المقدمة الاولى لقصة الرحلة
بامكاننا أن نعتبر المقدمة الأولى لقصة رحلة الرياض هذه - على المدى القريب - ذلك الخطاب الذى تلقاه رئيس تحرير هذه المجلة . وتلقاه أيضا فى الوقت ذاته كل من الاستاذين علي حافظ ، وضياء الدين رجب - من الدكتور عبد الرحمن الانصارى رئيس جمعية التاريخ والآثار بجامعة الرياض .
ولعل من المناسب أن نورد فيما يلى نص ذلك الخطاب . . والخطاب مصدره من الرياض وبالرقم ٩/١٨٥٧ فى ٢٣-٨-١٣٨٩ ه ويقول بعد الديباجة :
(( ان رئيس وأعضاء الهيئة الادارية لجمعية التاريخ والآثار بكلية الآداب ، بجامعة الرياض - ليسرها أن تختاركم عضو شرف فى الجمعية . لما عرف عنكم من تشجيع للدراسات التاريخية والأثرية فى الجزيرة العربية . راجين أن تجد الجمعية منكم التعضيد والمشاركة العلمية الفعالة . بما يساعد على كشف تراث وحضارة جزيرتنا العربية ، آملين التوفيق لنا جميعا . والله يرعاكم . ))
وكان مطبوعا بيمين أعلى صفحة الخطاب ما نصه : ( جامعة الرياض - كلية الآداب . . قسم التاريخ . . جمعية التاريخ والآثار ) . وربط معه ثلاث أوراق هى : استمارة اشتراك فى الجمعية لكى أملأها بما يلزم . ( وقد فعلت ذلك ) ونظام جمعية التاريخ والآثار ، وبطاقة عضويتي للجمعية .
المقدمة الثانية للقصة
والمقدمة الثانية لقصة الرحلة - على المدى الأقرب - يمثلها الخطاب الثاني الذى تلقاه ثلاثتنا أيضا من باعث الخطاب الاول ، وقد وجه الينا دعوة رسمية للحضور الى الرياض ، والقاء محاضرات ثلاث بجامعة الرياض ، ولا بأس - للتاريخ أيضا - من ايراد نصه فيما بعد . .
يقول بعد الديباجة : يسر أعضاء الهيئة الادارية اشعاركم عن بدء موسمها الثقافى الثالث لعام
١٣٨٩-١٣٩٠ ه ، والجمعية يسعدها مساهمتكم فى هذا الموسم ، راجين احاطتنا برغبتكم فى ذلك ، واشعارنا عن موضوع البحث الذى تودون القاءه ، وعنوانه ، والوقت الذى يناسبكم للحضور الى الرياض - بعد الحج - ليتسنى لنا التنسيق بين المحاضرات ، والاعلان عنها . هذا وتقبلوا خالص تحياتى .
تبادل الآراء والرسائل
وحينما تلقينا هذا الخطاب من نسخ ثلاث متماثلة ، قررنا أن نجتمع ، وأن نتبادل الآراء فيما طلب الينا أن نقوم به . وأن نحدده . . فقررنا الترحيب بالدعوة وعينا موعدا بعيد المدى بعض الشئ . . وكتبنا رسالة جماعية بذلك وقعها ثلاثتنا ووضعناها فى البريد الجوى المسجل الى الرياض بأسمه وعنوانه . وقد عينا فيها موضوعات المحاضرات .
وبعد بضعة أيام تلقى كل منا رسالة جوابية مرقمة بـــ ٩/١٠٧ فى ٦-١-١٣٩٠ ه يقول فيها بعد الديباجة :
تسلمنا رسالتكم . شاكرين لكم جميل تعاونكم ، الا أن الوقت الذى حددتموه لالقاء محاضرتكم غير مناسب لنا ، اذ أن الدراسة فى الجامعة تنتهى مساء يوم الخميس ٨ ربيع الاول ١٣٩٠ ه . وتبدأ الامتحانات صباح يوم السبت ١٧ ربيع الاول ١٣٩٠ ه . لذا تقترح موعدا لالقاء محاضراتكم بحيث يكون من مساء الثلاثاء ١٤ صفر ، الى مساء الخميس ١٦ صفر ١٣٩٠ ه . هذا وستكون اقامتكم على حساب الجامعة ، كما أنكم اذا كنتم ترغبون فى القدوم بالطائرة ، فان الجامعة على استعداد لارسال أمر اركاب لكم . هذا ونرجو أن نسمع منكم فى القريب العاجل . والله يرعاكم .
وبوصول هذه الرسالة الينا أجبناه برسالة مؤرخة فى ١٠ صفر ١٣٩٠ ه : ( بأننا نوافق على ما جاء فى خطاباتكم لنا فى ذلك كله ، ونرجو بعث تذاكر الطائرة ، وسيكون سفرنا للرياض ان شاء الله ، حوالي ١٠ صفر ) .
وتهيأنا للسفر فى الموعد المحدد . وانتظرنا وصول تذاكر الاركاب على الطائره .
وفى مساء يوم الجمعة ١١ صفر ١٣٩٠ ه جاءنا موزع البرقيات الداخلية ببرقيتين معا . . احداهما صورة للبرقية رقم ٥/٩٠٥ فى ٨-٢-١٣٩٠ ه الموجهة من وكيل جامعة الرياض الى مدير مؤسسة الخطوط الجوية العربية السعودية بجدة ، والأخرى موجهة لنا نحن الثلاثة من وكيل الجامعة الدكتور عبد العزيز الخويطر بالرقم ١٦/٩٣٢ فى ٩-٢-١٣٩٠ ه ويقول فيها : (( الحاقا لصورة برقيتنا رقم ٥/٩٠٥ فى ٨-٢-١٣٩٠ الموجهة للخطوط السعودية لاركابكم - تم الحجز لكم بفندق صحارى بالاس بالرياض . تحياتي )) ا ه .
ولتسلمنا البرقيتين معا فى الليلة المشار اليها آنفا تأجل سفرنا الى صبيحة يوم الاثنين الموافق ١٣ ربيع الاول ١٣٩٠ ه .
بدء الرحلة
فى صبيحة ذلك اليوم جمعنا أمتعتنا بسيارة البيجو ، وذهبنا نحن الاثنين الى مطار جدة : ضياء الدين رجب ، وكاتب هذه السطور . وأما زميلنا الثالث : علي حافظ ، فانه كان أقرب منزلا منا الى المطار ، ولذلك اتجه اليه من كثب . . واجتمعنا فى بهو المطار ، ومن حسن المصادفات ان كان صاحب السمو الملكي الامير عبد الله الفيصل متوجها فى ذات الوقت الى الرياض . . فسلمنا عليه وأخذت لسموه ولنا معه جريدة المدينة المنورة صورة تذكارية فى المطار قبيل اقلاع الطائرة النفاثة (( الديسناين )) وقد نشرت الصورة فى عددها الصادر فى اليوم التالى من رحلتنا الجوية الى الرياض وهو يوم ١٤ صفر ١٣٩٠ ه - ٢١ أبريل ١٩٧٠ م .
وبضع دقائق كنا فى جو مطار الرياض ، وكانت الطائرة قد ارتفعت بنا أثناء طيرانها من جدة حتى الرياض فوق جبال متكاثفة من السحاب الأبيض المتراكم السيار الذى حال بيننا وبين رؤيتنا للأرض . . وما عليها . .
