النشاط يسرى فى أوصالنا حتى كانت حرارة وعاء الماء فى السيارة قد خفت حدتها . فزاده السائق ماءا . . وأغلق فمها المهروت اغلاقا محكما وآذننا بالمسير . وكذلك بدأنا فى الصعود المندرج على جبل كرى الشاهق . وقد قدت صخوره قدا . وشقت بعض جباله الهم العالية شقا . وفرش عليه هذا البساط المسود القاتم الكثيف الأملس المعروف بالاسفلت ، وما برحنا فى صعود متواصل اشبه بالصعود العمودى حتى بلغنا (( المعسل )) . . ذا الينابيع الفياضة من رؤوس الجبال فوقه . . فشربنا من مائه العذب شربة هنية . ونفحنا الشيخ الهرم الذى سقانا من قلله (( المحكوكة )) الباردة هذا النمير الزلال . . وسرعان ما استأنفنا السير صوب قمة الجبل . . الى الهدة . فالطائف . .
في مدينة الطائف
والطائف مدينة قديمة . لعلها من أقدم مدن المملكة . وهى مصطاف مكة فى الجاهلية والاسلام . وبها الحدائق الغناء ، وكروم العنب وأشجار الفواكه . وقد شملتها عناية الحكومة السعودية ، خاصة بعد ربطها بمكة والرياض . بالخط الجبلي الجبار فى غربيها . ثم بالخط المستقيم المديد فى شرقيها . . وقد اتسعت رفعة مدينة الطائف . وازدانت بالدارات والقصور والمعارض . وبعمارات السكن الشاهقة . . وتطورت المدينة بمد الاسفلت فى مختلف شوارعها . . وزاد من تطورها تشذيب
شوارعها المتعرجة الضيقة وتوسعتها وتقويمها وتنظيمها وازدراعها بمختلف الأزهار والاشجار . .
وقد اخترقنا مدينة الطائف من غربها الى شرقها ، فجنوبها ، ووقفنا بسيارتنا عند دارة مضيفنا فى شطر الطائف الجنوبى . . ودخلنا الدارة الأنيقة التى يدل بناؤها وتصميمها على ذوق صاحبها . . وغسلنا أيدينا ووجوهنا وأخذنا قسطا من الراحة ثم نهضنا وتوضأنا وصلينا الظهر والعصر قصرا وجمعا . فنحن قوم مسافرون . . ثم دعينا الى طعام الغداء . فأكلنا منه ما أشبعنا وكان طيبا لذيذا . . وأبقينا ما زاد عن شبعنا . . وكنا فى هذا على المنهج الذى قال عنه الشاعر مع بعض تصرف :
( أكلنا ) وأبقينا على الارض فضلة
وللأرض من ( أكل ) الكرام نصيب
ثم ارتشفنا كؤوس الشاى المترعة وأكواب القهوة المطعمة بحب الهان ( الهيل ) . . وتنادينا باستئناف الرحلة . فان عقارب الساعة الآن تشير الى الساعة السابعة والنصف بالتوقيت الغروبى المحلى . والطريق مجهول بالنسبة لنا فى طبيعته وفى مسافته ، فما طرقت أقدام أحد منا هذا الطريق من قبل .
وعلى ذكر الطريق فقد حاولنا أن ندرك أبعاده ، وأن نعرف طوله وطبيعته ، فما وجدنا القول الفصل لا فى هذا ولا فى ذاك لا بجدة ، ولا فى مكة . وما وقفنا على حقيقة المسافة والطبيعة الا فى الطائف . . قال لنا بعضهم فى جدة ان مسافة الطريق بعد الطائف الى الباحة هى ١٥٠ كيلومترا . وأضاف آخر . هذه المسافة الى الطريق المسفلت الذى يبلغ امتداده ٨٣ كيلومترا .
ومجموع ذلك ( ٢٣٣ ) كيلومترا ، ولم يبعد من قال بهذا القول عن الواقع . . وان كان يغشاه فى أنظارنا ضباب من الشك والحيرة والاشتباه . .
وكان للرحلة برنامج ( غير مكتوب ) متفق عليه بين الضيوف والمضيف . والمادة الاولى من هذا البرنامج تقرر النزول فى بيته بالطائف والغداء به . والمادة الثانية ابقاء سيارة البيجو العائدة لراقم هذه الحروف عند دار المضيف بالطائف . والمادة الثالثة امتطاء سيارته الى الباحة . . وهكذا
وعلى هذا فقد أبقينا سيارة البيجو وسائقها سعيد جبريل فى الطائف فى انتظار عودتنا لنمتطيها من الطائف عودا الى جدة . . ووصينا السائق بأن ينتظرنا فى يوم السبت وبأن لا يريم حولا عن البيت الذى تركناه هو وسيارته فيه .
وأطلق السائق عبدالله الغامدى العنان لسيارة الونيت الخضراء ، فانطلقت فوقه انطلاق السهم من الرمية ، وما زلنا نسير فوق هذا الخط المسفلت الجيد البناء والتصميم حتى بلغنا الكيلو الثالث والثمانين الى الجنوب .
ومن ثم انزلقت السيارة الى الطريق الذى لم يرتق بعد الى طور السفلتة ، وانما كان يدور فى فلك التمهيد والتعبيد ..
وبدأنا فى التوغل فى المنطقة الجبلية ، وتكاثرت المنخفضات والمرتفعات أمامنا ، وكنا نشاهد عشرات العمال وهم مقبلون بكليتهم اما فى بناء جسور هائلة فى أغوار الأودية العميقة ، واما فى تمهيد أرض الطريق وازاحة الجلاميد عنه بوساطة هذه الآلات الجبارة الحديثة التى تزمجر فوقه زمجره أشد من زمجرة الاسود . . ومن ثم دخلنا
فى أودية متلاحقفة يجللها شجر السدر الذى يثمر (( النبق )) . . لقد دخلنا فى أخريات أرض بلحارث ، ومنذ أمد كنا تجاوزنا من دارهم (( غزايل )) التى هى آخر نقطة وصل اليها امتداد الخط المسفلت من الطائف . ثم قيل لنا : هذه أرض بنى مالك وبلادهم . وبعد أرض بنى مالك دخلنا بلاد زهران . وقد لاحظت اختلاف سمات الارض هنا عما كانت عليه من قبل . . فقد زاد اخضرارها بالعشب . وازداد اخضرار الاشجار عما شاهدناه من قبل ، ومعنى هذا تغير طبيعة الجو والارض ، ثم شاهدنا لأول مرة هذه الحقول الجبلية الصغيرة المباركة المدرجة المتماوجة فيها سنابل البر - بضم الباء - ، وشاهدنا هذا البر المزروع فى (( مدرجاته )) الجميلة المنظمة فى رؤوس الجبال وما يقرب من رؤوسها ، شاهدناه أصفر ذهبيا قد آن حصاده . .
ارتفاع وانخفاض
واشتد ارتفاع ما يرتفع من الجبال . وانخفاض ما ينخفض من الأودية . ولمسنا هذا على مقدمة سيارتنا التى صار ارتفاعها اذا ارتفعت أو ارتفعت بها الجبال - عموديا ، واذا انخفضت كان انخفاضها عموديا ، وعن لأحدنا ( عبد القادر طاهر ) ان يقترح بالمناسبة ، انشاء مؤسسة فرعية للخطوط الجوية السعودية فى الطائف ، تكون مهمة طائراتها (( الحوامة )) - أى (( الهيلكوبتر )) ان تنقل قاصدى السراة جيئة وذهابا ، ريثما يتم سفلتة الطريق . . وذلك لأن من الناس أصحاب أشغال مستعجلة ، ومنهم من يفضل فى قضائها الاسراع بهذا القضاء . . وتجنب المرتفعات والمنخفضات . . ولم نكن علمنا وقتذاك ان الآلات الهائلة تملأ الطريق ، بهديرها وتحركاتها الفعالة فى
تذليل الجبال ونسفها من جذورها لتقيم عليها طريقا جميلا مسفلتا ، زينة طرق الدنيا . .
طرق كطرق لبنان
وقد شاهدنا فيما بعد ، ان الطرق التى هى بسبيل الشق والتعبير والسفلتة فى هذه المنطقة الساحرة الناضرة ، ذات الجبال الشامخة ، والأودية العميقة الأغوار ، وذات الجو العبق ، والخضرة الكاسية للجبال والأودية وكل مكان ، فى أشجار وأعشاب وحقول ، وذات الطلعات والنزلات - هى فى طبيعتها وشكلها ووصفها وحياة أهلها ، شبيهة بطرق لبنان تماما . . وبجو لبنان وسحره وصحوه وسحابه وفتنته للناظرين ، وفيها مياه متدفقة ، ومياه متسربة من أعالى الجبال الى أسافلها . . لها صفات من صفات الصفا وزحلة ونبع الباروك والشاغور وجبل الأرز ، ولها طبيعتها ، وفيها صعودها وهبوطها والتواءاتها ، وقنن جبالها وقيعانها وتفرعاتها ومناظرها ، وبها مثل غاباتها الشجراء الملتفة الأغصان . ولها مثل قراها الجاثمة على رؤوس الجبال وفيها مدرجات جبلية مزروعة كمدرجاتها (١) ، وحدائق كحدائقها ، وأزهار
كأزهارها ، وفواكه كفواكهها . . والفرق بينها وبين طرق لبنان وقراها وجبالها أمران : أحدهما ان طرق لبنان كلها مسفلتة ، والآخر ان قرى لبنان كلها مضاءة بالكهرباء . . وهذان الفرقان فى طريقهما الى الزوال والاضمحلال . . فالطرق سائر تعبيدها ثم سفلتها على قدم وساق. والكهرباء بدأت تدخل المدن والقرى فى هذه المنطقة . . ففى الباحة والظفير كهرباء عمومية تضيء منازلها ومساجدهاودكاكينها . وفى بلدة السوق على ما أذكر كذلك . وفى قرية ربوع قريش كذلك وفى غيرها وغيرها . والاتجاه يسوق الواعين من أهل هذه المنطقة الى اضاءة قراها وذراها بالكهرباء . . وقد بدأت هذه الحركة الميمونة بشركات وطنية صغيرة . وغدا تكبر الشركات ، فتكبر المدن وتكبر القرى فتضاهى منطقة الباحة ، لبنان عندئذ فى كل شئ . . وهناك فرق صغير ثالث يتمثل فى أن قرى لبنان أغلبها مبني بالاسمنت المسلح ، وهذا الفرق أيضا مآله الى الزوال القريب ان شاء الله ، لانه اذا سفلتت الطرق الاصلية والفرعية هنا ، سهل عندها جلب الاسمنت من المنطقة الغربية التى لا يفصل بينها وبين منطقة الباحة فى مكان صناعة الاسمنت سوى مسافة تناهز أربعمائة كيلومتر ، وهذه مسافة ضئيلة بالنسبة للسيارات والطريق المسفلت . .
ونقل الاسمنت منها على كبيرات السيارات ومتوسطاتها يوم تسفلت الطرق قاطبة أمر سهل ميسور . . ووسائل المواصلات فى رأس قائمتها اليوم مد هذا الاسفلت فى جوانبها وانحاثها . . وسيكون بمثابة الشرايين التى تنقل الدم الى سائر أجهزة جسم الانسان . . والحكومة العربية السعودية جادة فى تحقيق هذا المطلب
كل الجد ، قائمة به كل القيام ، مستعدة لانجازه فى أقرب الفرص الممكنة ، بما هيء لها من وسائل وامكانات ومعدات حديثة ذات جبروت وفعالية وطاقة خارقة .
معدات وزارة المواصلات ومعدات ابن لادن
وتسهم معدات وزارة المواصلات ومعدات ابن لادن فى عمليات التمهيد والسفلتة . . وهذه ازدواجية ذات أثر باهر فى سرعة انجاز المشروع العملاق الحالى ، زميل مشروع طريق جبل كرى . . وحينما دخلنا أرض وجبال وادى مشوقب (٢) التى تبعد عن الطائف بنحو ١٢٥ كيلومترا على ما قال لنا السائق المعاود : عبد الله الغامدى راعتنا هذه الكتل الحديدية المتراصة فى الطريق , المتحركة ، الصفراء اللون ، الجبلية الهياكل - راعتنا وهى تنسف الجبال نسفا ، وتشقها شقا ، لتبسط مادة الاسفلت فوقها . . والجبال هنا جرانيتية وحرية ، فهى صلبة كلها ، وهى وعرة وقاسية كلها . . وهى عالية وشامخة كلها . ويقدر علو الجبال يكون انخفاض أوديتها . . وهكذا تجمع طبيعة الارض : الارتفاع والانخفاض فى أكمل معانيهما . وقد تذكرت وأنا اتأمل هذه الحركة العظيمة ، وهذه الطاقة . العظيمة ، تنطلق
انطلاقة المردة من الجن هنا . . تذكرت قول الشاعر الحكيم :
على قدر أهل العزم تأتى العزائم
وتأتى على قدر الكرام المكارم
وتعظم فى عين الصغير صغارها
وتصغر فى عين العظيم العظائم
وقدرت انه لو عاد الينا من العالم الآخر بعض الآدميين القدامى ، وشاهدوا جبروت طاقة هذه الآلات الهدارة الجبارة ، وشاهدوا كيف تلهو بحياة هذه الكتل الصلدة من الجبال وتحيلها رمادا أو شبه رماد ، فى عمليات تمهيدها للطرق الجبلية الوعرة - لجزموا بأن هذه الآلات هى من الجن أو من صنع الجن والعفاريت النفاريت . . والحقيقة الصارخة المعلومة انها ليست بجن وليست من عمل الجن أيضا ، انها من عمل الانسان وانه (( العلم )) يأتى بالغرائب والمدهشات : ( علم الانسان ما لم يعلم ) . . وآية ذلك انه عندما تبارى (( العالم الانسانى )) مع (( العفريت الجنى ) فى مجلس النبى سليمان عليه السلام ، حيال استحضار عرش ملكة سبأ بأسرع وقت ممكن . . تبجح العفريت الجني بأنه فى استطاعته نقل العرش من مكانه الى مجلس سليمان قبل أن يقوم من مقامه . . ووصف نفسه بالقوة . . عندها . . ولكن العالم الانسانى تفوق عليه بالعلم فعرض انه بامكانه أن يأتى بعرش الملكة من محله الى مجلس سليمان قبل أن يرتد اليه طرفه . . وها هو ذا العلم اليوم يخترق أجواز الفضاء ويصعد بالانسان الى القمر المنير البعيد . .
علو يزداد . .
وفى الكيلو١٣٤ ادركنا ان ارتفاعنا يزداد . وعندما هبطنا الى وادى ((شمرخ )) - بضم الشين المثلثة وسكون الميم وضم الراء - وصف لنا السائق عبد الله الغامدى كثرة القرود هنا . ويسميها السعادين جمع سعدان (٣) . ويبعد شمرخ عن الطائف بنحو ١٥٢ كيلومترا ، ويكتظ وادى شمرخ الذى يدعى أيضا باسم (( نخال )) بأدواح السدر ، وفى الوادى نبات الطرف - بكسر الطاء وسكون الراء - الذى كانت (( المساند )) تحشى به قبل عهد التطور الحالى فى أثاث المنازل . وقد أهمل استعمال المساند تقريبا فأهمل باهماله جلب الطرف وبيعه على القطانين الذين كانوا يشترونه .
في سبيحة ومحوية
سبيحة - بفتح السين المهملة - هو اسم للوادى الذى يطل عليه جبل سبيحة عن اليمين منه ، وقيل لنا انه يبعد عن الطائف بنحو ١٦٠ كيلومترا .
وسبيحة أول جبل شامخ يتسنمه الطريق الى الباحة .
وقد تضاعف فى سبيحة ما على الارض من زينة الاشجار وزينة النبات . فما اشبه أرض هذه المنطقة المعطاء فى سهل وفى جبل ، وفى اودية - بارض لبنان أيضا . . وخاصة فى ذلك الطريق المتسلق الذى يصعده الانسان الى مغارة جعيتة والى الأرز (٤) .
نظام المدرجات الزراعية
هنا نظام زراعى متبع فى سائر انحاء
المنطقة . وهذا النظام هو بناء المدرجات العريضة المديدة بقدر الامكان فى أعالى الجبال وأواسطها وسفوحها القريبة من الأواسط . . وذلك من أجل زراعة البر العثري (*) فيها خاصة . . ويقابل هذا النظام ، نظام آخر هو اقامة الاحواض المعتادة فى سهول الأودية . لتزرع بها حبوب البر ، وتسقى اما بالمياه الجارية اذا كانت قريبة وتسمى فى هذه الحالة : (( المسقوي )) - أو بماء السماء وتدخل فى نظام (( العثرى )) .
واعتقد ان ما يسقى من مدرجات البر وحقوله بالماء المستنبط أو الجارى على وجه الارض هو أضخم حبوبا ، وأغزر انتاجا ، مما يسقى بمياه الأمطار التى قد تتوقف فى أيام الحاجة اليها ، وبناء هذه المدرجات وسقياها بالمطر هما خير على كل حال وأجدى نفعا من ابقاء الارض ، خالية بدون زراعة ، فشئ خير من لا شئ . .
وأرى أن طبيعة أرضهم الجبلية الضيقة المساحات ، هى التى اوحت لهم بهذا النظام ولو أن اهل المنطقة لم يستعملوا هذا النظام فى زراعة البر ، واكتفوا بزراعته فى أوديتهم لجاء انتاجه منها قليلا جدا ، وغير كاف لتأمين غذانهم المفضل . . والحاجة كما يقولون ام الاختراع . . و ( علم الانسان ما لم يعلم ) .
