انها ليست رحلة الربيع هذه المرة ، تلك التى قام بها مؤخرا والى الابد طه حسين الى جوار ربه . وما اكثر ما ارتحل طه حسين فى حياته ، مطوفا في جهات عديدة من الدنيا بحثا عن الجمال والخير والحرية . ولقد كانت رحلاته كلها حجا الى بقاع الفن والمعرفة ليخرج للناس ما هم دوما فى تعطش الى الاستزادة منه ، من ذلك الادب الرقراق الصادر عن خلجات نفس رهيفة الحس ، غضة الوجدان ليمضى كالماء الزلال فيغمر العقول والافكار والقلوب جميعا .
لقد كانت رحلات الى الحياة وهي اليوم رحلة نحو الفناء . ولكن هل يفنى من زرع روحه فى كل الارواح وفكره فى كل الافكار ، وذوقه وحسه فى جميع الاذواق والاحاسيس ؟ . . كلا . . . ان طه حسين لاكثر من ذلك وانه لفوق الموت والفناء ، لاننا نعيش ونحمل بعضا قليلا و كثيرا من طه فى نفوسنا وارواحنا ؛ ولسوف يبقى هذا الاديب الفذ معمرا فى كل نفس تذوق الادب وتحن الى المعرفة ، وتهفو الى الجمال والحرية اجيالا وازمانا لا عليم بمداها غير الله .
ما اكثر ما يحدثنا طه حسين عن أسفاره عبر البحر ، ما بين الاسكندرية ومرسيليا ، او ما بين بور سعيد ومرسيليا كما يقول هو . ولسنا ندرى أهى اسفار اقتضتها الحاجة ، أم أدت اليها رغبة ، أو . ملاها ميل ونزوع يكاد يكون طبيعيا عند كثير من الكتاب امثال طه حسين ؟ ٠٠ أم هى بعد هذا كله فرار وهروب من وجه عدو قوى يضيق الخناق على كل من يريد ان يكون حرا طليقا فى افكاره وآرائه . هو عدو ليس ككل الاعداء لانه يتكلم باسم الدين ، ويؤذى باسم الدين ، ويأثم باسم الدين . أولئك هم شيوخ الازهر وقادته
ووجه الخلاف فيما يبدو - بينهم وبين طه حسين - هو وجه الخلاف ما بين التزمت والتفتح ، والاستنارة والانغلاق ، والجمود والحركة ، والرجعية
والتقدمية ، والصلابة والليونة . . . لقد كان طه حسين يجسم التفتح والاستنارة والحركة والتقدمية والليونة ، وكان شيوخ الازهر بالنسبة له ولغيره التزمت والانغلاق والرجعية والصلابة . وان طه حسين ليضيق صدره من هذا الشق المتجمد الى درجة الالتجاء الى الفرار ، ولكنه فرار من اجواء ومن اوساط صعب العيش فيها ، اكثر منه فرار من عدو معين
فالى جانب مصر وازهرها وشيوخها وفراغها الفنى والادبى ثم اجواء الكيد وحبك الاحابيل ومحاولات التغرير ، نجد باريس او ان شئت فرنسا بملاذها الروحية ؛ ادب ، كتب جديدة ، مجلات ، مسارح ، قصص تمثيل ، تفتح على الحرية فى اسمى معانيها . انها متعة الروح والنفس والشعور والقلب كما يقول طه حسين
انها مرارة يشعر بها الكاتب كلما تذكر مصر وطنه ، واستحضر في ذاكرته ما دبر او ما يدبر له فى الخفاء والعلانية من كيد الكائدين . فينصرف الى الادب متناسيا ، متسليا ، ولكنه لا يفتا يذكر ألمه وما يحس به من مرارة " وأتعزى بجمال الادب والفن والموسيقى عن قبح السياسة والمنافع وغدر الغادرين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين . افق ايها القلب الذى شقه الحزن ، وبرح به الألم وتركت فيه عشرة الناس ندوبا بغيضة . افق ايها القلب ، فان عشرة الناس لم تفرض عليك ما دمت تستطيع ان تفر منها الى عالم كله صفاء ووفاء ، وطهر ونقاء ، ورفعة وإباء " ) 1 (