وفى المطار كان الدكتور عبد الرحمن الانصارى ، وأخوان أعزاء من أساتيذ الجامعة الدكاترة ، وبعد التحيات والترحيبات ذهبنا معهم الى فندق صحارى بالاس المجاور للمطار الذى حجزت لنا به أماكن .
فندق صحارى بالاس
وفندق صحارى بالاس من خيرة فنادق مدينة الرياض ، وهو منسق ، ويعتبر من فنادق الدرجة الاولى بالرياض ، ويمتاز عما سواه بأنه ناء عن الضجيج ، هادئ ، يطل على الصحراء الجميلة المترامية الاطراف ، فيسرح النزيل بصره الى خبت ذهبي اللون تتناثر فوقه شجيرات وبعض نبات برية . . ومع قربه من المطار فان النزيل به لا يقلقه مطلقا
هدير الطائرات النفاثة ولا غيرها من أنواع الطائرات مهما ضخمت ، ولعل هذه احدى مزايا تصميمه الهندسى .
وقد مكثنا هنيهة فى البهو الكبير بالدور الأرضى من الفندق ، ريثما أحضرت مفاتيح الغرف الثلاث المحجوزة بأسمائنا . وناولنا تلك المفاتيح الدكتور عبدالرحمن الانصارى . غرفة الاستاذ ضياء الدين رجب هى المرقمة ب ١٠ ، وغرفة الاستاذ علي حافظ رقمها ١١ ، وغرفتى ذات الرقم ٥ . . وكانت جميع الغرف بمقربة من بعض ، وهى كلها فى الدور الذى يعلو مباشرة الدور الارضى .
وما بنا أن نصف اثاثها ونظافته ولا البساط السندسى الذى فرش به سلم الفندق الحجرى من أوله الى آخره . ولا يقظة مديره ، ولا خدمات عماله وموظفيه ، فكل هذا طيب ، أما طيب جوه وراحتنا فيه واستمتاعنا بالنوم اللذيذ فى وقت النوم . والنشاط فى وقت اليقظة فحدث عن البحر ولا حرج . . كما يقولون فى المثل المعروف .
وقد ارتحنا بعض الوقت وغيرنا ملابسنا ، وكنت أنا وضياء الدين رجب لم نتناول طعام الافطار فى الطائرة كدأبنا فى رحلاتنا الجوية . . فطلبنا ما نفطر به . فجاءنا الندل بما نريد . .
القاء المحاضرات
هى ثلاث محاضرات فى ثلاث ليال متواليات . . تبدأ بليلة الثلاثاء ، وتنتهى بليلة الجمعة . . من مساء اليوم الثالث عشر الى مساء الرابع عشر من صفر ١٣٩٠ ه .
وقد أعد كل منا محاضرته فى جدة قبيل رحلتنا الى الرياض . . وبقيت بعض ( تعديلات طفيفة ) على محاضرات بعضنا
فأكملها فى الرياض . .
وبعد مغرب ليلة الاربعاء الرابعة عشرة من شهر صفر ١٣٩٠ ه ( حسب التعبير العربى القديم ) . . ويوافق ذلك مساء يوم الثلاثاء ١٤ صفر ١٣٩٠ ه ( حسب التعبير الحديث ) ألقيت - جالسا على كرسى - فى بهو جامعة الرياض محاضرتى : ( بين التاريخ والآثار ) . . وكانت القاعة مكتظة بالمستمعين من طبقات مختلفة ، وقد شاهدت بعض السفراء وغيرهم . . وقد حضر مندوبون من التلفزيون ومصورون من الصحافة ، وكانت أنوار القاعة الكبرى متألقة فى كل مكان ، واستمر القائى للمحاضرة زهاء ساعة من الزمان . .
وفى ليلة الخميس ، التالية لليلة الاربعاء مباشرة . وبعد المغرب أيضا ألقى الاستاذ ضياء الدين رجب محاضرته : ( العوامل الانسانية بين الأدب والقضاء ) ألقاها وهو جالس أيضا وأخذت وقتا لا يبعد كثيرا عن الوقت الذى أخذته المحاضرة الاولى .
وفى ليلة الجمعة التالية لليلة الخميس مباشرة ، وبعد المغرب أيضا ، ألقى الاستاذ علي حافظ . محاضرته عن: ( غزوة الخندق ) وهو جالس أيضا على كرسى فى القاعة ذاتها ، وقد أخذت محاضرته وقنا أطول وكان هيأ خريطة أثرية تقريبية لغزوة الخندق . فصار يشير بعصا الى مواقع المعركة على الخريطة المبسوطة بجانبه .
المحاضرات من رسالة جمعية التاريخ والآثار
والمتأمل لموضوعات المحاضرات الثلاث سيجد انها كلها تمت بأقوى الصلات الى
أهداف جمعية التاريخ والآثار . . وبمعنى أدق : انها كلها فى التاريخ والآثار ، لم يشذ شئ منها عن هذا السبيل المنشود . . وكل محاضرة تعالج ناحية من نواحى التاريخ والآثار ، لم تعالجها الأخرى . . وفى هذا تنويع متفق عليه ، وأعتقد أن التنويع فى مثل هذه الموضوعات وفى مثل هذه المواقف أمر لا بأس به ، ان لم يكن هو المرغوب فيه بالذات ، فان التكرار يمل السامعين ، ويستل من قلوبهم ومن آذانهم النشاط الى الاصغاء وحسن التلقى والاستماع .
خلاصات
هذا وقد نشرت المحاضرات الثلاث فى الصحف . . نشرت جريدة المدينة المنورة محاضرة السيد علي حافظ ونشرت جريدة البلاد محاضرة الاستاذ ضياء الدين رجب ونشرت محاضرة راقم هذه السطور جريدة المدينة المنورة فى عددها الصادر فى ٢٨ صفر ١٣٩٠ وفى جريدة الجزيرة فى عددين متواليين . . ولا بد أن القراء اطلعوا عليها فى تلك الصحف . . فلا محل لاعادة نشرها هنا . . والأمر هنا يجرى على قاعدة : ( ما لا يدرك كله لا يترك كله ) . . ولهذا رأينا من المناسب ان نسجل خلاصات مضغوطة مركزة لكل محاضرة منها فنقول :
أولا - محاضرة الاستاذ علي حافظ تعالج تاريخ غزوة الخندق . . من ناحية أثرها فى صمود الاسلام ثم انتشاره بعد الصمود فى هذه الغزوة الحاسمة . . وتعالج المحاضرة هذه الغزوة أيضا من ناحية أخرى هى ناحية
ملابساتها الأثرية . . كمواقع الجيشين : جيش المسلمين وعلى رأسه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، وجيش قريش وأحلافهم . . وكتحديد طريق الرسول الرسول ( ص ) من المدينة الى مكان المعركة ، وكمكان الخندق نفسه وطوله وحدوده .
ثانيا - محاضرة الاستاذ ضياء الدين رجب تعالج قصة ترابط الأدب النثرى والشعرى بالقضاء والعوامل الانسانية التى دفعت بهما الى هذا الترابط ، وقد أتى المحاضر بشواهد وأمثلة على ما يقرر . .