ولربما كان أهل هذه المنطقة الجبلية المتوغلة فى الارتفاع والمعنة فى الانغلاق على نفسها هم أساتيذ العالم وأقصد بالعالم هنا - العالم الجبى - أى الناس الذين يسكنون الجبال المماثلة ، فى ايجاد هذا النظام على ما رأيناه فى لبنان مثلا . وذلك لأنهم - كما أشرنا اليه منعزلون عن الناس ، وتجاربهم فى الزراعة مستوحاة من حاجتهم
ومن طبيعة بلادهم معا ، وهى قديمة ومتوارثة لديهم . . يرثها جيل لاحق عن جيل سابق وهكذا . صعدا ، الى ما لا نعلمه الآن من سحيق الأجيال . . وقد يكون أسلافهم الذين نقلوا هذه الصناعة الزراعية الوطنية . من المسلمين المجاهدين الأوائل الذين أسهموا فى نشر أضواء الاسلام النيرة على ربوع العالم ابان الفتوحات الاسلامية الاولى . . فى شرق وفى غرب ، وفى شمال وجنوب . والبحث العلمى والتاريخى يظهر الحقيقة , والحقيقة بنت البحث . .
البر ، والقمح والحنطة والحب أسماء لمسمى واحد . .
هى أربعة أسماء لمسمى واحد ، وكل هذه الاسماء الاربعة تعنى نوعا معروفا ومشهورا من مزروعات الأغذية ذات السنابل . . وكل هذه الأسماء صحيحة فصيحة . . ويبدو لى أن تعدادها يعود الى أن فئات وقبائل وجهات معينة من العرب الأصلاء القدماء كانوا يستعملون بعضها . . بصفة خاصة . فلما تمازجت قبائل العرب ومدنهم وباديتهم وحاضرتهم وتوحدت فى ظل حضارة الاسلام عرف كل قبيل ما ينطق به القبيل الآخر من موضوعات هذه الأسماء . . ولكن كل جهة ومنطقة احتفظت بالاسم الذى غلب استعماله لديها على هذا المنتج الغذائى الشهير . فمثلا أهل منطقة الباحة وعسير جمعاء لا يستعملون الآن الا صيغة ( البر ) - بضم الباء - ، وأهل المنطقة الغربية ( الحجاز ) لا يستعملون الا صيغة ( الحب ) . . وقس على ذلك غيرهم . . وعندما جاء عصر تدوين اللغة العربية فى قواميس جمعت هذه القواميس كلها هذه الأسماء وأعطتها
تفسيراتها اللغوية . . الواحدة . . ومن ههنا تكاثرت المترادفات فى اللغة العربية . . و (( المترادفات )) هى ألفاظ متعددة لشئ واحد .
سبيحة ومحوية
راق لى جدا منظر قرية سبيحة فى بلاد زهران . . ولذلك سأقف عندها قليلا واضعا نصب عينى وقفة شعراء العرب القدامى فى فواتح قصائدهم على ما يروق لهم الوقوف فيه هنيهة من الاطلال والمنازل . . مع الفارق العظيم بين وقفة ووقفة . وبين عوامل وقفة واخرى . .
ان سبيحة التي مررنا بها تعطينا نموذجا مثاليا لقرية جميلة من قرى المنطقة . . جمالها يتمثل فى نظام مبانيها . . وفى منظر أوديتها العميقة المزدانة بمخضر الحقول . وحينما وقع بصرى على هذه المناظر البهية المتناسقة الجذابة سرح بى الفكر رأسا الى مناظر قرى جبل لبنان الأشم وأوديته وحقوله ، ومرتفعاته ومنخفضاته ، وجباله وسهوله . ولو أن قرية سبيحة وما يماثلها من القرى هنا مد اليها خط الاسفلت والكهرباء لما اختلفت فى أى شئ عن قرى لبنان كصوفر وسير ، وما أشبه .
وسبيحة القرية هى مقر شيخ قبيلة بنى جرير وبنى عدوان من زهران ، واسمه على ما قيل لنا : ( جمعان السبيحى ) ويبدو لى أن نسبة السبيحى الملقب بها ، هى نسبة الى قريته ( سبيحة ) .
ولا تنفرد قرية سبيحة وحدها بالجمال الفتان فلها منافسة تدعى ( محوية ) - بفتح الميم وسكون الحاء وكسر الواو ، وبعدها ياء مشددة مفتوحة . فتاء مربوطة . .
ومحوية قد حوت أفنانا من الجمال الآسر . انها تتربع على قمة جبل شامخ ، وهى فى الوقت ذاته تشرف من ذروته على حقول أشجار الفاكهة والخضراوات والبر ، المتعانقة فى واديها الجميل ..
وفى قرية ( محوية ) شاهدنا لاول مرة نوعا غريبا فريدا من المبانى لم نشهده فى حياتنا من قبل . . ويتمثل فى هذه البروج الرباعية المخروطية الشكل العالية المشادة بحجارة جبال المنطقة مركوما بعضها فوق بعض بدون ملاط ، وبها فتحات جد ضيقة وباب غير كبير . . وتعلو الجبال متسلسلة ولكن بعضها يبعد عن بعض بمقادير معينة . . اللهم الا حصنين منها شاهدناهما فى طريقنا من الباحة الى بلدة السوق ببالجرشى فانهما متلاصقان أو متقاربان جدا وتروى أحاديث عن حرب ضروس نشبت بين أخوين كانا يقيمان بكلا البرجين المتلاصقين . . وربما وضع الملاط فى بعض هذه الحصون ولكن ذلك قليل ، وهى لا تزال قائمة شامخة . . ولم نر منها برجا مهدما أو متناثرا أو منقضا الا واحدا أو اثنين .
ويبدو أن هذه الابراج أو الحصون كان أهل هذه المنطقة يعتمدون عليها فى العهود السابقة ، عهود اختلال الامن وانتشار الفوضى وعدم الاستقرار . . يعتمدون عليها فى تأمين سلامتهم وسلامة قراهم وأوديتهم من الغزوات والغارات المبيتة ، ويحمون بها كياناتهم من مفاجآت الاعداء ، ويبدو لى انها أو ان اغلبها اليوم هو قائم لمجرد القيام والذكرى ولا تستعمل لما خلقت له ، لان نور الامن الشامل قد بدد ظلام الفوضى والاضطراب . وقد دلنى تاريخ هذه المنطقة على أن هذه البروج قد بنيت فى عهود الاضطراب : عهد الاتراك وعهد آل عياض وربما بني بعضها
فى عهد المصريين وغيرهم ممن استولوا على هذه المنطقة (*)
في قرية القسمة :
وقرية القسمة - بفتح القاف والسين والميم بعدها تاء مربوطة - تضارع قريتي سبيحة ومحوية فى جمال الموقع والمنظر ، وتقع بعد شعب (( هملان )) . . وهذا الشعب هو الآخر فى غاية الحسن والبهاء ، وهو مكتظ بالحدائق ذات البهجة , وبالبيوت المسكونة الحجرية التقليدية البناء التى لا ملاط بينها (٥) ، وقيل لنا انه يملكه شخص واحد لا يزال على قيد الحياة . واسم هذا الشخص المالك هو (( هملان )) . وحينما تملكه كله أنشأ به الحدائق الغلب ، وبنى المنازل التى نراها رأي العين ، فصار قرية لمفرد أو شبه قرية لواحد ، ويجرى الماء سلسلا فى وادى هملان ، يروى حقول الفواكه والاعناب والخضراوات والبر ، ويقطع هذا الماء الجارى الطريق العام الى الباحة . . ولقد وقفت على حافته الشمالية سيارتنا ليأخذ منه السائق ما يملأ وعاءها المائى . وجاءت من قبل الجنوب سيارة مرسيدس كبيرة فى الاتجاه المقابل لنا ، ووقفت على الشاطئ المقابل من مجرى الماء فى ناحيته الجنوبية ، لأن
سيارتنا الواقفة على شاطئه الشمالى قد سدت عليها الطريق فأسرع سائق سيارتنا الى ملء وعاء ماء سيارته . . وعدنا أدراجنا اليها بسرعة ، ورجعها الى الوراء وفتح بذلك الطريق للسيارة الكبيرة القادمة . . فمرت منه بسلام وسارت فى طريقها صوب الطائف ، وسرنا بعدها فى طريقنا صوب الباحة . . وكما خاضت الماء الجارى فى الطريق خضناه بسيارتنا . . سواء بسواء . ولأول مرة أشاهد هذا النوع من نبات السعدان العجيب الشكل ، اللطيف الزهر ، فهو نبات لا ساق له ، وبأعلاه مجموعة متناقضة تتمثل فى أشواك طويلة مسنونة جدا . . وفوقها زهرات كبيرة فى غاية الروعة ولونها بين أصفر فاقع ، وأزرق شديد الزرقة وكلاهما فاتح اللون ، ولا يخلو الزهر هذا من بعض صلابة اكتسبها من أصله ومن أشواكه وتأكله الابل فتسمن ويطيب لبنها ، وفى المثل : ماء ولا كصداء ، ومرعى ولا كالسعدان ، وحسك السعدان شوكه (٦) .
وقد ذكرنى منظر السعدان المرعب الجذاب فى آن واحد ، بمنظر أشجار الورد وأشواكه وأزهاره . . والفرق بينهما فى لون الزهر ، وفى رائحته . فلزهر الورد رائحة زكية . . وأما زهر السعدان فلا رائحة له . . وزهر الورد لين الملمس الى حد انه يكاد يذوب بين أصابع القاطف واللامس . . أما زهر السعدان فبسط شديد طويل . . ويجمع بين الزهرين انهما محفوفان بالاشواك ، بيد أن اشواك زهر الورد قصيرة وضئيلة ولكنها حادة جدا . . وأشواك زهر السعدان طويلة مديدة مرعبة وهى أحد وأشد من أشواك الورد على كل حال . . والورد شجر ذو اغصان وأوراق وسيقان ، والسعدان نبات لا ساق له ولا أغصان له ولا أوراق .
وقد رأيت نبت السعدان أيضا فى الباحة حول دارتنا القائمة على رأس جبيل صغير كأنه تل . . ولا يختلف هذا النبت فى شئ عن شقيقه فى شعب هملان . .
ووادى هملان تابع لمركز ربوع قريش زهران . وقد كنا وصلنا اليه فى الساعة الحادية عشرة مساء بالتوقيت الغروبى . . ثم دخلنا الى وادى (( دحيس )) - بفتح الدال المهملة - بعد ربوع قريش زهران ثم دخلنا ( ريع الوداف ) - بفتح الواو بعدها دال مهملة فألف ففاء - ولاول مرة فى حياتنا شاهدنا اشجار اللوز البجلى المعروف لدينا ثمره بالحجاز وهو ناضح ويابس . . واشجار اللوز ذات قامات مديدة وقدود رشيقة ، وورق أخضر يميل الى الانفتاح . . وهناك أشجار المشمش ودوالى العنب أو الحبل - بفتح الحاء والباء وبلام فى آخر الكلمة - كما يسمون العنب (٧) والبرشومى ( التين الشوكى )
قرية مركز الربوع
ألا ما أجمل قرية مركز الربوع . وفى هذه القرية رأينا لأول مرة (( حصنا )) مستديرا مخروطى الشكل . والى جانبه بعيدا عنه بعض الشئ حصن اخر يزامله فى المراقبة والحراسة والدفاع اذا ألزم الامر .
وهذا فى العهود السابقة . والآن كل هذه الحصون اصبحت آثارا من الآثار . وفوق جبل الغمدة - بفتح الغين واللام - حصن مربع اخذت رسمه فى هذا العدد للتعريف والذكرى . .
تقام سوق الاربعاء من كل أسبوع فى قرية ربوع قريش زهران . وقرية ربوع قريش زهران هى أول قرية نستقبلها تضاء بالكهرباء العمومية . . هو تطور حميد وقفزة عالية تكون بها هذه القرية النموذجية مثالا يحتذى لبقية القرى المجاورة .
وتحت قرية الربوع مزارعها النضرة المتعانقة الممتدة فى أوديتها الملتوية , وبحقولها جداول مفعمة بالزراعة ما بين مربع ومخمس ومستدير . . حسب طبيعة الموقع التى هى به من الوادى .
شعب العرعر وما يليه
ولاول مرة فى حياتنا شاهدنا شجر العرعر الذى طبقت شهرته بلادنا وكانت جذوعه تورد الى الطائف فى الستينات من هذا القرن الهجرى بكثرة كاثرة أيام كانت سقوف المنازل والدكاكين تبنى بجذوع الاشجار ، فكان لجذوع شجر العرعر نصيب الاسد ، لمتانته وصلابته واستقامة أعواده ولتحمله الاثقال . . أثقال التراب الذى كان يبسط عليها لحماية المنازل والدكاكين من ان تنزل الامطار عليها عبر سقوفها .
وشجر العرعر ذو رائحة عبقة ، لكأن رائحته وهو جاف ومقشر ، رائحة طيب زكى الرائحة . . وقد وضعت على مكتب مجلة (( المنهل )) قطعة مربعة منه أزلت عنها لحاءها ، وربعها لى النجار . . وشجر العرعر يقع فى شعب العرعر (٨) فوق
وادى الحنوة - بفتح الحاء وسكون النون - وهو واد زراعى ، وشجر العرعر يشبه فى شكله العام ، فى الجذوع والاوراق والطول ، شجر الصنوبر الذى شاهدناه بجبال لبنان . لا يمكن ان يفرق بينهما نظر الناظر من بعيد مطلقا . . والفرق الوحيد بينهما أن شجر الصنوبر يثمر ثمرا مستطيلا يؤكل . أما شجر العرعر فثمره مستدير أخضر ناضر اذا كان جديدا أصفر من حب الحمص . وقد وصفه بعض اللغويين القدامى وصفا دقيقا وقال انه حلو إذا يبس ويؤكل ، وقال آخر انه يستخرج منه القطران . وقد شاهدت فى سوق الباحة الأسبوعية قطرانه معبأ فى علب من الصفيح . وقد أخذت من ثمره جملة صالحة فى غابة العرعر الكبرى ، غابة رغدان ، وبعثت به مع رسالة الى عميد كلية العلوم بجامعة الرياض سعادة الدكتور رضا عبيد . رجاء تحليله والافادة بمزاياه .
اجابة الدكتور رضا عبيد
وقد تلقينا من الدكتور رضا عبيد عميد كلية العلوم بجامعة الرياض الرسالة الجوابية المؤرخة فى ٢-٤-١٣٩٠ ه وذات الرقم ١١/١٨٨ ، وهذا نصها :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . وبعد :
تسلمت رسالتكم الكريمة ومعها الظرف الذى بداخله عينة من ثمار أشجار العرعر وقد بعثته لقسم النبات الذى يشكركم على العينة كما أشفع لكم تقرير القسم عن هذه النباتات المعروفة بالنباتات عاريات البذور . شاكرين لكم تعاونكم ونحن يسعدنا دائما
أن تبعثوا لنا بما تصادفونه فى رحلاتكم ولكم منى خالص الشكر والتقدير .
وهذا نص التقرير المشار اليه فى الرسالة والصادر من القسم المختص بالنباتات فى كلية العلوم :
سيادة الاستاذ الدكتور عميد كلية العلوم
بعد التحية : العينة التى تفضلتم بارسالها الي ، هى مخاريط أنثوية ( cones) لنبات العرعر Juniperus procera
الذى ينمو فى المنطقة الغربية مكونا غابات كثيفة فى أعالى الجبال فوق ارتفاع ٢٠٠٠ متر تقريبا ، ولا ينمو فى المستويات المنخفضة وهو أكثر انتشارا فى منطقة عسير فى الجنوب منه فى الطائف وبلاد غامد فى الشمال لان القمم فى الجنوب أكثر ارتفاعا والأمطار أغزر .
والعرعر أشجار مخروطية الشكل صغيرة الاوراق وتتبع قسم النباتات عاريات البذور التى يتبعها أيضا شجر الصنوبر والارز وغيرها كثير وهى ليست بالنباتات الزهرية ولكنها تتميز بافراز مواد راتنجية resins وزيوت طيارة (Volatile oils) وكلها زكية الرائحة والرتبة التى ينتمى اليها هذا النبات من رتب عاريات البذور تسمى رتبة المخروطيات . ( Conferales ) ولسيادتكم فائق تحياتى .
ثم أقبلنا على وادى شبرفة - وينطقونه بضم الشين المثلثة وسكون الباء الموحدة
وضم الراء بعدها قاف مفتوحة ، فتاء مربوطة - وفيه قرى زهرانية منها قرية الشيخ غرم الله بن عصيدان شيخ بنى حسن .
وبعد وادى شبرقة كنا فى وادى بنى يسار ، ومن وادى بنى يسار كنا على رهوة البر - بضم الباء - ومن رهوة البر يأتي وادى تربة . ومن ثم مضينا صوب رغدان ، ومن رغدان الى الباحة .
قبيل الباحة
قبيل أن ندخل مدينة الباحة بنحو ١٥ كيلو مترا شاهدنا تألق أنوار على جبل يرتفع أمامنا فى الطريق . . وقد بادر السائق باعلامنا انها أضواء الأمير سعود السديرى ، فذلك هو المكان الذى اعتاد أن يستقبل فيه ضيوفه . . وعندما وصلنا المكان ترجلنا من السيارة وأقبلنا على مصافحة الأمير ، وقد رحب بنا فى بشاشة غير متكلفة . أما نحن فقد غمرتنا الفرحة بملاقاته وبوصولنا سالمين الى الهدف الذى كنا نقصده .
وكان مع الامير الشاب . بعض أنجاله فصافحناهم . ومعه بعض رجاله فسلمنا عليهم . وجلسنا معه فى مكان براح جميل ترفرف عليه نسمات السراة (٩) ، المنعشة الهفافة . . ورأينا القمر المنير يطل علينا من وراء الجبل الذى نحن فى ذراه ، وكان القمر مسامت لنا . من شدة ارتفاعنا اليه ، على ما خيل الينا ساعتئذ . . وبعد أن ارتشفنا كؤوس الشاى والقهوة العربية الممزوجة بحب الهان . ركبنا مع الامير فى سيارته
(الفورد) البيضاء ، الى بلدة الباحة ، وما هى الا دقائق معدودة واذا بنا نخترقها من الشمال الى الجنوب . وندخل وراءها عن كثب ، مدينة الظفير ، وفى جانبها الشرقى خصصت لنا دارة أنيقة حديثة . . لقينا فيها من الراحة ليلتها ما أنسانا متاعب الرحلة الطويلة المتواصلة من جدة الى الباحة . . وقد سررنا جدا بأن كلتا الباحة والظفير مضاءة بالكهرباء . . وحينما فتح الموكل بحراسة الدارة أزرار الكهرباء وأشرقت أضواؤها الساطعة فى كل مكان كانت فرحتنا لا تقدر بثمن . ولقد ذكرتنا دارة الباحة ببيت الضيافة الذى خصص لنزولنا من قبل شركة أرامكو فى الرحلة التى سبقت بعدة أيام رحلتنا الى الباحة .
