قصة
(( القتل هو الوجه الخلفى للخلق ))
كنت ترنو الى السماء من على الشرفة لما أتاك صوتها من المخدع . لم تهتم . بمبناك شاردتان فى سحائب شاردة . ولا ترغب فى أى شىء . شعرت أنك فارغ . وزارك صوتها ثانية . لم تبال . انثال الضجر على كيانك فهدمه .
- ألا تسمع ؟ ! .. - ... - فيم تفكر ؟ ! .. - ... الاحسن ان تبحث عن .. - أوف !! - اليأس يحرق المدن . - ... - انى خارجة .. - ...
اليوم يقهرك السؤال . أين نصيبك من الأفق ونصيبك من الارض ونصيبك من الاحلام ؟ أأنت حر فى البؤس والاحتراق ؟.. أأنت حر فى الطواف بالشوارع أو بالنوم حتى الضحى على ثدى راعية نجوم ؟.. فيم أنت حر ؟.. حر فى التمويه على نفسك لقد دمر الضجر تمويهك . فطول الليالى الباردة اذبل حريتك الصغيرة ، البائسة ، وطول الايام الوحيدة أغرق شيأك العزيز على قلبك فى مستنقع لا نجاة منه . لم تعد تصلك رائحة تمزقك ، رائحة الحياة . فهل آلت مدينتك الى رماد ؟.. وكنت تتصور انه لا فرصة للاختيار . لذلك سقطت فى
الفراغ والعبث والظلام . وها هو السؤال رمق أخير، يستيقظ فى كيانك ، يزرع الحيرة ، يزرع الالم ، كالمفقود فى الظلام لا يرى نفسه ولا يرى الارض ، يتحسس عابثا شيئا فى الظلام يحسبه نفسه . واين هو من نفسه ؟..
وردد أخيرا : اين أنا فى كل هذا ؟
قالت : تسللت الى البيت عند الفجر . كان الجو باردا، موحشا، وكان رأسى خاليا ، موحشا ، قد حفر التعب فخذى ، وحفر السهر حدقتى .. اغتسلت وخرجت من الحمام عارية . فى تلك اللحظة آمنت بالماء واحسست اننى جميلة ، ودب فى الحب ، ولم اضىء المخدع ، بل ارتميت على الفراش ، شعرت ببرودته تدغدغ لحمى العارى ، فسرت فى رجفة ، ورغبت بجنون فى الدفء ، فى الحياة .. نقلت ذراعى لاحيطه بها ، لكنى وجدت مكانه خاليا ، باردا . تحسست بساقى لأتاكد .. أين ذهب ؟..
- عمر .. - ... - أين أنت ؟ ..
وتذكرت اننى تركته هناك . وتدفق من الشرفة هواء بارد وكان هناك . من الضحى . نائم .
وتعجبت .. - عمر .. حركته برفق . - هيا .. الدنيا باردة . - أنت ؟ ! .. - نعم . أنا .
أحطته بذراعى .. دفعته الى الفراش . التصقت به أكثر فأكثر . كأنه يفكر .. لم يتحرك .. تماديت فى اغراقه بالنشوة . لكنه قال بهدوء :
- ابتعدى .. لكنه قال هائجا :
- ابتعدى ..
ذعرت . ابتعدت . لم أقل شيئا ، اقتربت منه لاهدئه ، صفعنى فى الظلام . سال خيط دقيق من أنفى . شاعت رائحة الدم فى المخدع . مثلت دور الانثى الضعيفة . فانهال على ..
- قذرة .. أتحسبيننى كلبا ؟ نتنة ! اللعنة !
ولم اعد احتمل . فسقطت دون رجاء او أمل ، كنت تلهث ، تتقلب فى الغضب والثورة . أضأت الغرفة ، بدت لك مقيتة عارية وكنت تحس انك أفرغت شيئا من حزنك ثورة عليها .. وجعلت تحملق فى عرائها ، ولا رحمة ، فقد مات القلب ، ومات الجنس . وركبك التفكير . حقا لقد وفرت عليك مشقة الحفرة والخبز . لكنها سدت عليك الضياء . نزف جرحك طويلا حتى عذبك . نزف فى الخفاء وفى الظلام ، حتى هاج السؤال .. الان : عليك ان تخلق وجها جديدا .. لان وجهك الماضى ضاع الى الابد ..
ما أصعب الخلق والبداية فى مدينتنا المثقلة بمئات السنين .. هذا هو الثقل يعبق فى كل مكان ، تحت الاقدام ، على الشرفات ، فى زوايا الشوارع ، فى الساحات ، فى اشجار التوت .. وهذا حلم النهار مجهد حزين .. وأين الفرحة يا حبيبى .. فرحة الحياة ؟ .. فمدينتنا ضيقة .. وانا أخاف على وجهى الجديد . أخاف ان أموت قبل ولادتى ..