ثالثا - محاضرة كاتب هذه الحروف عالج فيها قضية الاتصال الوثيق بين علم التاريخ وعلم الآثار ومزايا ذلك وأتى بقاعدة مستنبطة من الواقع . . حيال عدم الجزم بأنباء التاريخ المكتوب وحدها أو بأحاديث الآثار المنقوشة وحدها . . ما لم يكن من بعضها شاهد على صحة البعض الآخر . . وهذا باستثناء ، كلام علام الغيوب جل وعلا وحديث رسول الله المصطفى ( ص ) .
كلمة وزير المعارف :
هذا وبعد الفراغ من القاء محاضرة الاستاذ علي حافظ نهض معالى وزير المعارف الشيخ حسن آل الشيخ فارتجل أمام الحاضرين وهو واقف على منصة الخطابة بالقاعة الكبرى بجامعة الرياض - الكلمة البليغة التالي نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ، أيها الاخوة : جرت جامعة الرياض على أن لا يعلق على
المحاضرات التى تلقى فى رحابها أحد ، وتلك طريقة لها مبرراتها ومحاسنها . لكني وأنا اتحدث هذا الحديث القصير لا أعتقد انى أخرج على هذه القاعدة ، وانما أريد أن ألبي دعوة أخى الدكتور الانصارى ، وأريد أن أتقدم بتحية مخلصة مملوءة بالشكر والتقدير للأخوة الكرام الاساتذة الذين أمتعونا بهذه الأمسيات الثلاث . فلقد استطعنا أن نعيش معهم وفى أجوائهم الاسلامية العظيمة ، واستطعنا أن نقف كما وقفنا من قبل على مدى قدرتهم وكفاءتهم .
وانى أشكر لجامعة الرياض الحبيبة هذا النهج الطيب لاستدعاء أمثال هؤلاء المفكرين والعلماء والأدباء لنلتقي معهم فى ظلال هذه الجامعة نسمع منهم ونستفيد ويتجدد هذا اللقاء الودي والاخاء .
فما أجمل أن يلتقي طلاب العلم بالعلماء هذا اللقاء الذى يحقق الخير والذى يعبر بصدق عن مدى حرص الجامعة والقائمين عليها ، على أن تؤدي رسالتها كاملة غير منقوصة .
وانى أيها الاخوة أحيي باسم جامعة الرياض ، وباسم جمعية التاريخ والآثار ، وباسمى شخصيا ، أحيي الاخوان وأشد على أيديهم وأشكرهم على تلبية هذه الدعوة ولست بحاجة الى أن أعرف بهم فقد عرف بهم أخى الدكتور عبدالرحمن الانصارى ونعرف وتعرفون عنهم الكثير .
فأحدهم الشيخ ضياء الدين رحب ، أحد علمائنا وأدبائنا ومفكرينا ، أسهم ولا زال يسهم فى ميدان الأدب والفكر بالعطاء الكثير . نحن نقرأ له كل يوم أبوابا ثابتة يعالج فيها الكثير من المشاكل والقضايا
وقبل ذلك أدى دوره كاملا فى ميدان العلم والأدب . وفى حقل القضاء واستطاع بحق أن يجمع بين العلم والشرع وبين الادب وبين الفكر .
والثاني هو الأخ الاستاذ عبد القدوس الانصارى ، أحد كبار أدبائنا ومفكرينا ومؤرخينا ، وصاحب مجلة المنهل ، التى استطاعت بحمد الله أن تقف وأن تصمد رغم العقبات وتطورت من حسن الى أحسن ولا تزال حتى اليوم تؤدى رسالتها فى ميدان العلم والأدب والفكر .
والثالث هو الأخ الاستاذ علي حافظ أحد الرواد فى ميدان الثقافة والتاريخ والأدب وأسهم مع أخيه ، كما قال أخى الدكتور الانصارى ، فى اقامة مدرسة الصحراء بالمسيجيد ، هذه المدرسة التى استطاعا أن يخرجاها من عالم الاحلام الى عالم الحقائق ، وبذلا الكثير من الجهد لفتح أبوابها لفئة من مواطنينا ، استحقا بذلك شكرنا جميعا وشكر وزارة المعارف .
ولئن كانت وزارة المعارف تحتضن هذه المدرسة فان الفضل الاول فيها يعود بعد الله اليهما ، ثم هو مع أخيه من الرواد فى عالم الصحافة ، ولا ينكر منا أحد صحيفة المدينة المنورة التى قاما باصدارها ولا تزال تصدر حتى اليوم .
اننى أحييهم وأشكرهم وأرجو أن نلتقي بهم دائما فى هذا المكان وفى غير هذا المكان لنستفيد منهم ونتحدث اليهم .
وانى أرجو من جامعة الرياض . الجامعة الحبيبة العريقة التى استطاعت بحمد الله أن تثبت وجودها عملاقة قوية . لا أقول هذا بدافع من العاطفه والحب ولكنى أقوله
بحمد الله حقيقة واقعة لمستها ليس فى المملكة العربية السعودية فحسب بل فى كل مكان ذهبت اليه أجد اسم جامعة الرياض يسبقنى فى المحافل العلمية ، ورغم قصر مدتها فقد استطاعت أن تقيم بنيانها وأن ترغم الآخرين على الاعتراف بها .
اننى أحمد الله ، فالفضل الاول يعود اليه ثم الى اخلاص القائمين عليها وتفانيهم فى اظهار هذه الجامعة بالمظهر اللائق ، وأحيي جمعية التاريخ والآثار فى شخص رئيسها الاخ الكريم الدكتور عبد الرحمن الانصارى ، هذا الشاب الذى أثبت مع زملائه السعوديين اخلاصهم لدينهم ولوطنهم واستطاعوا بحمد الله أن يسهموا أسهاما واضحا فى النهضة العلمية والفكرية .
اننى أرجو منهم جميعا أن يمتعونا بمثل هذه اللقاءات كل ما استطاعوا . والسلام عليكم ورحمة الله .
كلمة رئيس جمعية التاريخ والآثار :
وبعد ذلك نهض الدكتور عبد الرحمن الانصارى رئيس جمعية التاريخ والآثار فارتجل الكلمة التالى نصها :
نحن نشكر معالى الوزير لهذه الكلمة القيمة الرائعة ونعاهد الله بأن نسير على معالم الدين الحنيف وبتوجيهات جلالة قائد البلاد ورائدها واهتمامات معالى وزير المعارف لكى نصل الى الهدف المنشود الذى نرجو أن نحققه فى أمد قصير باذن الله .
وفى الختام نشكر لهؤلاء الاساتذة الكرام ما قدموه فى هذه الأمسيات الثلاث من محاضرات قيمة . استمتعنا بها كل
الاستمتاع ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يطيل فى أعمارهم ونرجو أيضا أن نستمع فى السنوات القادمة لمحاضرات أخرى من أساتذة أجلاء كهؤلاء .
ولا يفوتني أن أكرر شكرى للسيد علي حافظ على اهدائه لجمعية التاريخ والآثار هذه الخارطة الأثرية الممتازة ( لمعركة الخندق ) الذى أمضى زمنا ليس بالقصير فى رسمها وفى تخطيطها ، فله أجزل شكر جامعة الرياض وشكر القائمين عليها . ولكم جزيل شكرى . والسلام عليكم ورحمة الله .
جولات علمية وأثرية .