وبعد هنيهة كنا فى دار الامير . . نتناول معه طعام العشاء . . على مائدة حديثة ، ودارت احاديث عامرة بالود والأدب والذكريات الماتعة ، وبأسلوب الحكيم تحدثنا اليه ، عن بعض طرائف بعض أعضاء الوفد وبعض ملحهم - بضم الميم وفتح اللام - وما زلنا نمعن بلباقة فى هذا الحديث الظريف اللطيف المسلى حتى تفتحت له الاذهان وحتى انفتحت له سوق البيان ، فكان كالملح فى الطعام ، وسكر القوالب فى الشاى المنعنع المتقن الموزون . .
ثم ابنا الى ( دار الضيافة ) بعد أن مضى هزيع من الليل . ومع ما كنا نشعر به من تعب الرحلة المتواصلة طيلة بياض النهار وجزء من الليل فاننا كنا فى غبطة وانس شاملين . . وأسلمنا أجفاننا لنوم عميق لذيذ على سررنا الوثيرة . . وما شعرنا بأنفسنا الا بعد أذان الصبح . . فتسوكنا وتوضأنا وصلينا الصبح حاضرا ثم أطلقنا سيقاننا لرياضة المشى الصحية قبل طلوع الشمس فى الشوارع الواسعة بين الباحة والظفير .
ثم جيء لنا بأطباق الفول المدمس بالسمن البري الأصيل ، والبيض المطجن . والتميز المعجون بالسمن البرى ، - بفتح الباء - والخبز البرى - بضم الباء - والمربى ، والشاى بالحليب ، والشاى بدون حليب . وجدير بالذكر ان الذباب والبعوض يكادان ينعدمان فى منطقة الباحة .
حاصدات البر
وقد رأيت فى الباحة والظفير نساءا يحصدن البر ، وهن غامديات . ولا يحصدن البر الا اذا استبان نضجه فى سنابله . ويقمن بحصاده فى الصباح المبكر ، قبل ان تطلع الشمس ويستمررن فى الحصاد حتى يجمعن أكوما منه ثم يحزمنها حزما كبيرة ويحملنها على رؤوسهن الى البيادر حيث بجردن البر من قشوره ويصلحنه ليكون طعاما مأكولا .
حب الهميس
ولعل من هذا البر الذى شاهدناه فى مختلف أماكن المنطقة ، حب الهميس المعروف فى مكة والطائف بهذا الاسم ، وهو حب كبير الحجم ، لذيذ الطعم . . وكانت الغرائر الكبيرة منه تحمل من هذه النواحى الى الطائف حتى أواخر الستينات من هذا القرن الهجرى وما قبلها ، فتملأ سوق الطائف ، ومن ثم تنقل الى مكة وغيرها فتباع وتطحن ويعمل منها الخبز الفاخر اللذيذ . . البيتى فى البيوت ، والسوقى فى الاسواق ، فلعل خصب المنطقة يزداد ، ولعل كمية الامطار التى تنزل عليها تزيد ، فيزداد نشاط الغامديين والزهرانيين ويضاعفون الجهد ويزيدون رقع الارض التى يزرع فيها البر ، أو حب الهميس ، ليصدر الى داخل المملكة قناطير مقنطرة ، فتكون منه فوائد مزدوجة المنفعة للجالبين والشارين . وتكون به بعض
الاكتفاء فى ايجاد هذا الطعام الاصلى الذى هو قوام غذاء أهل هذه البلاد قديما وحديثا . واذا وفق الله الحكومة ، لاكمال مشروع سفلتة الطرق الذاهبة الى رؤوس الجبال فى المنطقة ، والمتشعبة الى سائر القرى والأودية ، تشعب الشرايين فى جسم الانسان ، فان تصدير هذا البر وغيره من المنتجات الزراعية ، الى خارج المنطقة من مدن المملكة ، سيكون باذن الله ، سهلا ميسورا وذا فوائد اقتصادية جمة للمصدرين والموردين على السواء . وحينئذ يعيد التاريخ نفسه فى هذا المضمار الزراعى الحيوى ، بشكل أوسع وأعم مما كان .
موقع منطقة الباحة
ومنطقة الباحة : فى غامدها وزهرانها ، من أجمل مناطق هذه البلاد ، وهى متوسطة الموقع . . بين مناطق المملكة . . تقع منطقة أبها فى جنوبها ومنطقة جازان فى جنوبها الغربى ، ونجران فى جنوبها الشرقى ، والمنطقة الغربية فى شمالها والمنطقة المتوسطة والمنطقة الشرقية فى شرقها الشمالى ، وهى لخصبها ولتوسطها قمينة بالعناية التى تلقاها ، لرفع مستواها الزراعى والاقتصادى حتى تجود بوفير الثمار والخيرات .
غامد وزهران
جاء فى كتاب (( تاريخ العرب قبل الاسلام )) لعبد الملك بن قريب الأصمعى ، بخط ابن السكيت قوله : (( واما من سكن - من الأزد - السروات فجبيلة ، وخثعم ، وثمالة ، والحجر ، ولهب ، وىاده (١٠) ، وغامد ، وسكر ، وبارق
السوداء . وحار ، وسنحان . وعلي بن عثمان ، ودوس و . . . . وحوالة ، والسوم ، وشهران ، وعمرو ، وألمع . وبرقا (١١) .
وجاء فى (( القاموس المحيط )) للفيروز آبادى : (( غامد بلا لام : قبيلة ينسب اليها الغامديون ( وهو غامد . واسمه عمرو ابن عبد الله . . ولقب به - أى بغامد - لاصلاحه أمرا كان بين قومه ) .
وفد غامد الى الرسول ( ص )
وقد حدثنا الامام ابن سعد فى طبقاته عن وفد غامد الذى قدم الى رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم فقال :
قدم وفد غامد على رسول الله ( ص ) فى شهر رمضان وهم عشرة ، فنزلوا ببقيع الغرقد ، ثم لبسوا من صالح ثيابهم ، ثم انطلقوا الى رسول الله ( ص ) فسلموا عليه وأقروا بالاسلام ، وكتب لهم رسول الله ( ص ) كتابا فيه شرائع الاسلام ، وأتوا ابى بن كعب فعلمهم قرآنا وأجازهم رسول الله ( ص ) كما يجيز الوفد وانصرفوا .
وورد فى كتاب (( الأعلام )) لخير الدين الزركلى : (( غامد ( واسمه عمرو ، أو عمر ) ابن عبد الله بن كعب بن الحارث الأزدى ، من قحطان : جد جاهلى يمانى . بنوه قبائل وبطون كثيرة . كان له من الولد سعد مناة
وظبيان (١٢) ، ومالك ، ومحمية . منازلهم وكثرتهم الى الآن فى جبال السراة ، جنوبى الطائف مائلة الى الشرق ، بين تهامة ونجد . وكانت ديارهم تسمى (( سراة غامد )) وتعرف اليوم ببلاد غامد ، وكانت لهم تبالة (١٣) من قرى الطائف . من رجالهم فى صدر الاسلام : أبو ظبيان واسمه عبد شمس بن الحارث . وقد دعا له النبي ( ص ) . وكانت معه راية قومه ، يوم القادسية ، وعبد الرحمن بن نعيم , كان والى خراسان ، وسفيان بن عوف , صاحب الصوائف الى أرض الروم )) .
أما (( زهران )) فهو زهران بن كعب بن الحارث الأزدى من قحطان أيضا وهو جد جاهلى من مالك بن نصر بن الأزد . ومن بنى زهران هذا تفرعت بطون زهران ، وهم اليوم من أكبر القبائل فى بلاد عسير بالمملكة العربية السعودية )) ( المصدر السابق ) (( مادة زهران ))
وفى كتاب عمر رفيع عن عسير ، ان (( زهران قبيلة من سكان جبل السراة ، يحدهم من الجنوب غامد )) .
ويقول عمر وفيع فى كتابه (( فى ربوع عسير - ذكريات وتاريخ )) : ( غامد قبيلة من سكان جبل السراة . . تبعد عن الطائف ست مراحل ، حضرها - بفتح الحاء , وبالضاد
المعجمة وبضم الراء المهملة - من أنور قبائل السراة ، يكثر بينهم من يحسن القراءة والكتابة ، وفيهم نشاط للكسب والعمل ) .
وجاء فى كتاب (( قلب جزيرة العرب )) لفؤاد حمزة ، بيان بالأقسام الادارية بالحجاز فى المملكة العربية السعودية بسنة ١٣٥٠ ه وقد عدد من الامارات الثمانى عشرة بالحجاز : (( امارة غامد وزهران ( ١٤ ) فى أواسط جبال الحجاز ، على محاذاة الليث شرقا )) وقال : ان مركزها بلدتا الباحة والظفير ، ومركز امارة اماراتها الآن : عام ( ١٣٩٠ ه ) هو مدينة الباحة ، التى تجاورها من كثب الى الجنوب منها . مدينة الظفير التى كانت مركز الامارة قبل نقلها الى مدينة الباحة .
و تاريخ هذه المنطقة غامض ، لم يكشف عنه اللثام بعد كما يقول الامير سعود بن عبد الرحمن السديرى فى ثبت المعلومات الراهنة الذى أفضل به على هذا العدد الخاص ، ولعزلة هذه المنطقة اداريا واجتماعيا أسدل على تاريخها ستار كثيف من الغموض قرونا متوالية . . والحوادث التى تروى من تاريخها جد ضئيلة ومتأخرة . . ومع ذلك فلا بأس من الالمام ببعضها هنا . لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله . .
يقول عمر رفيع . وهو مؤلف معاصر : (( وفى عام ١٢٥٢ ه غزا الأمير عائض ( غامدا ) و ( زهران ) وارجعهما الى طاعته ، فأثار ذلك حفيظة احمد باشا ، مندوب محمد علي باشا فى الحجاز ، وخشي استفحال هذه الغزوات وامتدادها ، فجهز جيشا , وسار عن طريق السراة , فاسترجع بلاد غامد وزهران وطرد منها حامية عسير )) .
ويقول فى قصة معركة أخرى ذات علاقة
بالسابقة : (( أثارت هذه الأعمال ، الأمير عائضا وآنس فى نفسه القوة والقدرة على قتال جيش أحمد باشا وابعاده عن غامد وزهران ، فأخذ يجمع الجنود ويجهز القبائل ، الى أن بلغ جيشه على ما قدره (( مؤرخنا )) عشرين ألفا ، وسار به لملاقاة الجيش المحتل )) .
وبعد ذلك بعامين ، وفى سنة ١٢٥٤ ه يروى لنا عمر رفيع قصة مصادمة بين الجيشين فى (( باحة رغدان )) من بلاد غامد . . ويضيف أنه (( ما أن بدأ القتال بينهما بقدر رمية أو رميتين - كما يقول المؤرخ الذى نقل عنه والذى يدعوه (( مؤرخنا )) - حتى تداعت رايات المسلمين - يعني قبائل عسير ، وانهزموا شر هزيمة )) .
ثم يروى لنا بعض حوادث جرت فى أواخر القرن الثالث عشر الهجرى بالمنطقة فيقول : ( ان أمير مكة عبد الله بن محمد بن عون زحف من مكة الى عسير ، على رأس جيش كثيف ، مثلث ، من العرب والأتراك فالمصريين ، وفى المحل المسمى بالمخواة من تهامة غامد التقى الجيشان ، وأخذ كل فى الاستعداد للدخول الى المعركة وأخيرا جنح الطرفان الى المنالحة ، فكانت النتيجة تخلي أمير عسير عن بلاد غامد وزهران ، وذلك فى عام ١٣٨١ ه ، ومن المخواة ظهر أمير مكة على سراة غامد وزهران ، وأقام مدة ، ثم عاد الى مكة ، كما عاد الامير محمد بن عايض الى بلاده )) .
ويستطرد عمر رفيع ، فيروى لنا بعض الحوادث المتقطعة التى حدثت فى أخريات القرن الماضى بعسير ويفيدنا نقلا عن مصادره : بــ (( دخول الجيش التركى محايل فى يوم عيد الأضحى ( ١٢٨٨ م ) . فلما بلغ الامير محمد بن عايض وصوله الى محايل خرج
بمن معه من قبائل عسير ، وأهل المشرق من قبائل شهران وقحطان ، وخيم فى (( باحة شعار )) (١٥) ، وباحة شعار هذه تقع فى منطقة أبها ، لا فى منطقة الباحة . . وكلتا المنطقتين تجمعها جبال السراة . .
ويمضى بنا المؤلف فى ايراد سلسلة حوادث هذه المنطقة ، مجتزئا بالوشل الذى أمكنه جمعه . . وقد تضمن كتاب الارهاصات التى سبقت استيلاء الملك عبد العزيز على منطقة الباحة ، وعلى عسير قاطبة ، وتضمن فواتح ذلك الاستيلاء الذى أراح الأهلين من التناحر , وأفاض عليهم السرور والهناء ودعم أركان الأمن والاستقرار . ولكن المؤلف قصر حديثه تقريبا على منطقة أبها وما حولها من جبال السراة وأوديتها وقراها وقبائلها . . ومعاركها . .
الباحة :
ما هى (( الباحة )) لغة ؟ وما هى جغرافيا وتاريخيا ؟ . . فأما الباحة لغة ، فقد قالت المراجع اللغوية كلمتها فى هذا الشأن ، فمن معانيها : الساحة ، وهى عرصة الدار ، أي أوسطها ، وتشمل الصيغة من هذه الناحية - مجازا - معنى الاتساع فى الارض أيا كان . ولعل تسمية مدينة الباحة بالباحة جاءها من هذه الناحية ، فهى على ما تراءى لى وأنا أتأمل رقعة أرضها وأقارنها بأرض مدينة الظفير الملاصقة لها - أوسع أرضا نسبيا ، من الوظفير . والظفير تقع على سهل ضئيل وعلى
قمة جبل وسفوحه معا . أما ما هى الباحة جغرافيا وتاريخيا فذلك ما لا يزال يكتنفه الضباب . . انى لم أطلع فيما اطلعت عليه على خريطة ترسم منطقة الباحة بدقة وشمول لسائر قراها وجبالها وأوديتها وغاباتها ، وتحدد معالمها فنيا تحديدا دقيقا شاملا . . وكل ما اطلعت عليه هو رسم اجمالى للمنطقة فى الخرائط المتداولة ، ولم اطلع على التاريخ الشامل لهذه المدينة ولا لما عداها من مدن وقرى هذه المنطقة . وكل ما مر بى من تاريخها نبذ عابرة فى كتب منها كتاب فؤاد حمزة عن عسير ، الذى يقول مثلا : ان الباحة والظفير مركز الامارة الثامنة عشرة فى امارات المملكة بالحجاز .
وكتابه (( قلب جزيرة العرب )) الذى يقول أيضا : (( أمارة غامد وزهران فى أواسط جبال الحجاز على محاذاة الليث شرقا ، ومركزها بلدتا الباحة والظفير )) ص ٧٣ ، الطبعة الاولى . ويقول : (( غامد : تقع ديرة هذه القبيلة المهمة ما بين درجتى العرض ٣٠-١٩ و ١٥ - ٢٠ . وبين درجتى الطول ٣٠-٤١ الى ٤٢ ويحيط بالقبيلة من الشمال : الشلاوة ، ومن الشرق : شمران ، ومن الجنوب : بلقرن وبلعريان ، ومن الغرب : زبيد - بضم الزاى- وتمر طريق الطائف - أبها ، وسط ديار هذه القبيلة التى يمكن التفريق بين أفرادها الى قسمين : البدو والحاضرة . ومقر غامد : الباحة . فالقسم المتبدى يسمى آل صباح - بفتح الصاد وتشديد الباء - وهم منتشرون فى أماكن مختلفة بين اخوانهم المتحضرين ، ويتوغلون الى أودية رنية وبيشة وتربة والدواسر ، وأما القسم المتحضر فيقيم فى قرى مختلفة . وأهم أقسامهم : بنو ذبيان بنو كبير . الحمران ، الظافر . الريادة .
الزعلة ، الفرزعة ، بنو عمر ، بنو لام ، المنتظر )) ( ص ١٨٦-١٨٧ ) طبع المطبعة السلفية بالقاهرة ) .
وهناك اشارة عابرة فى كتاب عمر رفيع عن عسير أيضا تقول : ( ان جيش أحمد باشا وجيش الامير عايض تلاقيا فى (( باحة رغدان )) ، واعتقد انه يقصد بباحة رغدان هذه البلدة . ولربما كانت وقتها سنة ١٢٥٤ ه عبارة عن قرية صغيرة ضئيلة الشأن جدا . . والمسجد الموجود بالباحة الى اليوم ، والبيوت القديمة التى بها . . يدلان على انهما كانا بها منذ عهد الأتراك , وهذا ما يثبت قدم الباحة نوعا ما . فمئذنة المسجد مستديرة كمآذن المسجد النبوى ، وبيوتها مثل بيوت المدينة المنورة المبنية بحجر الدبش فى أخريات القرن الثالث عشر الهجرى وفى أوليات القرن الرابع عشر الهجرى فهما اذن عثمانيا المنشأ . وقد ذكر عاشم النعمى فى كتابه ( عسير فى الماضى والحاضر ) الباحة فى عهد رديف باشا فقال عنها : (( قام رديف باشا بتنسيق الادارة ، فاتخذ فيما اتخذ من رغدان ، ولاية لسراة غامد وزهران )) ص ٢١٦ . ولعله يقصد برغدان ، قرية الباحة أو الظفير ، وهو هنا ينص على أن رديف باشا جعل من رغدان مركز ولاية غامد وزهران .