خيط من نور ابيض ينغرس على أرضية الفاراج . تمطى ، تحرك ، انتفض ، جمع عظامه ولحمه ، قام ، نظر الى السقف . جدران الفاراج قديمة ، مخيفة . الصمت مطبق عليها . سرير ملقى فى ركن ، مرآة صفراء معلقة على الحائط . و (( بلودجين )) ميت على كرسى لا مسند له . فرك عينيه . مرر اصبعه على شاربه الاسود . الشارب الأسود علامة الوجه الجديد المعكوس . دس (( البلودجين )) الى حزامه ، وبصق . أغلق باب حفرته الجديدة المعكوسة ، وتوجه الى المقهى .. يستنزفها قطرة . قطرة . يدس يده فى جيبه .
- بلاش . اشرب يا راجل .
كان القهواجى يخافه .. وكان الوجه الجديد المعكوس فخورا . ينظر من زجاج نافذة المقهى ، النهار عادى كالامس . ولكنه ليس كالغد . غادر المقهى . ورغم الصباح ، فقد بدأ بشعر بالضجر من واجهات المغازات ، من وجوه المارة ، من العمارات ، من السير . صداع خفيف يدور برأسه بقايا السهر .
كالمحترف منذ ألف سنة يصنع المغامرة .. وما من شاهد غير ظلمة او صمت .. ويحيا ليالى جنونية .. المغامرة . مادام لم يملك شيئا ابد فليخطف ..
رآه يفتح باب العربة ، عربة سوداء . رآه يتأهب ، يمسك محفظه سوداء . لم يقدر عل رؤيته ثالثة . انقض عليه لكن الرجل قاوم ، لكن الرجل غريب فى صراعه . كان الحياة أو الموت متعلقان بعراكه . ولم يجد ( عميراتو ) بدا من استلال سكين ماركة امريكان . فبهتت مقاومة الرجل ولا كلمة يا ابن الكلبة .. فقد أجلت قتلك .. اللعنة على الدنيا الكلبة . ولا كلمة . تهالك الرجل على باب العربة اصفر الوجه وانفلت الآخر بالحقيبة . لكن ما ان اختفى عند المنعطف حتى جن الرجل . فاقتفى أثره صائحا :
- يا ولد القحـ .. بيلكتنى .. - يا ناس .. سارق .. كلب .. - يا عباد .. يا عبيد .. ألحقوه ..
دفع ملصق اعلانات اثناء عدوه القوى .. كالمطارق فى صدره المنتفض .. كألف قلب بين ضلوعه . لا يرى شيئا . سيقانه والمسافات . ايقاع كدقات الفناء يلاحقه .. أعالمه يذوى أم عالمهم يموت ؟ واندفع الى قبو خال . ايقاع الخطوات المصرية يخنقه كأنه يبغى الامل والنجاة . أسند ظهره الى حائط اصفر متآكل .. لا يتحرك . لا يكاد يتنفس .
- حاصرناك يا قذر .. - سلم نفسك . فعالمنا ينتصر .
وآلمته الحقائق المعكوسة . وما زال مصرا الى آخر دقيقة . لم يستسلم . سوف تكسر جمجمة من يقترب منه . سيتلوى فيه جن الدمار . ويركبه التحدى ، وساد الصمت . وازداد التحاما بالحائط .
لماذا لا تعمى أبصارهم ؟ لماذا لم ينسج العنكبوت بيته ؟ لماذا لم تلد الحمامة بيضها ؟ لماذا لا أملك سندا أو صاحبا ؟
هذا الشر المحدق عليه أن يزيحه بدم القلب ، لا بتلك الخرافة .. لن يسقط أخيرا . انه قوى .. أقوى من كل قوة . وليس بحاجة لا الى عنكبوت ولا إلى حمامة ولا الى صاحب ..
لكنه الان جالس القرفصاء .. ينظر الى الاسفلت الاسود .. الى الجدران المقيتة .. الى السقف السمج .. انه تحت سقف .. ويحرسه عالم كامل .. وهو واحد . فرد. وردد : لا يهم ان أسجن.. حينئذ رحل الى نفسه.. فكان سندباد ممزقا لا يعرف الارساء .. ويعرف ان عمر الجنس وعمر العنف قد ذهبا . و كان لا يهمه اى شىء سوى ان يصل الى نفسه ، رغم الجفاف .. ورغم السقف .. وملأته ثقة وطمأنينة لا عهد له بهما . وأظلته سعادة يقطر منها شىء جديد ..
- عرفتها فى مأساتى .. هذه الحرية .. أفلا تستحق ان ينبذ كل شىء من أجلها ؟ .. على هذه الفكرة المولودة ان تمسح اليأس . عليها ان تهدم وعليها ان تلد وتعطى .. فالمستقبل لى .. ما أجملك ايتها الحرية .. ياأغنية السقيا .