تموج مدينة الرياض اليوم بوسائل العلم . . ففيها جامعة أثبتت انها عملاقة كما يقول معالى وزير المعارف فى كلمته القيمة المرتجلة ، وذلك برغم حداثة عهدها بالانشاء . . فهى قد أنشئت فى عام ١٣٧٧ ه فلها من العمر الآن ثلاثة عشر عاما فقط . . وفيها الآن كليات عديدة . . وفيها عمداء وأساتيذ دكاترة من أبناء البلاد فى الآداب والعلوم والطب والصيدلة والزراعة والتجارة والهندسة . . فهى من هذه النواحى جديرة بالتقدير ، حرية بالجولات فى ربوعها العلمية الآهلة . . ولذلك لا غرو ان كان - برنامج مكثنا بالرياض - مكتظا بالجولات الاستطلاعية للكليات والمعاهد ، وكنا نمكث فى كلية وفى معهد ، ساعتين وثلاثا نتجول ونقف ونستمع ونستمتع بما نرى ونشاهد وبما نسمع .
وفى طليعة زياراننا العلمية قمنا بزيارة الدكتور عبد العزيز الخويطر مدير الجامعة بالنيابة . . ذهبنا اليه فى مكتبه
بالجامعة . . وقد لقينا منه ايناسا ولطفا مثاليا . ومكارم أخلاق . وكانت الأحاديث معه تنتقل من جو عبق الى جو عطر من أدب الى تاريخ ومن شؤون اجتماعية الى شؤون ثقافية وجامعية . وقد استمر الحديث حول مشروع المدينة الجامعية الكبرى التى تزمع الحكومة تشييدها فى أرض فيحاء كنت شاهدتها فى رحلة الرياض التى سبقت هذه الرحلة . وكانت بسنة ١٣٨٧ ه شاهدت تلك الارض ماثلة بين الرياض والدرعية فيحاء متسعة مرتفعة عما حولها من الارضين ، جديرة بانشاء جامعة كبرى عليها تعيد اشعاع نور الاسلام للعالم ، عبر هذه البلاد واليها . . وقد حدثنا الدكتور الخويطر عن تبرعات سخية بأرضين جد ثمينة قدمتها بعض الأميرات البرات من البيت السعودى الكريم . . وحدثنا عن هبات كريمة قدمت بأراض فى هذا البراح الواسع من قبل بعض الأمراء السعوديين . وقد اثنى الدكتور
على سماحتهم ثناءا عاطرا . . حدثنا بأن صاحب السمو الملكى الامير خالد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء اهدى أرضا فيحاء واسعة ذات قيمة مثالية للجامعة . . فكان تبرعا حميدا يستحق الخلود والتخليد . . وحدثنا بأن مخططات بناء كليات الجامعة وميادينها وحدائقها وملاعبها هى جاهزة للانشاء . وأذكر انه قال لنا ان المشروع الجامعى العظيم سيتم ان شاء الله عما قريب وعلى مراحل . .
وحدثنا فيما حدثنا به عن انشاء كلية الطب . . أحدث كليات الجامعة انشاءا ووجودا . وقد شربنا الشاي والقهوة العربية لديه ثم استأذنا بالخروج لئلا نأخذ من وقته الثمين أكثر فيتراكم عليه العمل .
وبعد ذلك رأينا أن نزور كلية الآداب . . وكان معنا وكيلها الدكتور عبد الرحمن
الانصارى فذهبنا اليها ، وهى قريبة من مبنى ادارة الجامعة . وقد اتجهنا قبل كل شئ الى مكتب عميد الكلية سيادة الدكتور عزت النص ، أحد رجالات العرب المثقفين الكبار . . وقد أنسنا بأحاديثه الأدبية والعلمية الشيقة ، ومكننا لديه مليا ثم استأذناه بالانصراف ، لئلا نأخذ من وقته الثمين على حساب عمله . . ومن ثم اتجهنا الى مكتب وكيل كلية الآداب ورئيس جمعية التاريخ والآثار الدكتور عبد الرحمن الانصارى . . فمكثنا به هنيهة وتحدثنا معه فى آثار وتاريخ . . ثم ذهبنا الى المكتبة العامرة بالكلية فمكثنا بها وقتا طويلا نتأمل كتبها الثمينة ونعجب من توسع المكتبة وتنظيمها الحديث فى خزائنها الحسنة الترتيب والمنظر . . ثم ذهبنا الى متحف جمعية التاريخ والآثار الحافل بالآثار . وقد كنت أعهده فى سنة ١٣٨٧ ه ( نواة ) صغيرة مبعثرا ما به من الآثار فى احدى غرف الكلية العلوية الجانبية . . فأما اليوم فهو شئ آخر . . لقد برز منحفا سويا متكاملا منسقا أروع تنسيق يحتوي على عشرات الآثار المنوعة الهامة عن هذه البلاد . فى بهو كبير جميل وقد رتبت الآثار ترتيبا فنيا كشافا .
ان المتاحف الحديثة معارض حية جميلة ماثلة للعيان ، تعرض للنظارة والباحثين ألوان الحياة القديمة وتكشف عن خبايا مجتمعات الامم الخالية .
تشرف على هذا المتحف ، جمعية التاريخ والآثار ، أول جمعية من نوعها فى بلادنا . . ويرأس الجمعية الدكتور عبد الرحمن الانصارى . وهو عالم الآثار الوحيد فى المملكة ولها هيئة ادارية محترمة وعامله .
وفى اليوم التالى قررنا أن نذهب لزيارة كلية العلوم ، وعميدها الدكتور محمد رضا عبيد . وقد دخلناها فى الصباح المبكر عقب ان انتظمت دروسها . ورأينا كيف يستعمل الطلاب بأشراف أساتيذهم المختبرات العلمية الدراسية المتوفرة لديهم لتحليل دقائق الأشياء من حيوان ونبات وجماد . . وقد أطلعنا الدكتور رضا عبيد على بعض هذه المختبرات العلمية الدقيقة ونظرنا فى مكبراتها ذرات لا تكاد تبين للنظر المجرد من شدة الصغر فاذا هى ضخمة تظهر تخطيطاتها للعيان . . وأرانا كيفية تلاقح الأزهار والأشجار ، وأرانا خيوطا جد دقيقة من جذع شجرة فاذا هى فى ( المكبر ) ، خيوط كبيرة كأنها الحبال المتينة المتشابكة . .
شجرة الغلثي
وكنت فى سنة ١٣٥٦ ه قد ذهبت في الرحلة الاولى من رحلات المنهل الاستطلاعية ذهبت الى جبال عار قرب الفريش بطريق المدينة - مكة ، مع السيد محمود أحمد مد الله فى عمره ، وبسيارته اللورى قبل توافر السيارات بالبلاد . . ذهبنا فى نزهة خلوية وآثرنا هذا الجزء المنعزل بالتفسح ، وقد لاحظت فيما لاحظت شجرة خضراء شديدة الاخضرار كبيرة الأوراق ذات أزهار حمر داكنة شديدة الاحمرار ، وعليها عشرات الذباب يمتص منها ما يحلو له امتصاصه ، فظهر لى ان أزهار هذه الشجرة سامة قاتلة . . وبحثت عن أعرابي أساله عنها ، وهناك لاقيت أحدهم ووقفت به على الشجرة الناضرة ، ورغبت اليه فى بيان اسمها ، فقال : ان اسمها عندهم هو ( الغلثي ) بضم الغين المعجمة واللام وكسر الثاء المثلثة بعدها ياء مشددة - ،
وأضاف الى ذلك انها سامة تقتل الحيوان الذى يأكلها . وقد يضعون زهراتها مع الخبز للذئاب العادية فتأكلها لحلاوة طعمها وسرعان ما تخر صريعة بسمها . . هذا ما لاحظته وسمعته . وقد نشرت يومئذ فى عدد المنهل الصادر فى المحرم سنة ١٣٥٦ ه - مارس ١٩٣٧ م تحت عنوان : ( فى عالم الآثار . . جولة فى جبال عار ) ما يلى نصه :
(( ومما استرعى نظرى فى عار شجيرة بالغة الجمال اللونى والشكلى ، معا ، لها ساق قويمة كعمود المرمر النقي البياض وتقوم فوق هذه الساق كتلة من الزهر ، أثمدية اللون . متجمعة من زهرات بهذا اللون . وقد راعني منظر هذه الشجيرة الغريبة لأول وهلة ، اذ كدت أخال انها قطعة من الديباج الأحمر شدت فوق هذه الساق ، بوضع هندسى محكم جذاب ، أو انها كمة ( طاقية ) شديدة الاحمرار ضارب احمرارها الى السواد ، وضعت فوق رأس هذه الشجيرة لتحميها من وهج الشمس وتأثير تيار أشعتها القوي . ولكن بمجرد وصولى اليها فهمت كل شئ . .