ما الاسفار اذن الا انتقال من الجحيم الى الجنة ، او انتقال من عالم الجهالة الى عالم النور والتفتح . ونحن نجد هذه الظاهرة لدى طه حسين ابتداء من السنوات الاولى التى بدأ فيها الكتابة . ففي كتابه من بعيد ، نلاحظ انه كان يسافر مدفوعا بنفس الاسباب التى سافر من اجلها فيما بعد ، من بينها نقمته على المحيط السياسى والاجتماعى ونقمة هذا المحيط عليه ، ثم ضيقه ذرعا بما فى العقول والنفوس من فراغ وصغر وحقارة تجعل المسؤولين لا يتولون المسؤوليات الا وقد مزجوها باشخاصهم ومصالحهم ، فيخوضونها بحدة وخشونة وكانهم يباشرون مصالحهم الخاصة ، متناسين انهم ينوبون الشعب لفترة قصيرة او طويلة
ولا تكاد اسفار طه حسين تخلو من التفكير فى شيوخ الازهر والتعرض لهم في سخط هادىء ونقمة باردة . ونحن نجد هزءا او سخرية لا حد لهما فى كتابيه من بعيد ورحلة الربيع والصيف . ثم ان ذلك الهزء وتلك السخرية كانتا توجهان ضد افراد تذكر اسماؤهم او لا تذكر ، تارة تغلب عليها السخرية اللاذعة ، وطورا يتبع فيها نقدا لاذعا جديا يقارب الشتم او يفوقه شدة وقسوة وعنفا . تلك هى كتب يمليها صاحبها لتطوى عوض ان توجه الى غايتها
انها اسفار عبر المكان ، عبر البحر ، ولكنها كثيرا ما تؤول الى اسفار عبر الزمن ، يعود فيها الكاتب الى عهود خلت فيذكر ما كان بينه وبين من أحب أو من كره من الاصدقاء والخلان . وقد يكون ذلك منطلقا الى افكار اخرى لها صلة وثيقة أو غير وثيقة بالسفر والسفينة والماء والسماء والريح والموج
والى جانب الرغبة الملحة فى الخروج من الوسط الخانق والاجواء المعتمة عن طريق الاسفار ، هناك رغبة اخرى طبيعية تكاد تكون نتيجة للاولى ، هى التعطش الى الجمال والحرية والتفتح . . .
وما زيارته الى " أثينا " و " البرتينون " الا حج الى منبع الفن والحرية والديمقراطية والاستنارة الفكرية والعقلية ، الى منطلق الحق والعدل والمساواة تلك هي رحلة الربيع والصيف ؛ انها فرار من ضيق القيود والالتجاء الى اجواء ومفاهيم تماشى وتساير ذوق الانسان المتفتح على الحياة والمتطلع لكل ما هو جميل وعظيم ومطلق ، سواء فى الاسفار أو فى بطون الكتب والمجلات : " اخلو الى هذا الكتاب او ذاك ، او هذه المجلة او تلك فانسى الدنيا واهلها واريح الناس واستريح منهم ، واحيا هذه الحياة الممتازة التى أخلص فيها للمعرفة " ) 1 (
انه فرار من الدنيا والناس كثيرا ما يكلف صاحبه مشقة لايجاد فرص يخلو فيها الى نفسه : " وقد اعمل الحيلة وابذل الجهد ، واتكلف فنونا من الخداع حتى اظفر بالساعات التى اختلسها من الحياة الاجتماعية اختلاسا " ) 2 ( .
ثم ان هؤلاء المخادعين المناوئين ما حظهم من الثقافة ؟ . . . لقد حازوا مراكز اجتماعية مرموقة ولكنهم مع ذلك بقوا على ما هم عليه من فراغ الروح والنفس
والذوق ، يفضح سلوكهم فراغا وصلفا بعيدين عن الثقافة والاستنارة . وهنا يبدو الفرق بين الحضارة الحقة والحضارة المزيفة ، بين الوعى المتأصل فى النفوس وبين القشور والطلاء السطحيين : " ولكن يظهر ان الحضارة لا تكتسب بالاختلاف الى الجامعات والحصول على الدرجات والألقاب ، وانما هي ثقافة يجب ان تثقف بها النفوس ، وان تتغلغل في اعماق الضمائر ، وان تؤثر أشد الأثر فيما يعمل الناس وما يقولون . . . " ) 1 ( .
ولا شئ يشق على الكاتب ويرهقه ويعكر عليه صفوه اكثر من الشعور بالفراغ والخلو من كل عمل ونشاط يفيد وينفع الناس . وهذا النشاط فى نظر طه حسين هو الانصراف الى المعرفة والاستزادة من العلم ؛ وجدير بالانسان ان يحاسب نفسه كلما اضاءه النور وشمله الظلام ، بماذا استفاد وافاد : " ٠٠ والحياة الفارغة عندى هى التى يستقبل فيها الانسان الصبح المشرق والليل المظلم دون ان يضيف الى علمه علما والى معرفته معرفة ، ودون ان يحدث من الآثار ما ينفعه وينفع الناس " ) 2 ( .