وجاء أيضا فى الكتاب نفسه فى حوادث سنة ١٢٨١ ه انه ( لم يرق لحكام مكة ضم بلاد غامد وزهران الى امارة عسير اذ هى البلد الخصب فى الحجاز التى تصدر محاصيله الزراعية الى مكة بكثرة ، وبقاء العسيريين مضر لمصالح أمير مكة عبدالله بن محمد بن عون ) . .
والباحة والظفير كلتاهما من قرى غامد . وغامد كما يقول فؤاد حمزة أنشط للكسب والعمل . . ولذلك كان فى منطقتهما ، هاتان
المدينتان اللتان استأثرتا بأمارة المنطقة منذ استيلاء الملك عبد العزيز على عسير ، بل منذ عهد رديف باشا . . على ما يتراءى من قول هاشم النعمى السالف ايراده . وقد عرف للباحة والظفير مكانتهما فعلا ، وكان لا يزال بهما أسواق عامرة ودائمة . . عامرة بالدكاكين الحجرية كدكاكين مدن المملكة قبل التطور الحديث . . وكما هو الشأن تماما فى بلدة السوق ، من مدن غامد أيضا ، القائمة منهما الى الجنوب . . اذ هى بلدة مقصودة أيضا وذات اقتصاد مركز ، ودكاكين وبيع وشراء . ولم أر ولم أسمع فى بلاد زهران ، على أنها كما قيل لى ، أوسع أحفل بالمزارع والأراضى ، لم أر ولم أسمع بوجود مدينة كالباحة والظفير وبلدة السوق لها أسواقها الثابتة ودورها الحجرية الكبيرة ، ولها مسجدها القديم ، وليست سوقها من هذه الاسواق الاسبوعية التى تقام فى يوم واحد من الاسبوع وسرعان ما ينفض عنها الناس بعد انتهاء عرض البضائع فيها فى يوم اقامتها من كل أسبوع . .
بين الباحة والظفير
وكما أسلفت فان بلدتى الباحة والظفير متقاربتان متعانقتان . . الظفير الى الجنوب من الباحة ، والباحة الى الشمال من الظفير . ولعل الفاصل الطبيعى بينهما هو هذا الجبل وهذا الوادى اللذان يقعان بينهما . .
فى الباحة مسجد قديم لعله مما بناه آل عثمان أو المصريون أيام كانوا مستولين على هذه الناحية ، فى القرن الهجرى الثالث عشر ، على ما سبقت اليه الاشارة . وفى الظفير مسجد بني فى أول عهد استيلاء المغفور له الملك عبد العزيز على هذه المنطقة ، ولا غرابة فى ذلك ، فقد كانت الظفير هى مركز
المنطقة اذ ذاك فلا بد من بناء مسجد جامع بها ، كما بني من قبله مسجد جامع بالباحة . . وبنى مسجد الباحة زخرف غامدي , على الخشب . . لقد زخرفوا بابه على النحو الذى ترى عليه بعض المناضد والخزان الواردة من دمشق ومن الهند . . وأعمدة مسجد الباحة من الخشب القاتم المفرغ المزخرف . .
وبالظفير بيت أمير المنطقة , وبالباحة الادارات الحكومية جمعاء بما فيها دار الامارة . .
وكلتا بلدتي الباحة والظفير ، تنار اليوم بالكهرباء العمومية . . فلقد شجعت الامارة الاهلين على تأليف شركات مساهمة وطنية محدودة للقيام بهذا المشروع الحيوى الهام . . والغامديون كما أسلفنا نشيطون للعمل حفيون به . وفى زهران أيضا الآن توجد حركة اضاءة بالكهرباء مماثلة شاهدناها فى مركز ربوع قريش .
وقد فهمت ان فكرة تأسيس شركات وطنية للاضاءة الكهربائية هى فكرة تلاقي اقبالا عاما من قبل أهل المنطقة ، فقد لمسوا مزايا هذه الاضاءة عن كثب . . كما لمسوا مزايا وجود الكهرباء عامة فى مرافق عديدة من مرافق الحياة .
سوق الخميس بالباحة
كان من البرنامج المقرر أن نذهب صباح يوم الخميس الى (( سوق الخميس )) فى بلدة الباحة . . فسوق الباحة الاسبوعية تعتبر شيئا جديدا بالنسبة لنا من وجهة النظر التطبيقية ، ونحن وان كنا قد قرأنا الكثير عن أسواق العرب المماثلة فلم يسبق لنا ان شاهدنا أو شهدنا أية سوق تقام من هذا النوع . . لأن المنطقة التى نعيش فيها
والمناطق التى تجولنا فيها أو سافرنا اليها فيما مضى من المملكة ، قد زالت منها ظاهرة هذه الأسواق الدورية منذ العهود القديمة .
ولا تخرج (( سوق الخميس )) بمدينة الباحة ، عن نظام الاسواق المماثلة الأخرى فى هذه المنطقة من المملكة العربية السعودية ، فهى سوق ساذجة على النمط الذى وصفها وأمثالها من الاسواق فؤاد حمزة رحمه الله . وها هم أولاء الفلاحون وغيرهم يأتون ببضائعهم على حميرهم وجمالهم وعلى سياراتهم أيضا . وكل يضع بضاعته المعروضة للشراء فى مكانه المعروف به من السوق . . والمشترون كثر ، وكل يأخذ ما يحلو له أخذه بالثمن المتفق عليه بينه وبين البائع . . ودكاكين السوق هى على نوعين : عرش - بضم العين والراء جمع عريش- من الخروق مغطاة بها أعواد بسيطة ، أو دكاكين بسيطة لاطئة مبنية بالحجر المركوم المرضوم على بعضه بدون ملاط . . وبعض الباعة يجلسون على العراء مفترشين للأرض ملتحفين بالسماء وبضائعهم أمامهم مبسوطة على العراء أيضا . وقد تتبعت حركة السوق فاذا هى ناشطة واذا سيولة النقد ملموسة ، والربح يغرى بالعمل ، ويحيي الأمل . وقد علمت ان سوق يوم الخميس بالباحة يستعد ، لها ، أهل البادية ومن يجلبون اليها البضائع ، طيلة أيام الأسبوع ، وفى الضحى تفتتح السوق ، ويهتم بها المتسوقون أكثر من اهتمامهم بالسوق الدائمة . . وسلع الطعام واللباس أبرز السلع فى هذه السوق ، ويوم السوق يوم مشهود .
وقد أفادنا فؤاد حمزة ، فى كتابه عن : ( عسير ) . . بأن لهذه الاسواق شأنا كبيرا هنا ، حتى ان الطائف نفسه يسميه أهل المنطقة من بادية ثقيف وسفيان وهذيل :
(( السوق )) . وصيغة (( الطائف )) عندهم تطلق على المنطقة . . وقد وضع فؤاد حمزة احصاءا لأسواق عسير فى الجهات الواقعة بين الطائف والحدود اليمانية فبلغت ما ينيف على مائة سوق .
وسوقا الباحة : أسبوعيها ودائمها . ممتزجتان أو شبه ممتزجنتين ، والسوق الاسبوعية تتوسط السوق الدائمة ، ودكاكين السوق الدائمة أكبر . وبناؤها متقن ، ومنها دكاكين بنيت حديثا على الطراز الحديث بالاسمنت المسلح . ولها أبوابها وأقفالها . . أما السوق الاسبوعية فقد مر بك وصفنا لها آنفا .
وقد شاهدنا (( عكك )) السمن البري الصغيرة وهى مطروحة على الارض فى السوق الاسبوعية المشار اليها . . وشاهدنا أكمام طلع الكادى كذلك ، وقد اشترينا منها شيئا . . كما كان حال اللوز البجلى ، مثل ذلك ، ورأيناه فى أكياس خيش يباع بالكيل وقد اشتريت منه نصف مد بعشرين ريالا سعوديا . . واشتراه غيرى من الزملاء بأقل من ذلك قليلا . . واشترى أحدنا ليمونا طازجا ، وآخر نعنعنا أخضر .
وعلى طرف قريب جدا من السوقين : الاسبوعية والدائمة ، يقوم المسجد الأثرى المبنى بالحجارة والمدهون من خارجه بالنورة , وله مئذنة سبق لنا ان وصفناها . . والمسجد ليس بالكبير ولا الصغير وهو مفروش بالحصير البلدى الذى له سوق رائجة هنا على ما يبدو من لفائفه المعروضة بكثرة فى السوق الاسبوعية .
واذا كان لى اقتراح فى هذا الموقف فهو ان تنظم جمعية التاريخ والآثار بالرياض . رحلات علمية وأثرية دورية الى هذه المنطقة القديمة الحديثة الانفتاح بعد طول الانغلاق . وذلك
لدراستها تاريخيا وأثريا . . ونشر نتائج هذه الدراسة لنعرف من بلادنا ما نجهله . . وجمعية التاريخ والآثار ذات كفاءة لملء هذا الفراغ .
هذا وحينما كنت فى طريق العودة - فيما بين الباحة والظفير - من رياضتى المفضلة التى هى (( المشي على القدمين )) فى الصباح المبكر ، قابلنا - بفتح اللام - بعض طلاب مدارس الباحة من الشباب . . وبأيديهم كتب يقرؤونها ، قبل أن تشرق الشمس . . فاستوقفناهم أنا والسيد على حافظ وسألناهم عما يقرؤون ؟ فأجابوا بأنهم يستذكرون دروسهم , لأن
الاختبارات السنوية على الأبواب . وقد أعادنا هذا الواقع السار لشباب هذه المنطقة الى ذكريات لها علاقة بماضى هذه المنطقة القريب الذى عاصرناه فى عصر الشباب ، وذلك ان أمثالهم ممن كانوا فى أسنانهم أو اصغر كانوا يأتون أو يأتي بهم أولياء امورهم من هنا الى المنطقة الغربية زرافات ووحدانا , لكى يعملوا فى البيوت (( صبيانا )) بأجور زهيدة . . وها هم أولاء اليوم يقبلون بكليتهم على العب من مناهل العلم ما يؤهلهم غدا أو بعد غد ليكونوا مواطنين سراة نبهاء . . وما كان زملاؤهم الذين لم يدركوا هذا القطار يحلمون بأن سيأتى على منطقتهم مثل هذا الظرف السعيد الذى هيأته لهم الحكومة والذى جعل منهم طلاب علم فى مدارس تؤهلهم ليضارعوا زملاءهم فى سائر مناطق المملكة الصاعدة .
وفعلا فقد تخرج الكثيرون منهم وشاركوا أخوانهم أبناء المناطق الأخرى فى السير الى الامام مع ركب الحياة المتطورة النامية . . وهذا أحدهم (( محمد بن مسفر الزهرانى )) خريج كلية الآداب بجامعة الرياض سنة ١٣٨٦-١٣٨٧ ه خير شاهد .
في وادي بني ظبيان
بنو ظبيان الذى ينسب اليهم هذا الوادى هم من غامد . . ولا ندرى هل ينتسب هؤلاء الى ظبيان بن غامد الذى هو جد الغامدين الأعلى أو الى أبى ظبيان عبد شمس بن الحارث الغمدانى الصحابى القائد الجليل أو الى غيرهما .
وعلى كل فبنو ظبيان الذين تنسب اليهم هذه الجبال وهذا الوادى الجميل ، هم من غامد الذين يقطنون منذ القدم هذه الجهة من منطقة جبال السروات .
هذا وحين ما وصف لنا هذا الوادى ، الذى كان داخلا فى اطار البرنامج المقرر ليوم الخميس - غمرتنا الفرحة بمشاهدته من كثب والتجوال بين جباله وأوديته .
وقد أحسنت غامد وزهران فى اختيار مواقع قراهم فهي عمائم بيض على رؤوس الجبال السود . وأحزمة بيضاء على سفوحها القريبة من الرؤوس . . وقد أحسنوا أيضا فى انشاء حدائقهم الغناء ، فى بطون أوديتهم الزمردية اذ تستقبل جميع ما ينزل من ماء السماء على رؤوس الجبال ، وسطوح المنازل فى مواسم الامطار الغزيرة ، فترتوى الاشجار فتجود الثمار من جهة ، فى الوقت الذى تكون فيه القرى والمنازل بنجوة عن ايذاء الامطار لها ، فهم فى قراهم فى أمنة ودعة . . وهم فى أوديتهم فى خصب وازدهار .
واغلب قرى غامد وزهران مبنية على الطراز التقليدى : أحجار ملس مستطيلة توضع بهندسة تقليدية محكمة فوق أحجار مماثلة رأسا ومباشرة بدون ملاط ثم تسقف البيوت بجذوع العرعر بعد أن تعمل فيها التقسيمات اللازمة للغرف والمداخل والمخارج وتوصد بأبواب من خشب العرعر هى تقليدية وبلدية أيضا ، وقد تحظى بالنقش والزخرفة البلدية المفرغة ، اذا كان صاحب المنزل من ذوى اليسار ومن هواة الفن الجميل .
ووادى بنى ظبيان واد مستطيل متعرج هو اسم لمسمى عموما يشتمل على جملة أودية أو فروع فهذا (( وادي العلى )) - بفتح العين وكسر اللام وتشديد الياء - وهذا وادى الطرفين - مثنى طرف بفتح الطاء والراء - ، وهذا وادى عرا - بفتح العين المهملة - ، ووادى خفا . ثم هذه قرية بنى حدة ، فقرية دار
الرمادة ، وهذه القرية عبارة عن قرية مأهولة وواد مزروع ، وبعدها قرية دار الجبل . . ولا أدرى لم اختصت بالنسبة الى الجبل ، فكل هذه القرى جبلية ، ولكن الأسماء لا تعلل ، وبعدها قرية دار الحصن ، ثم هذا وادى كنابل - بفتح الكاف - وادى قرية دار الحصن .
مأدبة غداء في غابة رغدان
أفضل سعادة أمير منطقة الباحة باقامة هذه المأدبة الجفلى ، بمناسبة قدوم الوفد واستضافته له . وقد ضمت المأدبة كبار الموظفين ومشايخ القبائل وأعيان البلاد ووجهاءها ، وقد أقامها فى غاية رغدان البالغة الروعة والجمال ، بعد ظهر يوم
الخميس ١٥ ربيع الاول ١٣٩٠ . وغابة رغدان هذه تعتبر من أعظم الغابات وأجملها . . مساحتها كيلومتر ونصف ، فى كيلومتر ونصف . . وهى ملتفة الاشجار كحديقة عامة كبرى ، لا يكاد السالك بجد بينها مسلكا . وأشجارها من أجمل الاشجار وأزهاها منظرا ، وأزكاها رائحة ، وهى من أشجار العرعر . . وهذه الاشجار تشبه تماما فى منظرها أشجار الصنوبر التى شاهدناها فى لبنان . ويشبه بعضها من جهة أخرى أشجار الأرز فى جبال لبنان . . ولها ثمر أخضر صغير ما دام طازجا فاذا يبس اسود وضمر ، وهو أصغر بقليل من حبات الحمص ، ويقال ان (( المصطكى )) يمكن أن تستخرج من شجر العرعر .
جاء فى (( القاموس المحيط )) ان العرعر شجر السرو . فارسية .
وجاء فى (( معجم أسماء النباتات )) الواردة فى (( تاج العروس - للزبيدى )) والكتاب لمحمد مصطفى الدمياطى ، جاء فيه : (( ان العرعر شجر السرو . فارسية . وقيل هو الساسم ، ويقال له : الشيزى . ويقال هو شجر يعمل به القطران ، ويقال : شجر عظيم جبلى ، لا يزال أخضر ، يسميه الفرس السرو . وقال أبو حنيفة : للعرعر ثمر مثل النبق يبدو اخضر ثم يبيض ثم يسود حتى يكون كالفحم ويحلو فيؤكل . . واحدته عرعرة وبه سمي الرجل )) . (١٦)
والوصف الذى وصف به أبو حنيفة العرعر ينطبق على شجر العرعر الموجود اليوم فى منطقة الباحة عامة . وفى غابة رغدان الغامدية خاصة . وهو أخضر كما وصفه . وله ثمر مثل النبق كما قال ، ويبدو أخضر ثم يبيض ثم يسود حتى يكون كالفحم , وأما ما أورده من حلاوته وانه يؤكل فهذه فائدة جديدة ما كنت أدرى بها من قبل , وربما يدرى بها أهل المنطقة . ونأمل من ذوى الخبرة منهم ان يكشفوا لنا عن حقيقة الأمر فى هذا الشان . واما استخراج المصطكى من شجر العرعر فان رائحته توحي بذلك ويشتم منه رائحة المصطكى ما دام أخضر .
وينبغى ان نضع فى حسباننا ونحن نعرض هذا الامر على القراء . . وخاصة أهل منطقة الباحة وأهل السروات عامة ان بعض المعاجم اللغوية الحديثة وهو المعجم الوسيط ، قد نص على ان ( المصطكا ) - بضم الميم وفتحها وسكون الصاد المهملة بعدها كاف فالف مقصورة . . او ( المصطكاء ) بالمد : هى شجر من فصيلة البطميات ينبت بريا فى سواحل الشام . وبعض الجبال المنخفضة ، ويستخرج
منه علك معروف )) (١٧) . . وهذا المعجم لم يأتنا فى مادة ( عر ) بتعريف شجر العرعر . . لقد أهمل هذه المادة ، تماما ، أى مادة ( عرعر ) . وهذا لا ريب سهو ونقص مبين فى المعجم الوسيط ، وذلك لأن ( العرعر ) شجر عربى معروف ولا يزال موجودا بكثرة فائقة فى السروات ، وقد ذكره الأصمعى فى كتاب (( النبات والشجر )) فقال : (( ومن نبت جبال السراة الشث والعرعر - وهو السرو )) وعلق عليه المستشرق المحقق للكتاب بأن العرعر شجر معروف ، وقيل انه الساسم ويقال له الشيزى وقبل انه السرو )) (١٨) .