وسألت دليلنا الأعرابى عن اسم هذه الشجيرة وعن سرها ، وخطر ببالى قبل توجيه السؤال اليه أن لهذه الشجيرة سرا . وانها لم تبد بهذا الشكل الجذاب اللطيف البالغ فى الجمال الى أقصى حدوده الا لاحتوائها على خطر خفي . واذن هى سامة . وشافهت بعض الاخوان بهذا الرأي ، قبل القائي السؤال على الدليل البدوى . فلما سألته أجابنى بأن اسمها فى عرفهم : ( الغلثي ) بغين ولام مضمومتين ، وثاء مكسورة بعدها ياء . وقال : انها من الاشجار السامة ، وهم يضعونها مع قطعة لحم أو خبز لما يريدون قتله من السباع المفترسة ، وبمجرد
ابتلاعها تخر ميتة . . وهكذا تحققت تكهناتى ازاء هذه الشجيرة الغريبة .
وشجرة الغلثي هذه شبيهة الشكل بالصبار المعروف ، فيما عدا زهرها الموصوف ، فهذا الزهر أثمدى اللون ، مكون من عدة زهرات مخمسة الأضلاع ، فى وسط كل واحدة منها نوار صغير ناصع البياض ، ويبدو لشدة بياضه وسواد ما حوله ذا بريق وسطوع كالنجم اللماع فى السماء فى ليلة ظلماء ، ويحكي فى هيئته وصغره عيون العناكب ، وفى بريقه الألماس الأبيض ، وقد لاحظنا تجمع الذباب على هذه العيون ، خاصة ، ففهمنا بطريقة الاستنتاج أن طعمها حلو ، لأن الذباب لا يتجمع ، عادة ، الا على ما كان من هذا القبيل ، وهكذا يندس السم فى العسل . ولله فى خلقه شؤون )) .
ثم عقبت على ذلك فى كتاب ( بين التاريخ والآثار ) بتهميشة نصها : (( فى كتاب الروض الآنف )) شرح سيرة ابن هشام ، وصف الشجرة الراءة : ( وقال أبو حنيفة : الراءة من أغلاث الشجر (( ص ٤ ، ج ٢ طبع مطبعة الجمالية بمصر ١٣٣٢ ه - ١٩١٤ م واذن فقد حرف اسم الشجرة وبقي اسمها مع تحريفه لها حتى الآن )) . . وذلك ان فى (( القاموس المحيط )) : ( والغلثي كسكرى شجرة مرة والغليث ما يسوى للنسر مسموما ) مادة : غلث .
* * * عقب العودة من رحلة الرياض هذه تلقيت من الدكتور رضا عبيد عميد كلية العلوم بجامعة الرياض رسالة يقول فيها :
(( أبعث لكم بالتقرير الاولي عن شجيرة الغلثي ، وكما أخبرتكم : العينة وصلتنا من وزارة الزراعة لتحليلها والتعرف على مكوناتها السامة بعد أن تسببت فى موت مائة رأس
من الغنم الغريبة عن المنطقة والمستوردة من الخارج )) . وهذا نص التقرير المشار اليه :
تقرير عن نبات الغلثي (( Ghelzy )) )
أتشرف بالافادة انى قمت بفحص نبات (( الغلثى )) الذى تم جمعه من منطقة الطائف الجبلية فتوصلت الى المعلومات الآتية عنه : -
١ - ان اسمه العلمى Caralluma Penicillata ( Deif . ) N . E . Br . وهو أحد نباتات الفصيلة العشارية ( Asclepiadaceae ) والفصيلة المذكورة مشهورة بسمية معظم نباتاتها ، وبعضها شديد السمية وتفرز لبنا نباتيا ضارا بالانسان والحيوان .
٢ - أخذت عينة من نباتات الغلثي لفحصها كيميائيا ومعرفة حقيقة المواد الكيميائية السامة بها ، واختبار التأثير السام لهذه المواد فوجد أنها تحتوى على نسبة عالية من الصابونينات ( Saponins ) واختبر تأثير هذه الصابونينات على الدم مجهريا فوجد أنها تسبب انتفاخا سريعا فى كريات الدم يؤدى الى تفجرها الواحدة بعد الأخرى بسرعة كبيرة . وهذا التاثير الاخير يمكن أن يفسر الادماء وموت الحيوانات التى تأكل مثل هذا النبات .
٣ - وهناك نوعان آخران من نفس الجنس Caralluma مسجل وجودهما فى جبال الحجاز عامة ومنطقة الطائف خاصة ، بالاضافة الى نبات (( غلزى )) السابق ذكره , وهما يشبهان النبات الأخير فى الشكل الى حد كبير . وكذلك فى النمو على الارض الصخرية . وهذان النوعان هما : -
Cralluma retrospiciens ( EEkrenb ) N . E . .Br واسمه العربى الشائع (( كريب Kareeb )) وCaralluma Sinaica ( Becne ) A . Berger واسمه العربى الشائع (( ديوس الكلبة )) والأنواع الثلاثة سامة .
وثمة نوع رابع شديد السمية يحمل الاسم العربى (( غلقى Ghalqa )) ولكنه ليس من نفس الجنس Caralluma ولا يشبه الانواع السابقة فى شكله بل يختلف عنها اساسا فى كونه ذا أوراق كبيرة بينما انواع جنس Caralluma عديمة الأوراق مضلعة الساق وساقها ذات أربع زوايا حادة مسننة ، كما أن هذا النوع الرابع لم يسجل أحد وجوده فى الطائف ولا فى جبال الحجاز من قبل . واسم هذا النوع الرابع : Vincetoxicum officinale Moench . ( = As clepias Vincetoxicum L . )
وهكذا صحت فراستى العلمية اذ قرر التحليل ان شجرة الغلثي سامة قاتلة ، كما كنت قدرته وقررته ونشرته منذ ثلث قرن .