ولم يكن طه حسين الاول ولن يكون الاخير الذى يضيق بالوقت ويضيق به الوقت فيعتبر كل ما خرج عن منصرفه الادبي الذي ارتضاه لنفسه واختاره لها ضربا من الفراغ ولونا من ألوان العدم . ولقد اعتبر ذلك " كفكا " ضياعا من العمر وخسارة فى حياة الانسان . وواضح ان الانغماس فى ذلك النشاط الثقافى الادبى من تلق مستمر وانتاج مطرد غزير امر يعتبر مصدر السعادة والراحة لكل من طه حسين و " كفكا " وغيرهما من الادباء والكتاب الذين امتزج نشاطهم براحتهم وسعادتهم ، فاصبحوا يلتمسون التسلية والترفيه فى النشاط العقلي ، يتفرغون له بكليتهم ، وينصرفون اليه بكل جارحة فيهم ، حتى اذا شغلهم عنه شاغل أو عاقهم عنه عائق ، شعروا بالمرارة ، مرارة الفراغ ، واستبد بهم الشقاء وغمرتهم التعاسة ، فهم يشعرون بانهم انما خلقوا لرسالة ، ووطنوا العزم على الاضطلاع بها مهما كلفهم ذلك من الجهد والتضحية .
ومهما تكن قيمة النشاط ، ذلك النشاط العقلي ، ومهما تكن النتيجة التى يصل اليها المفكر ، فانها احسن بكثير من الهدوء المطبق الذي يحول مجرى التفكير
الى النفس ، فتشقى بتمحيصها لاغوارها المظلمة ، وخفاياها البعيدة والقريبة فيتضح لها الفناء ، وتلوح لها الموت ، وترى النهاية مرة مؤلمة آتية لا ريب فيها ، وترى النقائص والخبائث والفراغ ، فتتألم وتتعذب ، وتضيق ذرعا بالواقع المر ؛ وما كان اغناها عن الألم والعذاب ؛ اذ حسبها ان تولى تيار التفكير وجهة تكتشف فيها الجمال والمتعة والعذوبة والراحة ، وفي كلمة ، تكتشف فيها السعادة : " ان النشاط على ما به من قصور وتقصير خير من هذا الهدوء الهادىء الذى لا يرى الانسان فيه الا نفسه . ما أشد عجبى للذين يطيلون النظر فى المرآة " ) 1 (
واذن فما لون النشاط الذى ينبغى للانسان ان يفرغ له حتى لا يخلو الى نفسه فينجو من تعذيبها . ان للناس مآرب عديدة ووجهات كثيرة ينصرفون اليها كلما ضاقوا بالهدوء ، وركبهم الجمود ، ولكن لطه حسين وجهة واحدة وشغل واحد يريحه ويخفف همه ، بما يسبب له من نسيان الناس وهمومهم ومشاكلهم ، وما يتخبطون فيه من معركة دائبة دؤوب الحياة ، مستمرة استمرار الابد : " ٠٠٠٠٠ اخلو إلى صاحبى ، الى هذا الكتاب او ذاك ، وهذه المجلة او تلك فانسي الدنيا وأهلها ، واريح الناس واستريح منهم ، واحيا هذه الحياة الممتازة التى اخلص فيها للمعرفة " ) 2 ( .
ولقد كان طه حسين فى اول امره طلعة ، ولازمه تطلعه وتشوفه الى المعرفة ملازمة نفسه المتردد . ألم يكن مدفوعا الى المعرفة والاخلاص لها بذلك الدافع القوي الغامض الذي عرفه هو فى نفسه وعرفه الناس عنده منذ نعومة اظفاره ٠٠٠ والا يكون فى الاخلاص للمعرفة تناس للنفس ولآحاديثها المثيرة لتلك الصور المزعجة ، صور الحياة وما يكتنفها من تعقيد واعوجاج وشر ونقمة ؟ ٠٠٠ .