وذكر عرام بن الأصبغ السلمى وجود شجر العرعر فى جبلي ( القدسين ) بين مكة والمدينة فقال : (( ونبات القدسين جميعا العرعر والفرظ والشوحط والشقب ) وذكره فى كتابه مرة أخرى بتفصيل أوسع فقال فى ص ١٨ طبعة مصر ، عن الجبلين المذكورين : (( ويقابلهما من غير الطريق المصعد جبلان يقال لهما ( نهبان ) . . الى أن قال : (( ونباتهما العرعر والاثرار . . وقد يتخذ من الاثرار , القطران كما يتخذ من العرعر )) ص ١٨ , وقد شاهدت فى سوق الباحة اوانى من الصفيح مملوءة بالقطران المتخذ من شجر العرعر المحلى . ومحل الشاهد امران . . احدهما : وجود العرعر فى غير جبال السراة والثانى تسجيل ان من فوائده استخراج القطران .
وقد شاهدنا العرعر عيانا بيانا فى رحلتنا الاخيرة وكنا نعرف جذوعه من قبل معرفة العيان والمشاهدة والاستعمال ، وذلك قبل عهد تطور فن العمارة عندنا من طرازها القديم
الذى كانت جذوع شجر العرعر السروى المتينيئة القوية من أهم الجذوع التى تبنى بها سقوف المنازل . . فى الطائف ، وربما فى مكة ، أيضا . . وكانت تجلب من منطقة السروات هذه على الجمال . أو غيرها من الحيوان الناقل . وتباع فى سوق معلومة بالطائف . ويقبل عليها المعمرون فى الستينات من هذا القرن الهجرى فيشترونها لسقوف منازلهم وسقوف دكاكينهم ، وقد أنبأنى بعض الاخوان العائدين من رحلتهم الى منطقة أبها فى أوائل شهر ربيع الاول ١٣٩٠ ه ومنهم بعض زملاء رحلتنا الى منطقة الباحة فى الشهر نفسه وهؤلاء الزملاء هم كل من : علي حافظ ومحمد حسين أصفهانى ، وعبد القادر طاهر - انبؤونى بأنهم شاهدوا فى منطقة أبها عملية استخراج المصطكى من شجر العرع فعلا بجرح ساقها واسالة المادة المصطكاوية منها ، كما تجرح بعض الاشجار فتسيل منها المادة المراد استخراجها منها . . ومن هذه الاشجار شجر المطاط الذى تستخرج منه مادته فتصنع منها عجلات السيارات واطارات الطيارات والدراجات وأشياء أخر غير ذلك . .
وكأنى باللغوى الحصيف أحمد رضا رحمه الله حينما غمض عليه أصل مادة المصطكى اقتصر على تعريفها بانها (( العلك الرومى )) .
ويقول أبو حنيفة اللغوى ان (( المصطكى هو علك الروم وليس من نبات أرض العرب وقد جرى فى كلامها )) (١٩) .
هذا ولم اكن اعتقد أو أتخيل أن فى منطقة من مناطق بلادنا غابة ضخمة كبيرة وجميلة كغابة رغدان التى حظينا بمشاهدتها .
وغابة رغدان تابعة لغامد ، وهى واقعة فى ديارهم بأعالى المنطقة غربى بلدة الباحة .
والدخول الى غابة رغدان بغير دليل لا يخلو من مخاطر التيه فى أنحائها المتشابهة المتشابكة ، ذات الطلعات والنزلات العالية والمنخفضة . . ويكفيك أن تدرك ان غابة رغدان تقع فى السروات . . وانها تهبط تدريجيا فى منخفضات عميقة الغور مخيفة رأينا أولها وتستمر فى الانخفاض منها حتى تدنو أو تدخل أو تنزل الى منطقة تهامة . . وكم بين السراة وتهامة من مسافة متباعدة متناقضة . .
بعد تناولنا طعام الغداء فى الغابة أخذت لنا ولها صور تذكارية فى البراح المستدير الذى يتوسطها وقد فرش بالزرابى الحسان وكان معدا اعدادا حسنا جميلا . . وبعد ذلك رأى الامير سعود السديرى أن ناخذ شيئا من علم عن واقع هذه الغابة الفيحاء فتقدمنا يمشى على قدميه ودخلها متجها وتبعناه أرتالا . . وما زلنا فى انخفاض وارتفاع ، نمسك ببعض سوق أشجارها لننزل الى وهدة عميقة ، ونمسك ببعض أغصان أشجارها لنرتفع الى تل فيها عال وهكذا دواليك . والأرض كلها مختلفة المستويات اختلافا شديدا كاربا لمن يسير فيها ، والاشجار ملتفة ومتماسكة ومتشابكة حتى لا يكاد المرء يجد بينها طريقا الا بشق الأنفس . وقد مشيناها خطى كتب لنا أن نمشيها ، ساعة وربع الساعة . . ونال منا الجهد والتعب كل منال ، حتى اضطررنا آخر الامر قبل أن نصل الى موقف السيارات الذى هو بمقربة منا - أن نجلس كلنا على الارض وأن نرتاح بعض الوقت لنستطيع استئناف المسيرة الشاقة الى المكان القريب منا الذى نقصه . . وقد كان بجانبى محمد
في مأدبة الغداء التى أقامها سعادة الامير سعود بن عبد الرحمن السديرى فى غابه رغدان غربى الباحه يوم الخمس ١٥-٣-١٣٩٠ ه . يرى سعادة الأمير في الوسط وبجانبه اليسار : عبد القدوس الانصارى . محمد حسين أصفهانى والى اليمين : علي حافظ وعبد القادر طاهر . فنائب مدير التعليم عبد الرحمن الدهرى . فجودى الطيب مدير الشرطة . فعبد الحي كمال قاضى المحكمة المستعجله بالباحة ، فمدير الاوقاف عبد الهادى عبد الوهاب المنصورى الغامدى . فطبيب المستوصف فى الظفير الدكتور محمد امين أفندى . فمدير المالية . فمدير اللاسلكى و الهاتف . فشيخ قبيلة بنى خثيم . والجالسون هم : وكيل اداره منطقة الباحة الشريف فيصل بن هزاع . فرئيس البلدية ، فمدير البنك الاهلى التجارى . فمدير الوحده الزراعية . فمدير ادارة الطرق . فمدير الدفاع المدنى . فمحاسب البلدية ، فموظفان من الامارة .
نجل سعود السديرى . ولاحظ تعبى من شدة الطلوع وشدة الهبوط وتكاثف الاشجار . وكنت مرتديا معطف صوف ثقيلا جدا خشية لذعات برد السروات الغريب بالنسبة لجو جدة ، ولا برد ولا قر حتى ولا نسيم فى الغابة . . لقد سدت الاشجار علينا بأشجارها منافذ البرد والقر والنسسيم
جميعا سدا محكما . بحسبنا اذ ذاك ان نلتقط أنفاسنا . . لاحظ محمد السديرى الصغير ما انا فيه من مشقة وعناء حيال حمل هذا المعطف الثقيل الذى يحوى فى جيوبه اشياء تزيده ثقلا على ثقل . . المنظرة الشمسية . منظرة القراءة . الآلة المصورة . دفتر المذكرات الخ . . فأبت شهامته الا أن يحمل
عني هذا المعطف وأصر على ذلك أصرارا عنيدا لا رجعة فيه ، بل جذبه منى بكل ما لديه من قوة فى بشاشة وغبطة . . فقلت فى نفسى : لا غرو فان هذا الشبل من ذلك الاسد . . وسلمت بالأمر الواقع حتى اذا قربنا من موقف السيارات بعد استراحتنا القصيرة رأيت الفرصة سانحة ، ففاجأته بأخذ المعطف من يده الصغيرة النبيلة ، وأقسمت له انى قد ارتحت ولا بد من أخذه منه والا شكوته الى والده ، فتقبل على مضض . .
وقد فهمت من بعض من كانوا معنا فى رحلة اختراق الغابة انها كانت من قبل , مزارع لبعض الغامدين ، وقد هجروها . . قديما . . ولا بد أن هجرهم لها كان بسبب اضطراب حبل الامن ، فى عهد الاتراك والمصريين أو العائضيين أو الاشراف أو الادارسة . . ولم تشأ القدرة الالهية أن تحرمها . فأنعمت عليها بالمطر وبشجر العرعر ينمو ويتكاثر فيها بصورة مدهشة ودائمة . . تسقط الثمار , وتنهمر الامطار . على الغابة . فيزداد نمو الاشجار الصغيرة والمتوسطة ، ومن المطر الجديد تنمو البذور الملقاة على الارض . . بذور شجر العرعر . ثم ترتفع قاماتها تدريجيا . . لتكون (( عراعر )) مديدة ضخمة بجانب آبائها وأماتها . . وقد رأينا فعلا (( الشجيرات العرعرية )) الصغرى قائمة على سوقها الدقيقة ، كما تقف الاحورة - جمع حوار - الصغيرة بجانب أماتها من النوق . .
والآية الدالة على أن (( غابة رغدان )) كانت ثرية بالمزارع ، ثم هجرت فأصبح مكانها غابة ما شاهدناه فيها من المبانى الرضمية ، بشكل دكات جلوس تارة ، وبشكل مدرجات زروع بر ، تارة أخرى . . ثم هذه الدائرة الكبيرة التى قد تكون من قبل منازل فلاحى الارض هنا وأماكن سمرهم ولهوهم و (( بيدر )) ما
يحصدونه من بر ، و (( مربد )) ما يجمعونه من ثمار أشجارهم . . وهى الدائرة الفيحاء التى أقيمت فيها مأدبة الغداء . . وأخذنا فيها صورا تذكارية . . ترى بعضها منشورا فى هذا العدد . .
وقد ظلت هذه الغابة العظيمة موصدة عن الناس ، مجهولة ومهملة ومنسية غير معروفة حتى وفق الله أمير منطقة الباحة لمعرفة حقيقتها ، ومن ثم أقدم على استقدام الآلات الجبارة التابعة لوزارة المواصلات والرابضة هنا لمسح طرق المنطقة وتمهيدها وشقها . . فعملت هذه الآلات عملها الجبار الهائل وشقت الجبال ونسفتها لتوجد مكانها هذا الطريق السوي ذا الطلعات والنزلات وذا التعرجات الفنية . . هذا الطريق الجميل الصاعد الى الذروات والهابط على الغابة ثم الى تهامة آخر الامر . . والذى سلكناه بسياراتنا الى الغابة ونحن مطمئنون منشرحون .
وسعود السديرى - فى تخطيطه الاصلاحى هذا للمنطقة انما يسير على ضوء منهج القائد الرائد . . وآية ذلك اهتمامه البالغ بفتح هذه الغابة المجهولة المغلقة ، لتكون رثة ومتنزها شعبيا عاما ، تقصده الطبقات المختلفة من المواطنين فى الأصائل والبكر ، ويفضلون به أسعد الاوقات . . فى هدوء وراحة كاملة .
وكل اصلاح جديد لا بد ان يلاقي فى مبادئه بعض العقبات . . ولكن الحكمة والصبر ونبل الغاية ، كل ذلك كفيل بأن يذلل العقبات ، وأن يمهد السبل لتحقيق الاهداف الطيبة ، وحينما فتحت هذه الغابة وفهم الناس انها لمصلحتهم فتحت ولمسوا هذه الحقيقة الناصعة أقبلوا على أمير المنطقة يشكرون له صنيعه ويلتمسون منه أن يفتح لهم فى الغابة . . طرقا فرعية أخرى . .
كان افتتاح أبواب غابة رغدان فى أواخر شهر صفر المنصرم عام ١٣٩٠ ه .
وتسير المشروعات الاصلاحية الكبرى لحكومة جلالة الملك فى هذه المنطقة على قدم وساق ، وهى فى حقيقة الواقع الملموس بمثابة قفزات عالية بالمنطقة الى المستوى الرفيع المنشود فى كل مرفق من مرافق الحياة . مما سيجعلها فى القريب العاجل ، ان شاء الله ، مصطافا مقصودا ومتنزها مرموقا فائق الروعة والجاذبية .
ما هى الطرق تشق شقا ، وها هى الجبال تقد قدا ، وها هى الكهرباء تجرى تياراتها المضيئة فى المدن الكبيرة بالمنطقة كالباحة والظفير وبلدة السوق ، وها هى تيارات الكهرباء تضيء بعض القرى الكبيرة فى زهران وفى غامد . . ثم ها هى المصانع يبدأ فى تأسيسها بمصنع الخشب الحديث فى الظفير ، وها هو مشروع تربية الدواجن على الأبواب . . وهذا مشروع فندق يقيم أسسه بعض المواطنين فى الباحة . . الى غير ذلك من ضروب التطور مما يشهده ويقدره المواطنون فى منطقة الباحة من غامد وزهران وغير غاهد وزهران . .
الآثار بجبل وادي الغمدة
فى أصيل يوم الجمعة توجهنا الى وادى الغمدة (٢٠) بجبال بنى ظبيان نتيجة حديث دار بين أمير المنطقة وبيننا فيما اذا كانت توجد آثار قديمة بهذه المنطقة ، فقال لنا :
انه نمي اليه وجود بعض الآثار فى وادى الغمدة القريب منا . . وقد سأل احد الحاضرين ، فأيد ذلك . . وكنا قد ظننا ان
الموضوع قد انتهى عند هذا الحد . . ولكن الأمير حصيف . ومثالى . وقد أبى الا أن يدعم القول بالفعل . والحديث بالعمل . وتقدمنا - بفتح التاء والميم - بسيارته والشمس قد أذنت بمغيب وراء جبال هذا الوادى الجميل ثم بعدمنا الى الصعود بقدميه الى ذروة جبل الآثار المطل على وادى الغمدة . . وهكذا أثبت انه ليس ممن يرسلون القول على عواهنه وان آثارا قديمة منقورة هنا توجد فعلا بالجبل ذاته .
آثار جبل وادى الغمدة
وقد تأملت هذه الآثار المنقورة فى الصخور العالية فى جبل وادى الغمدة . فبدا لى انها منقورة بالازميل نقرا بدائيا . وأحد هذه الرسوم اما لغزال بري نافر . واما لمعزاة من المعزى البلدية ، ويخيل الي - ولا أجزم - ان بعض الرسوم تمثل صورا بدائية لبقر .
من البقر التى كانت تحرث هذه الجهات ولا تزال . صورها المصور البدائى الساذج هكذا وهى تمشى فوق جسر خشبى الى مكان عملها . . أو ما اشبه . . كما تخيلت أو قدرت ان من هذه الرسوم البدائية ما يصور أفعى ذكرا ضخما منطويا على نفسه بجانبه أفعى أنثى لعلها زوجه وهى أصغر منه جسما فى طول وفى حجم وهى منكمشة على نفسها أيضا . وهى تحتضن بيضها . . وهناك نقش بدائى واضح لثلاثة أغصان متلاصقة ملقاة على سطح الارض غب قطعها من شجرة ، كانت مثمرة ، ربما كانت تفاحة . وهذا الثمر مبعثر تحت الثلاثة الغصون . وهناك صورنان غامضتان صغيرتان . . وربما كانت احداهما لعقرب . وربما كانت الاخرى لوزغ من هذه الاوزاغ الجبلية المنتشرة فى جبال هذه المنطقة
وأوديتها . . وهذا مثلث لا أدرى السر فى رسمه هكذا ، ولا اعلم سر النقط التى توجد حوله وفوقه.
وتعريفا بموضع الآثار وتحديدا للجبل الذى توجد فى ذروته الآثار ، رأيت أخذ رسم للجبل المجاور له . والذي يتميز عما عداه من الجبال المجاورة له ، بهذا الحصن المربع التقليدى الساكن فوقه . . وهذا الجبل الذى يقوم عليه الحصن والذى جعلت منه علامة ثابتة فارفة للجبل ذى الآثار ، يقع الى جانب هذا الجبل الأثرى ملاصقا له ومساويا له فى الطول والارتفاع ويقع فى ناحيته الشرقية .
ووادى الغمدة كل جباله مكسوة بأشجار العرعر . وكل أوديته خضراء سندسية ، وهذا الوادى الذى ينبسط فى آخره هو مكسو بأشجار العرعر أيضا مثله . وجدير بالاشارة أن الآثار التى منها
الافعوان والغصون وما الى ذلك هى من رسم يدوي مطابق لأصله المحفور فى أعلى الجبل ، ورأسمها بيده هو ( عبد القادر طاهر ) أحد رفقاء الرحلة الباحثية الممتعة .
وربما لو قدمت بعثة أثرية مؤلفة من رئيس جمعية التاريخ والآثار وأعضاءها بجامعة الرياض الى هذه الجهة وقامت بدراساتها التاريخية والأثرية لهذه الآثار ولتاريخ هذه المنطقة الذى لا يزال الغموض يكتنفه منذ العصور القديمة ، والذى كل ما عرف منه هو نتف ونبذ قصيرة متقطعة لا تسمن ولا تغني من جوع ، بعضها ممعن فى القدم . . فى عصور الجاهلية وهو محل الشك ، وبعضها فى صدر الاسلام وهو نقط مبعثرة قليلة فى بطون الكسب ، وبعضها فى القرون القريبة من زمننا وهو متفرق فى الأسفار والرحلات وشذرات غير متسلسلة ، وجزيئات تعنى بالحروب والمعارك
والاستيلاء والنصر والهزائم ، ولا تعنى بغير ذلك من الشؤون المتعلقة بالاجتماع والعمران والاقتصاد والتقاليد والزراعة ، والآثار واللهجات ، فهى من هذه الناحية أيضا محدودة الفائدة لمن يبتغي التوسع فى معرفة ما كان يضطرب فيه أهل هذه المنطقة من شؤون اجتماعية ، وحياة فردية وجماعية . .