قطعة النيزك الضخمة
شاهدنا أمام مبنى كلية العلوم ، أو مبنى الجامعة قطعة ضخمة بالغة الضخامة والثقل ، وهى نيزك سقط على أرض الربع الخالى . . ولعلها هى التى تحدث عنها الاستاذ فؤاد حمزة ، فى كتابه ( قلب جزيرة العرب ) فقال : (( وأما من حيث العمران فقد كان الشائع عند البدو ان فى الربع الخالى آثار عمران عديدة خلفها الأقدمون من حضارات بائدة ، وكانوا
يتناقلون أقوالا متناقضة عن وجود خرابات فى وبار القريبة من بئر مغينمة التى زارها المستر فلبى ، ووجدها بئرا غزيرة الماء ، وكان المقول ان وبار هذه تقع على بعد مرحلتين ( أو ) ثلاث من واحة جبرين - يبرين - وعلى طريق القوافل التجارية من ظفار ، وانها كانت تظهر وتختفى بفعل الرياح الموسمية التى تقشع الرمل عنها فتظهر آثار خرائب وقلاع وقصور عديدة حتى دعيت باسم قصور ام الحديد والحديدة .
وقد حقق المستر فلبى . بنفسه . عن هذه الاشاعات وزار المكانين المشار اليهما وهما يقعان ما بين درجتى الطول الشرقى ْ١٥٠ ٥١ًَُْْْْْ ْوالعرض الشمالى ٣ْ٠ و ٢١ْ و ٢٢ْ فوجد ان ما كان يسميه البدو آثار عمران وخرائب قصور دامرة ، ان هو الا بقايا مخروط بركانى عظيم . خمد منذ أزمنة متطاولة وبقيت من آثار اندفاعه متحجرات بركانية محروقة ثقيلة الوزن وبلون الحديد فكان البدو يظنونها آثار قلاع وخرائب . .
وقد جلب المبستر فلبى معه بعض حجارة هذه المنطقة . وجلب أيضا حبوب الدحان البركانى المتبلور الذى يسميه البدو باللؤلؤ الاسود . وشاهد كاتب هذه السطور هذه الحبوب فاذا بها أصغر من حجم الحمص بقليل خفيفة الوزن سوداء اللون براقة المظهر )) انتهى ص ٢٨ و ٢٩ طبع المطبعة السلفية بمصر سنة ١٣٥٢ ه - ١٩٣٣ م .
هذا وجدير بالذكر ان طلبة كليات جامعة الرياض جادون فى طلبهم للعلم ، وليسوا هازلين أو كسلى . . لقد علمهم أساتيذهم وعمداؤهم ورئيس عمدائهم أن لهم مطلبا شامخا وانهم يجب أن يجدوا لنيله فى أقرب فرصة ممكنة من حياتهم . وان طريق
تحصيله يتمثل فى أصالة التعليم وعمقه وسموقه . . والمطلب الكبير المنشود هو لحاق المملكة بركب الحضارة الحديثة المحلي الصاعد الى القمم ، فى أقرب وقت ممكن من طريق الدراسة الواعية المستنيرة بجامعتهم العملاقة التى تهيء لهم كل أسباب التقدم وكل أسباب التفوق والنجاح الشامخ .
وقد قلت لبعضهم فيما قلت : (( نرجو أن تكونوا فى تعليمكم فى طليعة المتعلمين ، مثالين لا تقليديين ، وأن نرى اختراعاتكم تملأ آفاق بلادكم وتملأ الدنيا ، وابتكاراتكم الادبية والعلمية والصناعية تسد احتياجاتنا المتنامية ، وتزود العالم بفيض غزير من تجديد حضارة الاسلام فى بلادكم هذه التى هى مهد الحضارة العربية الاسلامية التى استمدت منها حضارة الغرب الحاضرة كيانها وأنشأت عليها بنيانها العظيم الباهر . وكل من له رأس وعينان يفعل ما يفعله كل انسان . . والعبرة بالجد القويم )) .
وقد قابلنا فى كليتي الآداب والعلوم شبانا دكاترة عمداء ، وأساتذة ومعيدين سعوديين ، فسررنا بهم بالغ السرور وحمدنا الله تعالى على من مننه الجسام على هذه البلاد مهد العروبة والاسلام .
وبعد كلية العلوم . . وفى اليوم التالى كانت وجهتنا الى كلية الزراعة . وكلية الزراعة تعتبر احدى أعمدة العلم والعمل الحيوية فى بلادنا ، ذلك أن موضوعها هو الزراعة . والزراعة هى قوام حياة الانسان لانها غذاؤه العام ، وتقدم الزراعة الوحيد فى بلاد ما . يجعلها تنعم بالاكتفاء الذاتى فى أهم مبيد حيوى ثم ذات تصدير له .
في الوسط - الخامس - سعادة الدكتور عبد العزيز الخويطر مدير جامعة الرياض بالنيابة ، والى يمينه الاستاذ ضياء الدين رجب فالدكتور رضا عبيد عميد كلية العلوم بجامعة الرياض ، فعبد القدوس الانصارى ، فالدكتور عبد الله الوهيبى الامين العام للجامعة ،
وعن يساره : السيد علي حافظ فالدكتور عبدالرحمن الانصارى وكيل كلية الآداب ورئيس جمعية التاريخ والآثار بجامعة الرياض فالاستاذ عبد العزيز التركى المستشار الثقافي بلندن ، فالسيد محمد نعيم المفتى ويرى امام الجميع نماذج من المقاعد والمناضد التى صنعتها كلية العلوم بالجامعة من خشب الأثل الوطنى وقد بدت رائعة وجميلة
وعميد كلية الزراعة هو الدكتور عبد الله العقيل ، وقد تجولنا معه فى اقسام الكلية ورأينا الطلاب وهم يدرسون . . يدرسهم أساتيذهم فنون الزراعة العلمية والعملية التطبيقية معا . فيحللون الأزهار والثمار ، ويأتون بمختلف النباتات الى الكلية من مختلف الأماكن والأودية والجبال والصحارى ، ويعرضون ذلك لتحليل مخبرى فاحص دقيق ، ليدركوا بوساطته خصائص خلايا هذه النباتات وهذه الازهار . وهل هى نافعة أو ضارة ، وليدركوا أمراضها وأسبابها وعلاجها ، وليتعرفوا على ماهية الحشرات المتلفة للأشجار والثمار .
وكلية الزراعة فى الرياض تقع فى ( عليشة ) فى عمارة ضخمة واسعة الأرجاء ، و يحيط بها حدائقها الغناء المفعمة بأشجار
الزينة والأزهار الفواحة وبالنخيل الباسقة ، والخضراوات المنوعة ، وطلابها فى نشاط علمى دائب تراهم وراء معاملهم يقومون بالتجارب العلمية التى تؤهلهم ليكونوا بارعين فى فنهم الحيوى ، وهم يعنون فيما يعنون به ، بدراسة خلايا الحيوان وأمراضه وأسباب صحته ، ولديهم حظائر للتجربة العلمية والتنمية الاقتصادية ، من بقر وغنم ومعزى منها لدراساتهم ولميزانية كليتهم .
وفى الكلية برادات كبيرة ومعامل مهمة تبقى الثمار فيها أمدا مديدا طازجة . . لقد قدم لنا ونحن فى الكلية رطب جني أصفر اللون شهي ، وله ما يقارب العامين ( مصبرا ) مثلجا ، وقد بقي له طعمه وخصائصه جميعها الى اليوم الذى ذقناه ، كما كانت يوم قطف من نخيله . .
وطلبة الكلية جادون فى التعلم كل الجد اسوة بسائر الكليات . وتلحظ كل ذلك على قسمات وجوههم أثناء دراستهم ومن اهتمامهم الكبير بالتحليل العلمى ونتائجه . . وتلمحه فى يقظتهم التامة لما يلقيه أساتيذهم عليهم فى فصول الدراسة . .
في معهد العاصمة النموذجي
وكل من زار مدينة الرياض لا بد ان يشتاق الى زيارة معهد العاصمة النموذجى . ذلك المعهد الحيوى للتعليم فى بلادنا والذى يعتبر نموذجا حيا ومثالا طيبا للتعليم الهادف والتربية الاسلامية المثلى . . ومديره ومؤسس كيانه الادارى هو مديره العام الآن الاستاذ المربي عثمان الصالح ، ومع انى اعرف المعهد وزرته فى سنة ١٣٨٧ ه عدة زيارات وكتبت عنه فى رحلة الرياض السابقة ، فقد رأيتنى الآن مشتاقا لتكرار زيارته لأنى أعلم أن مديره العام حفي به ، وأنه لا بد مجدد فيه أشياء كثيرة فبالغ به القمة ان شاء الله . . وكانت زيارتى الاخيرة لا الآخرة له فى يوم الخميس ، وكان الاستاذ عثمان الصالح موجودا فى مكتبه ومعه فى الغرفة المدير المساعد الاستاذ عبد الرحمن حمد الجويعد . وكان بجانبنا على أريكة من أرائك مكتب المعهد الوثيرة شيخ أعرابى مستدير الوجه واللحية ، كثها ، غلب بياضها على سوادها . . أبيض الوجه أقنى العرنين ، أدعج العينين ، أزج الحواجب مقرونها ، مربوع القامة ، ليس بالنحيف السمهرى . ولا بالسمين الجرى (١) ، وكان صامتا هادئا . ولاحظ عثمان الصالح تأملاتى له ، فبادر بتعريفى به قائلا : هذا صالح بن عامر العرق المري ، ( من بنى مرة ) خيرا القيافة . وله قصة طريقة فى القيافة
اتركه لك ليخبرك بها . . فالتفت الى الشيخ الصامت الوقور وحييته ، وبعد التعارف بيننا انطلق يروى لى قصته التى قال عنها الاستاذ عثمان الصالح انها طريفة . .
قصة قيافة :
قال : فى سنة ١٣٨٦ ه طلبت - بضم الطاء - من قبل الامير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ، وكان قد تجمعت لديه خيوط مشكلة غامضة لم يتمكن المسؤولون من حلها ، وذلك أن شابا قد أخذ - بضم الهمزة - من ديرته وهو طفل صغير لم يتجاوز عاما ونصف عام . وكان أخذه من الدهناء . عند ( أم الجماجم ) بالقرب من سدير . . المنطقة المعروفة . . وكان القوم الذين أخذوه من العراق . . وعاش معهم فى العراق حتى ترعرع ، والى أن بلغ سن الشباب ( سبعة وعشرين عاما ) . ولطول مكثه بين ظهرانى القبيلة العراقية دخل فى روعه انه واحد من أفرادها الأصلاء . وقد وعدوه أن يزوجوه باحدى فتياتهم . ولم يكن هذا الوعد منهم جديا . وحينما طالب بانجاز ما وعدوه به ، وأنسوا منه الجد فى طلب يد فتاتهم ، صارحوه بالواقع : انه لقيط . وما ان سمع هذا النبأ منهم حتى طار صوابه واستل سيفه على المرأة التى تبنته وربته ، واعتقد انها والدته .
وقال لها : تالله ان لم تخبريني بالحقيقة فصلت رأسك عن جسدك . . . فهدأته المرأة ، وقالت له : على رسلك . . ثم بادرت الى استدعاء زوجها . فأخبراه معا بالحقيقة المكتومة عنه . فارتحل الى الكويت ، ومنها الى ( أم الجماجم ) وعرض نفسه على القبائل ، فظهر ثلاثة رجال . يدعي كل منهم انه والده الحقيقى ، وعرض الأمر على حاكم الكويت فقال : أنتم جميعا سعوديون فتوجهوا الى قاضى الحفر بالباطن السعودية ، ليحكم بينكم . فذهبوا لقاضى الحفر ومعهم الشاب ، وقد احتار القاضى فى موضوعهم ، وقال : هذه مسألة لا حل لها عندى . . حلها بيد الحكومة . فرحلوا الى الرياض ومثلوا أمام الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله ، وقد استفحل شأن المشكلة ، وهنا تدارك الامير سلمان بن عبد العزيز الامر بحكمته بعدما أحيلت اليه أوراق القضية . فرأى ان حلها بيد من يحسنون اقتفاء الأثر . فطلب سموه حضورى ، وعرضت علي ، المسألة ، وفهمت جوانبها . فقلت : أحضروا لى كل من له صلة بنسب المذكور أو ادعاء بالنسب من النساء والرجال ، ولما دخلوا علي ، فى منزلى تفرست فيهم كلهم ، فأدركت أن الشاب هو (( جزء )) من (( الجشوش )) احدى قبائل مطير ، وآثرت كتمان هذه الحقيقة . . كتمتها حتى عن الدولة . ومن ثم قمت باستدعائهم فردا فردا ، ما عدا الأب الحقيقى ، وخوفتهم وذكرتهم بشديد عقاب الله على من ادعى نسبا ليس له وقلت لهم : انكم تدعون ما ليس لكم ، وأرى أن نفوسكم لن تسمح بادخال واحد من غير نسبكم على حرمكم ، فيتبرجن أمامه ويعتبرن أخوات له ، وهو أجنبي عنكم وعنهن . . وهنا تأثروا فتنازلوا عن دعواهم فى بنوة الشاب لهم
وسجلوا على أنفسهم ان لا دعوى لهم فيه . فتقدمت عندئذ الى الوالد الحقيقى ، فسلمته ابنه . . وقلت له : هذا ولدك من صلبك . فسلم كل منهما على الآخر ومضيا لشأنهما . وهكذا عاد الشاب الى قبيلته الحقيقية والى أبيه الفعلي بعد غياب دام سبعة وعشرين عاما . .
هذا وقد حدثنى صالح المري . بأن السر فى أخذ العراقيين للطفل ، يعود الى أنهم من بادية العراق الذين اعتادوا الوفود على الملك عبد العزيز رحمه الله ، فيمنحهم العطايا السخية كل عام ، كدأبه مع قصاده من بلاد العرب المجاورة . .
بين القيافة والعيافة
وبعد فتلك قصة واقعية من قصص (( القيافة )) العربية المدهشة ، فى هذه الديار .
والقيافة من علوم العرب القديمة . . وتقابل ( العيافة ) عندهم - ( القيافة ) . والعيافة زجر الطير . فقد رووا ان عمر رضى الله عنه كان جالسا فى وقت الحج وكان عنده رجل من قبيلة بنى لهب (*) ، وكان بنو لهب من أزجر القوم فيما يعتقده العرب فى جاهليتهم ، وقد حدث ان فر طائر من الارض ، فوقعت من بين رجليه حصاة على مقدم رأس عمر بن الخطاب فأدمته ، فقال اللهبي عندما رأى ذلك :(( والله ، أمير المؤمنين لا يحج بعد هذا العام )) . فصادف كلامه ومات عمر من عامه ولم يحج . واتفق ان كان رجل طائي شاهد عيان لما حدث فقال بيتا مشهورا اتخذ فيما بعد شاهدا من شواهد علم النحو وهو :
خبير بنو لهب فلا تك ملغيا
مقالة لهبى اذا الطير مرت
وفسر شراح الشواهد النحوية البيت فقالوا : ان الشاعر يقول : ان بنى لهب هم خبراء بالعيافة (٢) . . وأرى ان العيافة ، خيال وخراقة ، وقد يتفق معها حدوث أمر فيخال الجهلاء ان حدوثه كان نتيجة العيافة الصادقة .