أقول : ربما لو جاءت بعثة من جمعية التاريخ والآثار الى هذه المنطقة ودرست تاريخها وآثارها لأثمر هذا الصنيع ثمار علمية وتاريخية وأثرية طيبة ، تقدم من معرفتنا خطوات واسعة الى الامام . . فهذه المنطقة عريقة فى التاريخ ، وقد استوطنها قبل زهران وغامد أناس لا نعرف عنهم شيئا سوى ما رواه الأصمعى فى كتابه (( تاريخ العرب
قبل الاسلام )) وما رواه هو نتف أضال من أن تقدم المعرفة خطوات واسعة أو ضيقة الى الامام . . وهى معلومات مضطربة جزئية محدودة الى أبعد حدود الاضطراب والجزئية . . ثم استوطنتها قبائل غامد وزهران القدامى قرونا طويلة فى جاهلية وفى اسلام ، ولم تدون معالم حيواتهم ، ولم تعرف معالم مجتمعاتهم ولا مسالك اتجاهاتهم .
ولم يعرف عن تطورهم شئ يذكر . . ولم يدر عن هجراتهم الى بلاد سواهم ولا هجرات غيرهم الى بلادهم ، شئ مهم . . ولم تجر أحافير فى بلادهم فى أطباق الثرى ليكشف ذلك اللثام عما اخفته عنا الليالى والايام من الماضى العريق لأسلافهم . . وربما كانت هنا مدن أو قرة مدفونة مندثرة غطت عليها الحوادث
والفتن وتقلبات الأجو . . لا فرق فى ذلك بين سراتها وتهامتها . .
في ملتقى السراة وتهامة
ولاول مرة فى حياتى شاهدت هذا المنظر الرائع الفريد فى بابه منظرا يجمع بين السراة الشاهقة وتهامة البعيدة الغور . . لقد جلسنا فى المساء على قمة أحد الجبال العالية فى منطقة البيضان ولما أرسلنا أبصارنا أذهلنا رؤية غور تهامة السحيق الذى يفصل بيننا وبينه اذ ذاك - عموديا - علوم مقداره ٩٠٠٠ قدم ، وقد كدت أصاب بالدوار من شدة عمق هذا المنظر الهائل المذهل الفريد . . ولقد رأينا بلدة المخواة التهامية فى أضواء مصابيحها ترسل أشعتها باعتة من بعيد كفنار قديم فوق ثبج البحر المتلاطم يشاهده من فوق راكب طيارة نفاثة سريعة الطيران . . وأغرب من ذلك ما وجه اليه أنظارنا بعض الحاضرين . . فهناك . . حول المخواة فى تهامة مياه متدفقة تهبط اليها من علو شاهق فى أخاديد عمودية حفرتها المياه النازلة عبر القرون من مصدرها الذى هو الجبل الموالي لنا والمسامت لجبلنا الذى كنا جالسين فوق قمته . . وحينما سرحنا أبصارنا الى ما تحتنا من بعيد شاهدنا الماء نفسه ينساب فى أودية تهامة السحيقة ويفيض صوب المخواة الى أراض واسعة بعيدة الاغوار فى تهامة .
وبينما كانت النسمات الباردة الهفهافة تغمرنا هنا ويطل علينا البدر من وراء الجبل الذى نشاهده فى الافق القريب وكأنه مسامت لنا . . أو كاننا من رجال الفضاء يحلقون بجانبه على مركبتهم الفضائية ، بينما كنا على تلك الحالة اذا بتهامة تحتنا تلتحف بحر
شديد . وجو ملتهب . والبدر عنها بعيد . . بعيد . . وبينما يتصبب سكانها بالعرق الغزير ويتطلبون السطوح والمرنفعات فى منطقتهم اذا بنا ونحن فوقهم نلتف فى ملابس الصوف السميك ثم لا يكاد يغنى ذلك عنا فتيلا ، حيال هذا البرد الذى تلفحنا نسماته العذاب الباردة . . فى هذا المستوى الرفيع .
والشاى الساخن الذى احتسينا كؤوسه المترعة كان له فضله فى مقاومة أجسامنا للبرد الذى يغمرنا رداؤه الشفيف اللطيف .
لقد كان كالدرع الواقية يرتديها الفارس تحت ثيابه . . فتحميه من ضربات الاعداء وهم لا يدرون باحتمائه بزردها القوى .
ولست أدرى الباعث الذى جرنا الى الحديث عن الزواحف (( وطولها وعرضها ، وأماكن اختبائها وسمومها . . وأشكالها وألوانها . . ولكنى حينما أدركت أننا كنا جالسين على أبواب (( غيران )) جبلية عميقة فوق سطح الجبل علمت السبب . فبطل العجب . .
وفى تلك الجلسة اللطيفة الممتعة شنفت الاسماع أحاديث أدبية وودية وفكاهات بريئة وخطبة رنانة ارتجلها أحدنا عبد القادر طاهر . وكان بطل الفكاهات هما الاخوين : الاخ الاكبر محمد حسين اصفهانى المعروف فى المنطقة الغربية بمقالبه الظريفة ما كان منها ثقيلا وما كان خفيفا ، وعبد القادر طاهر ( الاخ الاصغر ) لمحمد حسين اصفهانى على ما اتفق عليه الاخوان بينهما فى رحلة الباحة الظريفة ، وقد ساد الجو انسجام وابتهاج واطلق سراح الضحك من عقال فتألقت النكت البارعة والمقالب الكلامية اللطيفة التى يجيد حبكتها صاحبنا الاصفهانى فى براعة فائقة ويجاريه فيها أخوه الاصغر نوعا ما وعلى
قدر محدود . وقد دفع الاخ الاكبر أخاه الاصغر على غرة منه الى ميدان الخطابة المرتجلة فكان ذلك من مقالبه المعهودة . .
وقد شرب الاخ الاصغر المقلب الظريف حتى الثمالة . فكان ذلك من بواعث البهجة والانشراح فى نفوس الحاضرين .
مدرسة بني ظبيان
وقفنا على المدرسة المتوسطة ببنى ظبيان . وهى من هذه المدارس العديدة التى بنتها وفتحتها الحكومة فى منطقة الباحة . لبث أضواء العلم بين أبناء البلاد .
وقد شاهدنا لفيفا من طلاب تلك المدرسة متكتلتين حولها ، وبعضهم منهمك فى مطالعة كتب دراسته ، ويبدو أنهم كانوا يستعدون لأداء الاختبار السنوى الذى هذا موعده .
ثم وقفنا على القرية المسماة بقرية ((حصن المضحاة ، وتقوم فوق رأس جبل مغطى باشجار العرعر الذى يقول اللغويون انه هو (( السرو )) (٢١)
وقرية حصن المضحاة جميلة كاسمها . . وأمامها فى الوادى الذى ينخفض عنها حدائق
حسنة الترتيب والتنسيق . هى منسقة الحقول ، منسقة الاشجار . . واذا رأيتها من بعيد خلتها نسيجا سندسيا باهرا .
وتليها قرية (( مهاب )) بفتح الميم وتمتاز بجمالها الاخاذ .
الى بالجرشى
كان برنامجنا فى ثالث أيام رحلتنا ب ١٦ ربيع الاول ١٣٩٠ ه يبتدئ بأن نقوم - بعد تناول طعام الافطار - برحلة خاصة الى بلدة السوق ببالجرشى . وتبعد بلدة السوق هذه عن الباحة بنحو ٣٢ كيلو مترا .
والطريق الى بالجرشى أقل وهادا وأنجادا من سائر النواحى التى سلكنا طرقها فى هذه المنطقة ، وقد لمسنا لذلك اعتدال مناخ هذه الناحية ، والجبال الحافة بالطريق ، هى أقصر من غيرها . . ومزارعها أوفر وأكثر ارتباطا وتماسكا واتساقا ، وأوسع رقعا من كثير من المزارع التى شاهدناها ببلاد غامد .
ويقع وادى بنى كبير بجانب الطريق المفضى من الباحة الى بالجرشى ، وهو عن يسار القادم الى بالجرشى من الباحة . وهو لبنى كبير من غامد .
و ( وادى فيق ) هو واد يشبه وادى أربد الجميل بالمملكة الاردنية الهاشمية الشبيه بجنة العريف فى الاندلس . . وهو لبنى خثيم من رغدان الغامدين ، وشيخ بنى خثيم هو (( هاشم بن عدنان )) ويقع هذا الوادى الى الجانب الايسر من المسافر الى بالجرشى من الباحة . وفى وادى فيق ثلاث قرى هى : المراصعة ، وبنو مشهور ، وقمهدة .
وهناك واد آخر يدعى (( العذبة )) بفتح العين المهملة والذال المنقطة . ويعتبر من أروع أودية هذه الناحية ، وهو واد عريض
أريض ، ينبت على أطرافه نبات البردى ، وأعشاب اخرى تؤلف غابة بجانبيه . والماء السلسل ينساب فوق أرضه الدرية الحصباء وقد سرنا من أوله الى آخره فى داخله وعلى شاطئه جيئة وذهابا . . وجباله مغطاة بأشجار العرعر . وكان دخولنا له وخروجنا منه بعد انتهاء جولتنا فى بلدة السوق ، وفى طريق عودتنا الى الباحة .
قرى للطريق
وهذا بيان للقرى التى مررنا بها فى طريقنا الى بالجرشى :
أولا - القرى على يسار الطريق مرتبة : قرية الراعب ، فقرية الحمدة - بفتح الحاء والميم - ، فقرية حميم - بضم الحاء وفتح الميم - ، فقى فيق الثلاث المار ذكرها ، وهى : المراصعة ، وبنو مشهور ، وقمهدة ، فقرى ريع الرهوة وواديه ، وهى لبنى كبير ، وهى : الغبر - بفتح الغين المعجمة وفتح الباء , الحبيس - بفتح الحاء - ، الحدب - بفتح الدال - فظفير بنى كبير ، وهو غير ( ظفير بني عبد الله ) البلدة المجاورة لبلدة الباحة . فقرية العبادل . فقرية الدهامشة . فقرية بنى والبة . فقرية الزرقاء . فقرية الكدفة . فقرية القليتة - بضم القاف وفتح اللام بعدها ياء ساكنة فتاء مربوطة - فقرية السيار . فقرية الفلاح . فقرية النعيم - بضم النون - فقرية مزحلة . فقرية آل مرزوق . فقرية ميسان وهذه غير ( ميسان الطائف ) بطبيعة الحال . فقرية عالقة ، وهى لقبيلة الرهوة التابعة لحامد الكلي - بضم الكاف وفى الآخر ياء مشددة - فقرية مقمور . فقرية المخالفة . فقرية الشعبة - بضم الشين المثلثة وسكون العين المهملة - . فقرية الحدب .
فريق الهضبة . ففريق العذبة . فقررية الجرار - بكسر الجيم بعدها راء مخففة فألف فراء مهملة - . فقرية الفرشة . فقرية الطلقية ، وبعد هذه القرية مباشرة بلدة السوق مركز امارة بلجرشى التابعة لامارة منطقة الباحة وأمير بالجرشى هو محمد بن سلطان ، وهو رجل واع تبدو على جبينه سمات الجد وسيما الذكاء وقد استأنسنا بلقياه فى دار الامارة ضحوة يوم الجمعة ١٦ ربيع الاول ١٣٩٠ ه فأصر على أن نتناول عنده طعام الغداء . فاعتذر له مقدم الرحلة سعد بن محمد المزروع . . بأن أمير منطقة الباحة قد رتب أمر غداء ضيوفه فى الباحة نفسها . وقد كان الامير محمد بن سلطان بشوشا وشربنا عنده القهوة العربية والشاى ، وتحدثنا اليه وتحدث معنا أحاديث فى التاريخ والآثار . .
ثانيا - القرى الواقعة بيمين المسافر من الباحة الى بالجرشى . هى : قرية محضرة . وقرية المضارحة ، وقرية آل مقيطة ، وقرية الخويتم - تصغير الختم - فقرية العشقان - بكسر العين وسكون الشين - وقرية غزير , وقرية آل صبح ، وتتفرع من الطريق عند قرية آل صبح قرى فى ريع الرهوة هى : قريتا بنى سعيد . قرية الاجاعدة . قرية قرن المغسل . قرية بنى جرة . قرية بنى عامر وآل عامر . فبلدة السوق .
القرى بجنوب بلدة السوق
والقرى التى تقع بعد بلدة السوق الى الجنوب منه فى يمين المسافر من البلدة المذكورة هى : قرية بنى عبيد وقرية المدان . وقرية الصفاع - بكسر الصاد المهملة - وقرية الفقهاء ، وقرية حزنة - بكسر الحاء وسكون الزاى ، فقرية القريع ، فقرية المصعد ، فقرية غيلان ، فقرية الربقة . فقرية دار الحصن.
فقرية الشعبة . فقرية الجلمية . فقرية الحمران . فقرية الابناء . فقرية بنى هلال . فقرية الحلية - بضم الحاء المهملة ، فقرية الممهد . فقرية جير . ويتفرع طريق من هذه القرية الى وادى موطف - بضم الميم وكسر الطاء - وفى وادى موطف تقع قرية المرباة . وقرية الحميد . وقرية الجحافين . وقرية آل زارع . ومن قرية الحمدة السالف ذكرها يصل المرء الى قرية الفريح - بضم الفاء - فغابة السكرى . فقرية الفرح - بسكون الراء . وقرية جولة . وقرية قذانه .
والقرى بجنوب بلدة السوق فى جنوبها الى اليسار للمسافر منها هى : قرية المكارمة . قرية الحال . قرية العطاشين . قرية البكير . قرية معاق . قرية بلعذمة - بفتح الباء فلام ساكنة _
ومن قرية الحميد التى مر ايرادها يتفرع طريق الى قرية بنى دكة - بضم الدال المهملة بعدها كاف مشددة مفتوحة فتاء مربوطة . فقرية آل زارع .
بلدة السوق
تعتبر بلدة السوق فى بالجرشى ، من مدن المنطقة المرموقة ، ولا يقل اتساع مساحتها عن اتساع الباحة والظفير ، وفيها دكاكين وبضائع وأدوات وسلع معروضة كثيرة ومنوعة . . وقد رأينا فيها صيدلية مفتوحة . ودكانا مليئا بمكنات ضخ الماء . . ورأينا مكان السوق الاسبوعية التى تقام فى بلدة السوق يوما معينا من كل أسبوع هو يوم الخميس ، رأيناها مماثلة لزميلاتها فى الباحة والصغرة تماما . وفرق بين هذه السوق الساذجة المؤقتة والأسواق المبنية الثابتة التي تنتشر فى أنحاء بلدة السوق . . ان الاسواق الاسبوعية فى المنطقة ظلت حتى الآن كما هى عبر القرون .
لم تتغير عما كانت عليه من قبل ولم تتطور ، وهذا شئ طيب بالنسبة لها كأثر من آثار العرب القديمة يحسن الاحتفاظ بطابعه الاصيل . . حتى تعلم الاجيال الصاعدة والمستقبلة شيئا عن تاريخ بلادهم من هذه الناحية ، علم مشاهدة وعيان .
وحينما دخلنا بلدة السوق كان الوقت مبكرا ، وكان اليوم يوم جمعة ، والدوائر الحكومية فى عطلتها الاسبوعية الرسمية . وأغلب الدكاكين مغلق . والاسواق شبه خالية من المارة .. وقد اتجهنا قبل كل شئ الى دار الامارة ، وكما أسلفنا قابلنا الامير محمد بن سلطان وصعدنا معه الى البهو المعد لاستقبال الضيوف وقد تبودلت أحاديث معه عن التعليم والمدارس . وتشعب الحديث ذو الشجون حتى وصل - بالمناسبة - الى نجله الشاب عبد العزيز الذى يدرس فن الميكانيكا فى المدرسة الثانوية ببلدة السوق ، وكان حاضرا معنا فقدرنا له هذا الاتجاه العملى الحميد . . لأن البلاد فى أمس الحاجة الى الاسهام فى رفع مستواها الصناعى وخاصة فى هذه الناحية التى اختارها لدراسته . . وقد أنبأنا الشاب عبد العزيز بن سلطان بأن بمدرسته الثانوية ٧٠ طالبا .
والطابع البارز فى عمارات بلدة السوق هو أنها ذات قسمين : أحدهما باق على بنائه القديم بالحجارة الدبش المرضومة ( ٢٢ ) وقيل لنا ان أهل بلدة السوق هذه يجيدون هذا النوع من البناء أكثر من غيرهم ، وثانيهما متطور فهو مبنى بالاسمنت المسلح على الطريقة العصرية .
وفى بلدة السوق أحسسنا بجفاف على شفاهنا
وانوفنا ووجوهنا وظواهر راحاتنا . وعللنا ذلك بهبوب ريح الصبا . وقد قام أحدنا محمد حسين أصفهانى من السيارة الى دكان يبيع مختلف الحاجيات فاشترى منه علبة اسبرين . وعلبة كريم . . علبة الاسبرين المقاومة وجع الرأس . وعلبة الكريم لمقاومة جفاف اليدين والأنف والشفاه وقد أخذ بعضنا من حبوب الاسبرين . ودهن بعضنا أطرافه بالكريم . وهكذا قام صاحبا الاصفهانى بالاسعاف فى هذه الرحلة .
وبحثت فى بلدة السوق عن (( فلم )) صغير على مقياس الآلة المصورة التى هى معى . لألتقط بها بقية المناظر العمرانية والأثرية ان وجدت ، فلم أعثر على طلبتي فى دكان يبيع صاحبها هده الأشياء . . وطفنا بشوارع بلدة السوق لنأخذ فكرة عامة عنها . وشاهدنا من آثار تطور هذه البلدة وجود (( اللافتات )) المطبوعة والمخطوطة على وجهات بعض الدكاكين . ولم ألاحظ وجود مقهى فيها . ونحن على السيارة فى جولتنا السريعة بها .
في طريق العودة
وعدنا أدراجنا ، ولم ننزل من السيارة فى بلدة السوق مطلقا اللهم الا عند دار الامارة . لان اليوم كان يوم عطلة ، وأكثر الدكاكين والاسواق مغلق . وأكثر الشوارع خالية من الناس . . ومن ثم تجنبنا الطريق الرئيسى الى طريق فرعى . لنصل منه الى وادى العذبة المجاور لبلدة السوق . وسبق لنا أن وصفناه .
وعندما انتهى بنا المسير الى اقصى الوادى سرنا فى طريق متفرع آخر لنصل منه الى الطريق الرئيسى للباحة الذى كنا خلفناه . وفى هذا الطريق الفرعى المنحني صوب الطريق الرئيسى الى الباحة مررنا بأعراب
رحل . قد شدوا أمتعتهم وأزوادهم فوق ظهور جمالتهم الصفر المكتنزة السمينة , ولاحظنا أن حالة أحد هذه الجمالة غير طبيعية . فعيناه تشعان بالشرر الاحمر . ورأسه كأنما ثبت على عنق من زئبق . وعلى فتحة فمه المهروت زبد أبيض . . فادركت حالا انه كان اذ ذاك فى حالة غير طبيعية . . فقال أحدنا : مثل هذا الجمل هو خطر على صاحبه الجمال - بتشديد الميم - وبوسعه أن يفترسه . .
ومضى بنا الحديث متشعبا فى قصص الفحول الهائجة من الجمال ، وفتكها ومقاومتها ، وقطعنا بهذا الحديث الطلى جزءا كبيرا من الطريق . . ثم تركز الحديث آخر الامر على تطور وسائط المواصلات فى هذه البلاد . . فقد كان الجمل وحده سيد وسائل هذه المواصلات . . وتتلوه الحمير والبغال . . واما الخيل فكانت للحروب والتنزه فى أغلب الاحيان . . والآن ها هو ذا الجمل الذى كان يلقب بجدارة من قبل بسفينة الصحراء ، يتقلص نفوذه وينكمش عمله ، ويقتصر على حمل بعض محصولات المزارعين و (( دبش )) بعض الاعراب . . وقد حلت محله الوسائط المخترعة الحديثة . . القطار ، والسيارة ، والطيارة . .
ومال بنا الحديث مرة أخرى الى ما يلوح على وجه ذلك الجمل الفحل الهائج الذى مررنا به قبيل وقت قصير فى طريق عودتنا من وادى العذبة الاريض . . فخيل الينا ان شراسته ربما تكون نابعة من عقله الباطن ان كان له عقل باطن بسبب تطور وسائط المواصلات التى تحدثنا عنها آنفا ولاقبال الناس على حديثها وهجرهم لقديمها الذى تمثله الجمال التى طالما نفست كروبهم وحملت أثقال امتعتهم وبلغتهم حيث يقصدون . . وهذه
هى السيارة تتحداه الآن تحديا بالغا وتزفر بجانبه وتزمجر . وتمرق مروق السهم من الرمية ، ولا تكتفى بقلة الادب معه بل انها تسلط عليه ما يغمره وما يؤثر على عينيه الكبيرتين ، من الغبار تذروه عليه عجلاتها . مظهرة له عدم الاكتراث به ومبينة له أنه فى نظرها اصبح كمية شبه مهملة . . لانه متخلف عنها فى عالم السير الحثيث الحديث فهى تدار بالنفط وتجرى على عجل ، وهو يسير بطيئا متثاقلا على قوائمه الواهنة ، وهى توصل ركابها الى الجهات النائية فى وقت أقل بكثير جدا من الوقت الذى يقتضيه ايصاله اليهم ، ولها مزايا عليه من أهمها انها أكثر اراحة لهم فى الركوب والنزول من الجمل ، ومنها أنها تحمل من البشر اذا كانت كبيرة ما يحمله خمسة وعشرون جملا مثلا ، واذا كانت صغيرة ما يحمله ثلاثة أو أربعة . . مع أوانيهم وأفرشتهم ولوازمهم . . ولا تخضهم طيلة السفر خض الجمل لهم . . الى آخر المزايا التى تختص بها هذه المطية الحديثة عن المطايا القديمة .
والسيارة لا ترعى النبات وأوراق الشجر اذا جاعت . . فيطول الرعي ويمضى الوقت طويلا سبهللا . كما يفعل الجمل وهو يرعى . وكثيرا ما ينهمك فى اشباع بطنه من الكلأ والعشب وقد يبعد فى هذه الحالة أو قد يعكس طريق مسيرة الراكب العجل .
على قمة أحد جبال السراة
حدثنا مضيفنا ، ونحن جلوس معه على زرابى مبثوثة فوق قمة أحد جبال البيضان بعد مغرب ليلة ( السبت ) وكنا نطل منها على تهامة من عل . . قال : حينما عينت فى
امارة هذه المنطقة اهتممت قبل كل شئ بأن أعرف مطالب أهلها سلفا . فتجولت فيها ولمست بالمحاورة والمشاهدة نحو ٨٠ فى المائة من ذلك ، وبقي علي ، عشرون فى المائة لم أجد الوسائط التى تؤمن وصولى اليها . بالنظر لشدة وعورتها ، ولعدم وجود الطرق المعبدة اليها . . أو التى يمكن أن يسار عليها ، ولذلك امتطيت لاكمال التعرف الشاملة ( حوامة ) _ هيلكوبتر ، وحينما علونا فوق المكان الذى نقصده ظهر أن الطائرة ليس بامكانها أن تهبط عليه ، لضيق مساحته فاقترح الطيار أن ننزل بالحوامة فوق سطح أحد المنازل . فقلت له : لا بأس ! ولكن من يضمن لنا أن لا يهبط بنا السقف على أهل البيت ؟ ومن ثم حامت الطائرة مليا فوق القرية التى تعلو قمة جبل شاهق ، ثم شاهدنا آخر الامر رقعة صغيرة هى سطح صخرة وهى على مقدار هذه المفرشة التى نجلس عليها الآن ، فهبط الطيار بالطائرة الصغيرة عليها . وفتحنا الباب فأقبل علينا أهل القرية مسلمين ، وبعد أن عرفنا منهم كل شئ صعدنا بطائرتنا مرة أخرى وهبطت بنا على تهامة ، وكنت قبلها قد ارتديت ملابس صوف اضافية فوق الملابس العادية لشدة برودة الجو السروى . .
وبعد دقيقة واحدة من هبوطنا صوب تهامة وكنا فوق المخواة التى نرى أنوارها تحتنا الآن ، شعرت بحرارة بالغة مفاجئة فألقيت عنى ملابس الصوف الاضافية التى كنت ارتديتها قبيل دقيقة عندما كنا فوق جبال السراة . والواقع أنه عندما هبطنا فى تهامة قابلتنا موجة حر عارمة كلفح النار والسبب فى هذا وذاك هو علو منطقة السراة البالغ وانخفاض منطقة تهامة البالغ .
أحاديث على مائدة الطعام
وتناولنا طعام العشاء بليلة السبت ١٧ ربيع الاول ١٣٩٠ ه بدار مضيفنا ، ودارت على المائدة أحاديث شيقة عن الادب والشعر والادباء والشعراء ، واستطرد بنا الحديث الى الشعر الموزون المقفى والى ما يسمى اليوم بالشعر الحر . فأثنينا على الشعر الموزون المقفى لأنه هو الشعر العربى الأصيل الجميل الذى يثير بروعته وأوزانه وقوافيه وأصالته كوامن الشعور ، وفى ذات الوقت شطبنا ما يدعى بالشعر الحر ، لانه لفق من ألفاق العصر الحاضر ، لا ندرى من أين هبت ريحه الموبوءة على بلاد العرب والاسلام ، لتقتلع جذور شعر أصيل جميل خالد ، ولتحل هى محله . وقد رويت - بالمناسبة - قصة تجربة مرت بى فى القاهرة . . اذ كنت فى عام ١٣٨٠ ه لفقت شيئا من هذا الشعر المسخ الذى يسير على غير هدى وعلى غير هدف قويم . . ثم ألقيت ما لفقته أمام لفيف ممن يعجبون به . . وكم كان عجبى عظيما اذ رأيتهم يصفقون له استحسانا وتقديرا . . على زعم انه من انتاج بعض نوابغ شعراء لبنان المهجريين . . وكان هذا مقلبا لطيفا شربه أولئك القوم ، وهم لا يعلمون حقيقة الامر وخباياه . .
ثم عدنا الى منزلنا ليستقبل منا النوم من يسرعون الى النوم بأول الليل . وليسهر من لم يألفوا هذا النوم العاجل فى أحاديثهم البريئة ليقضوا سهرتهم . وعندما مكثنا قليلا بالبهو الذى يزين الدارة ، مستمتعين بأضواء الكهرباء المتوهجة . . لم نشعر بها الا وهى تنطفئ فجأة . ثم تضاء ، لتنطفئ وهكذا دواليك إلى ما يقرب من ساعة زمنية
أو يزيد . . ثم عادت للمرة الاخيرة فأضاءات أركان الدارة اضاءة استمرت الى الصباح .
ثم علمنا أن بعض أسلاكها حصل به خلل ، وربما كان سبب ذلك يعود الى هذه الرياح الشديدة من رياح الصبا التى هبت على البلد ليلتئذ هبوبا عارما .
الى المندق
وكان يوم السبت هو اليوم الرابع والاخير من رحلتنا ، ويوافق السابع عشر من شهر ربيع الاول ، وكان البرنامج المقرر أن نذهب الى المندق فى ضحوة ذلك النهار . . وسررنا بهذه الرحلة المباركة . فتناولنا طعام الافطار على عجل وطوينا ما لا نحتاج اليه من الملابس فى حقائبنا ، وأغلقناها عليها اغلاقا محكما وارتدينا من الملابس ما يحسن ارتداؤه .
وفى الساعة الثالثة صباحا بالتوقيت الغروبى المحلى كنا قد امتطينا السيارة المعدة لرحلتنا الى المندق فوادى تربة فالطائف وأدخلنا معنا حقائبنا وما اشتريناه فى سوق الباحة الاسبوعية ، فتحركت السيارة بنا شطر المندق . . وقد اخترقت مدينة الباحة ، ومن ثم بدأت فى صعود وهبوط مستمرين .
وكان من البرنامج المقرر أن نظل بعض الوقت - للراحة والاستجمام - فى دار الامير محمد بن عبد الرحمن السديرى الذى لم يزل فى الرياض وكان من المنتظر وصوله الى المنطقة يوم الجمعة ولكنه تأخر . .
وكان من البرنامج أيضا أن نتناول طعام الغداء على مائدة الشيخ محمد الزهرانى مدير مالية الباحة فى دارته بوادى تربة .
وكان طريقنا الى المندق صاعدا أكثر مما هو هابط يرتقى مرارا على قمم الجبال الشاهقة . .
مررنا أول ما مررنا بقرن ظبى المفضى الى سلسلة جبال البيضان ، وطريق المندق ملئ بالعطفات ، ومن شأن هذه العطفات أن تمنح السيارة الصاعدة أو الهابطة فرصة تأن وأمان فى حالتى الارتقاء والنزول .
في سوق النقعة الاسبوعية
تقام سوق النقعة كل أسبوع . . على مرتفع معين يقع بالقرب من قرية الصغرة المشرفة عليها ، و ( النقعة ) - بفتح النون وسكون القاف - والصغرة - بفتح الصاد والغين المعجمة - والنقعة من أسواق زهران المقصودة وقرية الصغرة هى مركز بنى حسن من زهران .
قصدنا السوق وتجولنا فيها هنيهة وهى تكرار لقصة الاسواق العربية العتيقة الدورية .
وقد اشترى بعضنا من - سوق النقعة - التمر المعروف فى المدينة المنورة باسم ( اللبان ) وهو أبيض صغير يابس بجوف . واشترى باقة نبات من (( الشذاب )) . وعدنا الى سيارتنا . وتحركنا نحو المندق .
وشاهدنا فى الطريق شجرا لم نكن رأيناه من قبل . وقيل لنا انه شجر العتم - بضم العين المهملة وسكون التاء بعدها ميم . والعتم فى اللغة كما فى عرف أهل هذه المنطقة هو (( شجر الزيتون البرى )) (٢٣) ويكثر فى جبال زهران ، ويحتاج الى تطعيم فنى يجعله مثمرا وغير عقيم .
ولقد راق لى احتفاظ اهل هذه البلاد بالاسم العربى الفصيح للزيتون البرى دون أى تشويه له لا فى المعنى ولا فى المبنى طيلة قرون عديدة .
وأرانا سعد . دوالى الكرم فى بعض أودية زهران ، وقال عن كرمهم انه من أجود أنواع الكرم وأحسنها عنبا فى شكله ومذاقه . . وخاصة ما كان منه عثريا يسقى بماء السماء .
مع راكب حمار
وفى تصاعدنا الى جبال زهران نحو (( المندق )) قابلنا راكب حمار . . فقال سعد على الفور : كانت هذه هى سياراتنا من قبل . . واسترسل فحدثنا بقصة مضت له أبطأت بهم الحمير عن الوصول بهم الى المكان الذى يقصدونه عجلين ، لتلافي بعض الحوادث القبلية اذ ذاك . . وعندئذ ارتفع صوت الاستاذ عبد القادر طاهر بتلاوة قوله تعالى : ( والخيل والبغال والحمير ) . .
فأكملت له الآية الكريمة : ( لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ) . . وعلقت عليها قائلا : ان هذه السيارات التى نركب احداها الآن هى من خلق الله الذى لم يعلمه القدامى الذين انزل القرآن فى زمنهم ، وهذا من معجزات القرآن الدالة عن يقين على أنه منزل من علام الغيوب على رسوله محمد المصطفى عليه صلوات الله وسلامه . وقد علمت البشرية . بهذا الخلق . فيما بعد .
بلاد زهران
بلاد زهران واسعة وحافلة بالمزارع والغابات والقرى . . وربما كانوا كما قال شاعرهم ( أحمد خليل الصغير الزهرانى ) مائتى ألف أو يزيدون . ومركز امارتها بلد المندق التى نتجه اليها . . وأمير بلاد زهران هو محمد بن عبد الرحمن السديرى . ولم أر فى طريقنا الى المندق ، ومنه ، بلدة كبيرة ذات أسواق
عامرة دائمة كالباحة والظفير وبلدة السوق . أغلبها - فيما رأيت قرى جميلة على ذرى الجبال ومزارع رائعة التنسيق وغابات من مختلف الاشجار . وهى - كبلاد غامد - تتصل من ناحية الغرب بتهامة . . ولا أدرى أيهما أكثر ارتفاعا جبال غامد ام جبال زهران ؟ وكلها مرتبطة اداريا بأمارة منطقة الباحة .
على أن فى زهران قرى ذات أسواق كبيرة دائمة كما حدثنا به محمد بن مسفر الزهرانى فى كتابه المخطوط .
وبلدة المندق جميلة لها سوقها الدائمة الصغيرة وسوقها الاسبوعية التى تقام بيوم السبت من كل أسبوع . .
وتنتشر اليوم المدارس فى بلاد زهران ، وهذه هى القرى ذات المدارس :
فى قرن ظبى ، وفى البارك من بيضان , وفى الحناديج ، وفى نعاش ، وفى العفوص , ورباح ، والجوفاء ، والصفح ، وبلحكم ، وفى مولق - بضم الميم وسكون الواو وكسر اللام بعدها قاف - ، وفى خريطة محمد بن مسفر الزهرانى : مولغ - بالغين المعجمة - . وفى الحلاة ، وفى قرية النصاب مدرسة بنات متوسطة . وفى المندق - بفتح الميم وسكون النون بعدها دال مهملة مفتوحة فقاف - مدرسة ابتدائية .
في المندق
تبعد بلدة المندق عن الباحة بنحو ٦٢ كيلو مترا . والطريق اليها يغلب عليه طابع الصعود الى قنن شواهق الجبال ، والجبال فى منطقة الباحة كلها دكناء نحاسية اللون أو هى أكثر سوادا من النحاس ما عدا جبلا واحدا مررنا به فى طريقنا الى الباحة من الطائف ، فقد اختلط سواده بعضه بالبياض ، وهو اما مرو واما رخام . . وقد شعرنا بالغبطة تسرى الى قلوبنا
حين بلغنا المندق ، فهي تمثل آخر نقطه نصل اليها فى الناحية الشمالية الغربية من المنطقة ، وذلك حسب برنامج الرحلة العام وتطرق الحديث فى المندق الى العبور لبلاد دوس . . ولأنها لم تكن فى مخطط الرحلة عدلنا عن ذلك واكتفينا بالشرح الذى قدمه لنا سعد المزروع عنها .
وفى منزل الامير بالمندق ، وهو منزل ذو دورين حسن الترتيب ، اجتمعنا ببعض رجاله وبعض الزهرانيين وغيرهم . . وفى منزله هذا ألقى أحمد خميس الصغير الزهرانى ، أبياتا من الشعر النبطى عزاها الى بعض الزهرانيين ولعله يعني نفسه . . وقد حاول الشاعر فيها أن يرسم حدود بلاد قبيلته الكبيرة وأن يستعرض مفاخرها .
ولأن هذه القصيدة تمثل الأدب الشعبى العامي فى هذه المنطقة رأيت ايرادها فيما يلى :
يا سلامى على سوقا وأميرا وقيف محكمه سوق زهران من سيحان الى بيده الى طفة بهوله ومن الحرة الى سيحان الى أعلى شدا للمنقضى السدارى كما الأنوار وأحكامهم ما تنقضى وانت ياذا عصيت المحكمة ما أربح الله عصاتك والجبال الرواسى ما يتنازع وأنظمه تسلها ونحن زهران مائتين ألف يشهد لنا التاريخ الاول لو وردنا على نهر الحميسان نبيح منهله وقد لاحظنا فى وزن هذه القصيدة النبطية الزهرانية طولا زائدا ، ولست أدرى أهكذا كل قصائدهم النبطية أم هذا نوع خاص ؟ ويبدو أن هذا الشعر متوسط الاسلوب ، ولذلك رأينا القوم يلتفتون الى زيد الشاعر ويلحون عليه فى أن يمتعهم بانشاد بعض قصائده فى الغزل ففعل وكان رويها على حروف الهجاء جميعا . وأذكر أحد أشطرها الذى يقول فيه عن نفسه ، مشيرا الى غربته فى سبيل الهيام
بمحبوبته : ( ونا ما عندى تابعيه ولا باص ) . .