أما القيافة ففراسة معقولة وموهبة وهبها الله للعرب قديما وحديثا واشتهر بها بنو مرة الذين منهم صالح العرق المري .
تعريف القيافة :
و ( القيافة ) - بالقاف المثناة الفوقية المكسورة - قال عنها اللغويون : انها تتبع الأثر ، يعرف ( القائف ) - أى متتبع الأثر - شبه الرجل بأبيه أو أخيه ، وجمع (( القائف )) : قافة . والاسم : القيافة ، وهو : ( القواف أو القياف ) - بتشديد الواو والياء (٣) .
آل مرة
أما آل مرة المعروفون بالقيافة فمنازلهم تمتد من جنوبى الطريق الموصلة بين الاحساء والرياض الى جهات الخرج والعقير الى واحتي جافور أو جبرين حتى أواسط الربع الخالى (٤) وهم ذوو بطون كثيرة معروفة . .
حفلات
* أقام سعادة الدكتور عبد العزيز الخويطر حفل عشاء فى دارته للوفد الثلاثى ، وضم الحفل شخصيات بارزة فى العلم والفكر والأدب
والصحافة وساد الجو غبطة وايناس ، وكان سمرا ممتعا لطيفا .
* واقام سعادة وكيل كلية الآداب ورئيس جمعية التاريخ والآثار الدكتور عبد الرحمن الانصارى حفل عشاء فى منزله ضم كثيرا من الاساتذة ورجال العلم والفكر والادارة والصحافة .
* وأقامت جمعية التاريخ والآثار بجامعة الرياض حفل عشاء ، أيضا ، فى فندق صحارى بالاس وقد امتلأ بهو الفندق الكبير بالمدعوين من مختلف الطبقات .
* وأقام سعادة الشيخ عثمان الصالح المدير العام لمعهد العاصمة النموذجى حفل غداء للوفد فى منزله بالوشام . ودارت أحاديث عامرة بالود والاخاء والأدب والثقافة .
* وأقام السيد عبد الرحيم سميحان حفل عشاء ، فى دارته تكريما للوفد ، وضم لفيفا من رجال الادارة والفكر والعلم والأدب .
* وأقام أبناء مدينة العلا ، فى مدينة الرياض ، وعلى رأسهم الأخ عبد الرحيم سميحان مأدبة غداء جفلى فى بستان الجميح ، تكريما للوفد ، وقد ضمت المأدبة جمهورا كبيرا من الأعيان وكبار الموظفين
* وأقام الاستاذ خالد خليفة حفل شاى أنيقا فى دارته حضره لفيف من رجال الفكر والعلم فى طليعتهم الدكتور عبد العزيز الخويطر . . وكان حفلا أنيقا مؤنسا دارت فيه محاورات أدبية ولغوية ماتعة .
* وأقام الشيخ الأديب حمد الحقيل ، حفل شاى فى منزله ، وقد غمر المكان بشعره وأدبه ولطفه .
* وكذلك أقام الشيخ ثانى المنصور مستشار وزارة المعارف حفل شاى أنيقا
فى دارته بالملز . * وأقام السيد محمد نعيم مفتى حفلة غداء فى دارته وحضرها لفيف من الاصدقاء
لقاءات وزيارات
فى مدينة الرياض زرت فضيلة الشيخ عمر بن حسن فى منزله ، وكان لديه بعض أمراء البيت المالك ، وكان هذا الامير ذا فصاحة وبيان . .
كما زرت معالى وزير الاعلام الشيخ جميل الحجيلان فى وزارة الاعلام . كما زرت الشيخ اسماعيل الانصارى فى منزله .
وفى الندوة الاسبوعية التى يقيمها الاستاذ عبد العزيز الرفاعى التقيت بالاستاذ حسن عبد الله القرشى ، وبالدكتور محمد عبد المنعم خفاجى المدرس فى كلية الشريعة بالرياض . وكان لقاءا سعيدا اذ مضت مدة طويلة على افتراقنا .
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
مقياس لتقدم الرياض والجامعة
قدرت مقياس تقدم الرياض منذ سنة ١٣٨٧ ه وهى السنة التى قدمت اليها فيها قبل هذه الرحلة - قدرت مقياس تقدمها - زمنيا - فى هذه المدة الوجيزة - بربع قرن . كما قدرت مثل ذلك لتقدم الجامعة .
ومن ظواهر تقدم الرياض البارزة فى المدة الوجيزة السالف ذكرها هذا التطور الشامل الذى حدث بشوارعها ، فهي مسفلتة ، وهي عريضة واسعة منسقة ولها أرصفة جميلة وجزر مفعمة بالنخيل والأشجار المظلة ، وعماراتها أيضا كذلك ، وقل كذلك فى كل شئ فيها . . وناهيك بشارع الستين مترا . ومن مظاهر تقدم جامعة الرياض انشاء
كلية الطب بها . . وازدياد الطلاب وازدياد المتخرجين ويضاف الى ذلك مظهر جزئى مهم هو نتيجة للتطور الكبير ، ويتمثل هذا المظهر الجزئى فى كيانه الممدود وفى مستقبله ، وفى صنع مقاعد وكراسى قوية ذات اناقة ، ورشاقة ، من الأثل الوطنى المنتشرة أشجاره فى كل مكان . وقد تم ذلك التطور الصناعى بتوجيه سعادة وكيل الجامعة وبمؤازرة فضيلة رئيس مدارس البنات . وقد عرضت علينا فى مقر ادارة الجامعة نماذج جميلة ورشيقة القوام ، من هذه الصناعة الوطنية الوليدة التى نأمل لها الاتساع والنماء . وقد نمى الينا ان الجامعة اخذت لكلياتها ٥٠٠ قطعة من هذه المناضد والكراسى ، وان رئاسة مدارس البنات وصت بأن تصنع كراسى مدارسها ومناضدها من هذا الأثل الذى صنع منه طلاب كلية الهندسة النماذج الأولى المبتكرة لأول مرة فى التاريخ .
وهكذا وهبت الجامعة بعلمها التقني ، الحياة لمادة الأثل المهملة الوفيرة فى البلاد ووهبت الى جانب ذلك ، الوطن صناعة حديثة تقوم على خامات وطنية متكاثرة النمو والوجود فى البلاد .
وقد وفرت - الى جانب ذلك أيضا وستوفر فى المستقبل ان شاء الله ألوف الريالات من الدخل القومى كانت تذهب فيما مضى الى الخارج . ثم هى بهذا الصنع تفتح الباب واسعا رحبا لطلابها لمتابعة اقتحام عالم الصناعة الحديثة مع تطويرها حسب مقتضيات واحتياجات الوطن ، كما تفتح الباب على مصراعيه لنشوء مصانع وطنية لتصنيع الأثل . . وغيره من هذه الناحية ومن نواح أخرى يفتقها علم الجامعة التطبيقى الحديث . وكل من سار على الدرب وصل .