وقد سرت النشوة فى قلوب الحضور وصفقوا له كثيرا واستزادوه . . فزادهم والحقيقة أن زيدا هذا من شعراء النبط المجيدين فى قرض شعر الغزل . . وفى شعره نكهات من روح التجديد . . بآية ذكره ( التابعية ) - وهى حفيظة النفوس للمواطنين السعوديين ، و ( الباص ) وهو جواز السفر وذهب بعضنا الى السوق ليشترى منها عسلا مصفى ، ولكنه وجد السوق قد انتهت أو كادت ولم يجد ما يريد وسرعان ما عاد الينا . .
وسوق المندق تقام فى كل يوم سبت من الاسبوع . .
وفى بيت محمد السديرى تلطف رجاله ووالوا اكرامنا فقدموا لنا فواكه طازجة فتناولنا منها شيئا خفيفا لقرب وقت الغداء منا فى وادى تربة القريب .
عبد العزيز بن هزاع الثاني
فى بيت الأمير محمد السديرى . قابلنى رجل ضئيل الجسم خفيف الحركة أسمر اللون ، اسمه صالح الجازانى . . من أهل تهامة . وقد رأيته يأتى بأصوات غريبة . . يخرجها من سقف حلقه تارة ومن مجامع فمه تارة ومن بين فكيه . وتارة ينبح نباح الكلاب ، وتارة يموء كالقطط . . وتارة يأتى بأصوات الطيور . . فقلت له على الفور : انت اذن عبد العزيز ابن هزاع الثانى . . فضحك الحاضرون وسر هو من هذا اللقب الجديد .
أي الطريقين نسلك ؟
أنسلك الطريق المختصر الى وادى تربة وهو الذى قال لنا عنه سعد المزروع ، انه لا يخلو من وعورة . بيد اننا نجتازه فى عشر
دقائق ؟ أم نسلك الطريق الطويل الذى يحتاج اجتيازه الى نصف ساعة ولا وعورة فيه مطلقا ؟
قلت لسعد : اذا كان الأمر على رأيي فأنا أفضل الطريق المختصر . . ليطوى لنا المسافة الى الوادى بأقرب فرصة ممكنة . .
وتلكأ سعد وصمت . . ولكنه همس - باخرة - للسائق ومن طرف خفي أن يسلك بنا الطريق المختصر . فلما سرنا فيه لم نقابل أية صعوبة . كما كان قدر ولعل الطريق أصلح بعد معلوماته عنه .
بلاد دوس
أثناء قيامنا من المندق . وبعد أن سرنا نحو خمس دقائق أشار لنا سعد المزروع الى جهة الشمال ، والى برج يقوم كالنسر المحلق هناك على قمة جبل بعيد عنا . . وقال : ان طريق بلاد دوس تذهب من هناك ، ويتطلب الوصول الى بلاد دوس ما يربو على الساعة والنصف ، فى رحلة خاصة بها .
وعلى هذا فان بلاد دوس تقع فى الناحية الشمالية الغربية من بلاد زهران . . وبعض قبائل دوس تقيم فى السراة ، وبعضها يقيم فى تهامة ، وهذه القبائل هى أربع : دوس بنى فهم ، ودوس بنى علي . ودوس بنى منهب آل عياش ، ودوس بنى منهب وبالطفيل . بنو علي ، وبنو منهب . وبالطفيل . مساكنهم بجبال السراة . . ولا بد أنها هى التى أشار لنا اليها سعد حينما كنا نعبر الطريق الذاهب من المندق الى وادى تربة . . وتقيم بقية القبائل الدوسية فى تهامة ( ٢٤ )
دوس في التاريخ
( دوس : بطن من زهران احدى قبائل عسير الكبيرة . فيه فخذان . . بنو منهب - بفتح الميم وسكون النون وفتح الهاء بعدها باء موحدة . وبنو فهم ) هذا ما ورد فى كتاب (( قلب جزيرة العرب )) لفؤاد حمزة . . وقال أغلب المؤرخين فى نسبهم وتاريخهم ما هو مفصل أكثر مما أورده فؤاد حمزة رحمه الله . وخلاصة ما قالوه ، نقلا عن (( معجم قبائل العرب )) لعمر رضا كحالة أن : (( دوس بن عدنان ( * ) : بطن من شنوءة ، من الازد ، من القحطانية ، وهم بنو دوس بن عدنان ( * ) بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر ، وهو شنوءة بن الأزد . سكنوا احدى السروات المطلة على تهامة والحيرة والعراق ، ومن قراهم تروق ، وحاربوا كنانة ، ووقعت الوقعة بينهما فى موضع يقال له : الحجر - بفتح الحاء وسكون الجيم - ، ويعرف ذلك اليوم بحجرة دوس . وقدم وفد من دوس على النبى ( ص ) وهو بخيبر) (٢٥)
وكان لدوس فى جاهليتهم أصنام يعبدونها من دون الله ، شأن سائر عرب الجاهلية . . وهذه الأصنام هى : ذو الشرى ، وذو الكفين وذو الخلصة . وقد هدمت هذه الاصنام فى صدر الاسلام حينما انجاب ضباب الشرك عن بلاد العرب وأضاء لهم دين الاسلام .
وفد دوس الى المصطفى ( ص )
هذا وقد حدثنا (( ابن سعد )) فى طبقاته
الكبرى عن وفد دوس الذى قدم مسلما على المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال :
(( لما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسى دعا قومه فاسلموا ، وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون من أهل بيته ، وفيهم أبو هريرة وعبد الله بن أزيهر الدوسى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، بخيبر ، فساروا اليه فلقوه هناك ، فذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قسم لهم من غنيمة خيبر ، ثم قدموا معه المدينة ، فقال الطفيل بن عمير : يا رسول الله لا تفرق بينى وبين قومى . فأنزلهم بحرة الدجاج ، وقال أبو هريرة فى هجرته حين خرج من دار قومه :
أبا طولها من ليلة وعناءها
على أنها من بلدة الكفر نجت
وقال عبد الله بن أزيهر : يا رسول الله ان لى فى قومى سطة ومكانة فاجعلنى عليهم ، فقال رسول الله ( ص ) : يا أخا دوس ! ان الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فمن صدق الله نجا ومن آل الى غير ذلك هلك . ان اعظم قومك ثوابا ، أعظمهم صدقا ، ويوشك الحق أن يغلب الباطل .
مأدبة محمد الزهراني :
في أوسع مكان وأجمله ، من وادى تربة أقام الشيخ محمد الزهرانى مدير مالية الباحة ، مأدبة غداء جفلى للوفد ، ترأسها أمير المنطقة وحضرها جمهرة من كبار الموظفين وأعيان البلاد ومشايخ القبائل ، وكانت هذه المأدبة ختام مسك هذه المآدب الحافلة . وقد أقامها محمد الزهرانى فى دارته التى تتوسط هذا الوادى وتقوم بعرصته الواسعة الى جانب حديقته الناشئة .
جولة استطلاع
قبيل مقدم الامير سعود بن عبد الرحمن السديرى من الباحة بعد انجازه للأعمال
الرسمية فيها ، - رأينا ان ننتهز الفرصة السانحة فنقوم مع صاحب المزرعة وجملة من الاخوان - بجولة استطلاع , على الحديقة والوادى الذى تقوم فيه .
وفى هذه الجولة عرفت بمحض المصادفة الشاب محمد مسفر الزهرانى ، خريج كلية الآداب بجامعة الرياض . وقد تحدثنا مليا . . وأمدنى بمعلومات مبدئية عن بلاد زهران ، وافادنى بأن له كتابا مخطوطا عن هذه البلاد . . ولعل هذا الشاب هو الطليعة من شباب زهران المتخرجين أو الذين سيتخرجون من الجامعات . وقد عينته وزارة المعارف مديرا لمكتب التعليم فى بلاد زهران التي هو منها. ليؤدى فيها مهمة اضاءتها بأنوار العلم الذى تلقاه فى جامعة الرياض . فتنتظم مع سائر بلاد المملكة فى زحفها المصمم نحو رياض التقدم الزاهرة . . والخارطة المنشورة لبلاد زهران فى هذا العدد هى من تصميمه ووضعه .
دعوات كثيرة واجابة واحدة
فى المأدبة التى أقامها محمد الزهرانى مدير مالية الباحة تقدم الى أمير المنطقة قبيل تناول طعام الغداء وبعيده نفر من مشايخ القبائل وأعيان البلاد وموظفيها ، يرغبون اليه فى الموافقة على أن يقبل دعواتهم ، ويكون معه ضيوفه ، وقد صرفهم بخير ما يصرف به من شكر وتقدير وثناء مع اعتذار لبق بضيق الوقت . . الا ان الدكتور شريف محمد خان الباكستانى ، أصر اصرارا لطيفا على أن تجاب دعوته ، التى غلفها بأسلوب ماتع ظريف . . قال : انه سبق ان تلقى وعودا كريمة باجابة دعوته . والآن ، الخراف رخيصة الأثمان . فيأمل أن لا يخيب أمله . وقد ضحك الحاضرون من هذه النكتة اللطيفة . وقد وعده الأمير باجابة مطلبه عما قريب . .
وبالمناسبة فقد فهمت ان الدكتور المشار اليه هو كما يقول المتنبى : ( كريم الجرشى شريف النسب ) فهو طيب الخلق بشوش . ومن أسرة كريمة ذات دين وصلاح فى باكستان ، ومن عادته أن يسير على أقدامه من قرية الى أخرى لمعالجة المرضى ، ثم لا يأخذ مقابل ذلك أية أجور أتعاب أو علاج .
منبع وادي تربة
ينبع وادى تربة من (( رهوة البر )) - بضم الباء - الفاصلة بين غامد وزهران ، بجنوب بلاد زهران ، ويشق الوادى بلاد زهران ، ويمضى قدما الى شرقى بلاد بنى مالك فبالحارث ، فتربة ، فالخرمة . وتزدهر على شاطئيه أشجار الفواكه والكروم ، وتعلو به أشجار العرعر ، والكثا ، والضرو ، والأثل . وهو واسع مديد ، ومجراه أخدود عميق عمق مجارى الانهار . . وله من صفاتها وسماتها الشئ الكثير . وقد حفر به محمد الزهرانى بئرين قريبتين جادتا بالماء الثر الغزير الذى لا ينضب ، وأنشأ بجوارهما حديقة له . . فيها الكرم وقد رأيناه صغيرا لاطئا وأوراقه ملتصقة بالارض ومع ذلك فهو مثمر . . وفى هذه الحديقة أشجار التفاح والبرتقال وغيرهما . . والوادى جار ماؤه حتى ذلك اليوم الذى كنا به . .
نظرات عامة الألواح والغابات
لقد أحسن المكتب الزراعى حينما نصب هذه الألواح المكتوب عليها بخط نسخ جميل ، فى بعض الطرق القريبة من الغابات : ( سدر مخضود ، وطلح منضود ، وظل ممدود ، وماء مسكوب ) وقريبا منها ألواح أخرى مماثلة كتب عليها بخط جميل أيضا : الدعوة الى المحافظة على ثروة الغابات الثمينة .
وفكرة اقامة هذه الالواح بالقرب من الغابات فكرة حاذقة وموفقة . . وفيها توجيه سديد الى أهمية الغابات بالنسبة لتساقط الامطار وبالنسبة لفوائدها بالذات ، وفيها كذلك تنبيه الى عدم اهمال أشجار الغابات أو العبث بها ، لأنها ثروة طائلة ، وفيها تذكير بنعمة الله وأياديه على أهل هذه البلاد بما أوجد فى بلادهم من نعم الاشجار والماء .
نظام بناء القرى وانشاء المزارع
وللقرى فى بنائها بالمنطقة نظام مسنون متبع : يبنى معظمها على رؤوس الجبال ، لئلا تنالها سيول الأمطار الجارفة ، ولتكون بأمنة منها . وتبنى أقليتها فيما دون رؤوس الجبال . تأمينا لاتساعها مع المحافظة عليها من عوادى السيول . وتبنى بحجارة من حجر الدبش المحلى المسطح ، بدون ملاط فذلك أقوى لها من أن يتفتت الملاط فتتساقط الحجارة ، فتسقط البيوت .
وللمزارع نظام مسنون متبع أيضا فى انشائها ، فاذا كانت مزارع بر - بضم الباء - فخير مكان لها سطوح الجبال الضيقة وأواسطها المناسبة . . واذا كان المكان بعيدا عن عبور جوارف السيول فلا بأس من أن تنشأ هذه المزارع البرية بأسفل . . أما حدائق الأعناب وأشجار الفواكه فأماكن انشائها أطراف الأودية لتجد السقيا الكافية الدائمة وهى بامتداد عروقها فى باطن الارض ترتوى دائما من أطباق الثرى المشبعة بمياه الاودية وهى بعروقها العميقة أقوى من أن تكتسحها عاديات السيول .
فى ربوع قريش :
ربوع قريش زهران فيما يبدو لى مجموعة قرى متقاربة بينها حدائق ومزارع ممتدة ، وقد مر بنا وصفها . وفيها بطريق عودتنا الى الطائف
رجونا من سعادة أمير المنطقة أن يفضل بموادعتنا فقد طالت عليه المسافة . . وقد لاحت لنا منه الموافقة . . ثم أدركنا عقب وداعه أنه قد أم مجموعة آلات كانت مصفوفة هناك وكانت بصدد شق جبال عاتية لينفذ منها الخط الجديد المسفلت أخيرا والممهد حالا . . وذلك ليقف بنفسه على العملية الجبارة وربما ليبدي آراءه لمن كانوا يقومون بهذه العملية الهائلة .
وقبل الموادعة صلى الأمير وصحبه فريضة صلاة العصر ، وصلينا نحن المسافرين من الباحة الى جدة فريضتي الظهر والعصر قصرا وجمع تأخير لأننا مسافرون .
وقد انتهزنا فرصة توديع الأمير . فشكرنا له ما أتاحه لنا من فرص الاطلاع الثمينة على أنحاء هذه المنطقة الخصبة الجميلة . وشكرنا له حسن ضيافته ولطفه وايناسه . . ومن ثم استأنفنا المسير صوب الطائف وفى أفكارنا ذكريات ماتعة لا تنسى عن أمير منطقة الباحة وعن منطقة الباحة مدنا وأناسي ، وقرى وغابات ومزارع وأودية وجبالا .
ملح ومقالب :
الملح البريئة ، سلوى الرحلات وملح طعامها ، ومسارح مرحها والهامها . وقد هيء لنا من هذا اللون قسط طيب فى رحلة الباحة . . ولا أذيع سرا اذا قلت ان بطلي هذه الملح والمقالب القاطعة لأسباب الملل والموصلة للبهجة والحبور ، هما الأخوان : الأخ الأكبر ( الاستاذ محمد حسين أصفهاني ) المعروف بمقالبه . والأخ الأصغر (الاستاذ عبد القادر طاهر ) خفيف الروح الذى لاح لنا منه استعداد مفاجئ للاسهام فى هذا الميدان . وكان الأخوان : الأكبر والأصغر يتبادلان
معا المداعبات والمقالب البريئة ، فيمتلئ الجو بالضحك والغبطة والاستئناس .
بقرب الطائف :
وبالقرب من الطائف نزلنا فى مقهى لأحد المواطنين . . فشربنا ماءا باردا ، وارتشفنا كؤوس الشاى الحار وتوضأنا وصلينا المغرب والعشاء قصرا وجمع تقديم . . ثم دلفنا الى سيارتنا فاستقررنا فى جوفها ومضينا صوب الطائف . . نحس بالنشوة والفرحة الغامرة ، خاصة حينما امتطت السيارة الخط المسفلت فأمنا من الهزات التى كانت تلاحقنا فى الطرق الجبلية المهدة . .
وفى نحو الساعة الثالثة والنصف ليلا بالتوقيت الغروبى المحلى كنا أمام بيت أمير منطقة الباحة فى الطائف . . عودا على بدء والحمد لله ، ومكثنا هنيهة . ثم استأنفنا الرحيل بعدما ودعنا السائق عبد الله الغامدى وسيارته وامتطينا سيارة البيجو التى كنا قدمنا عليها الى هذا المكان . . امتطيناها الى مكة فجدة . وحينما وصلنا مكة أبت مكارم عبد القادر طاهر الا أن تتحفنا بعشاء حار مكون من خبز أبيض حوارى ولحم مشوى مدور هو ( كباب الميرو ) الاخ الاصغر للكباب العادى الأكبر الذى
أفضل عبد القادر طاهر نفسه بأن أتانا قبلا بافطار منه . حار شهي ونحن فى مكة صبيحة يوم سفرنا من جدة وقبيل قيامنا الى الطائف صوب منطقة الباحة .
وأذن فقد كرر التاريخ نفسه وكرر الزميل مكارمه . . فكان ازدواج ميمون لطيف بين التاريخ المعاد المكرر والكرم المكرر المعاد . وقد تناولنا طعام هذا العشاء الخفيف ، على مائدة السيارة المتحركة . وشربنا الماء المثلج من مقهى جانبي بالطريق . . وفى الساعة الخامسة والنصف ليلا بالتوقيت الغروبى لجدة ، كنا ننزل أمتعتنا وحقائبنا من على السيارة . . ليدخل كل منا منزله بسلامة الله شاكرا من الأعماق لنعمائه الجليلة وفضله العميم .
وحينما أنزل السائق حقيبتى من السيارة ودخلت الدار ، حمدت الله عز وجل من الأعماق على هذه العودة الحميدة ، وتذكرت عندها قول ذلك الشاعر العربى الحكيم القديم :
وكل مسافر سيؤوب يوما
اذا رزق السلامة والايابا