ان الاخلاص للمعرفة هو الملجأ والمهرب الوحيد الذى يوفر حياة خالية من الشوائب ، حياة صافية نقية ، تسعد صاحبها بقدر ما تسمو به عن المفاهيم التى تخضع للضيق والتحجر
واذا كانت الحدود والحواجز الدافعة الى الجمود تقعد بالانسان عن الحركة
وتبعده عن الجرأة فانها لا تستطيع ان تحد من مجال العقل الذى خلق ليكون حرا طليقا . ان العقل ليتخطى كل التصورات بما فيها الدينية والعقائد ليبحث وينقب عما ينفع الانسان ، او عما يخفف عن الانسان عبء الوجود وثقل الحياة من معانى الجمال والحسن والاطلاق . ولا على الانسان ان هو تخطى المألوفة عند الناس ليخرج عن القيود التى التزم غيره بألا يتجاوزها
ولتكن بذلك رحلة حقيقية عبر المكان والزمان والفصول والمقدسات ، رحلة يرضخ فيها كل شئ للفن ، فتزول المقاييس ، وتتضاءل جل النواميس المتصلبة التى تخدم التباعد والتنابذ اكثر مما تفضى الى الاخاء والتحابب ، ولا يبقى الا مقياس واحد قوامه الجمال والمحبة والخير والصفاء . فالكتب السماوية تصبح - كغيرها من بقية الكتب ، غير موقوفة على أمة دون اخرى ؛ فهي بحكم النظرة الفنية ، يجب ان تستغل لما فيها من مظاهر الجمال والخير . انه لا اعتبار لما يضفيه الانسان على هذه الكتب من ضيق الافق الدينى ، وانما المهم ان ينظر اليها اصحاب الذوق والمستنيرون على انها تراث انسانى فى متناول الانسان ، ينبغى استغلاله بالنظر فى جوانبه الفنية . ويكون ذلك بتناسي الفروق الجنسية والمذهبية والعقائدية المؤدية الى اعتناق هذا او نبذ ذاك " ليس ضروريا ان تكون رومانيا او يونانيا او فرنسيا او انجليزيا او المانيا لتجد اللذة الادبية عند " هوميروس " او " سوفوكل " او " هوجو " او " شكسبير " او " قوته " ) 1 ( .
فالفن والذوق هما كالعقل ينكران الاقليمية الضيقة ، ويتخطيان الحدود المصطنعة التى يفرضها المعتقد أو الجنس أو المجتمع . والجمال يلتمس ايا كان بصرف النظر عن مصدره ما دام لنا حظ من الثقافة والذوق كاف لان نصيب مما فى الانتاج الفنى الانسانى الراقى من لذة ومتعة . واذا كان الامر كذلك فما المانع من ان نطالع التوراة والانجيل والقرآن على أنها كتب قد حوت من آيات الفن والابداع ما لم يحوه غيرها من الكتب الاخرى
ولا يقف طه حسين عند هذا الحد من رحلته الفنية عبر المقدسات ، وانما هو ينادى الى تمكين الاجيال من النظر الى هذه الكتب السماوية نظرة فنية نقدية فاحصة ، قوامها الذوق لا الشعور الديني او مفهوم القداسة . وهو يرى ان
هذا النوع من النظرة الجديدة الى المقدسات امر فيه الخير كل الخير . ذلك ان التماس هذه الكتب بدافع الخوف أو الطمع لا يعدل فى شىء محاولة تمحيصها وتقصى ما فيها من روعة فنية لذاتها ، ولذاتها فحسب
ويقال فى الاماكن المقدسة ما قيل فى الكتب السماوية . ان ما حازته المعابد من روعة فنية لا ينبغي ان يقصر على المصلين وحدهم ، بل هو حظ مشترك بين كل من يدين لسلطان الفن والجمال : " كلا إن هذه الحكومات تأثم وتجرم حين تقصر هذه المساجد والكنائس على اللذين يريدون ان يقيموا فيها شعائرهم الدينية وتقصى عنها الذين يريدون ان يقيموا للفن شعائره ايضا " ) 1 (
واذا كان طه حسين يدعو الى التماس الجمال واللذة الفنية فى كل شئ حتى في الكتب والاماكن المقدسة التى يتعصب اليها اقوام ويتنكر لها آخرون فانه لا يخفى مرارته من حرمانه تلك الاماكن الاخرى فى الطبيعة التى خلت من معاني القداسة ولكنها حازت سحرا ليس فوقه سحر ، حازت قداسة الجمال وعظمة الابداع الالهى ؛ تلك البقاع وتلك المظاهر من الطبيعة التى وصفت له خلال جولاته في اوروبا والتي لا يسع الانسان إلا ان يقف امامها معظما مجلا قدرة الصانع وبعيد احكامه لصنعه . انه يخفى المرارة ولكنه لا يكتمنا انه وطن نفسه على الألم الذي ليس منه بد : " فاما ان كنت مضطرب النفس ، سىء الخلق . . . فلعلي لا اسمع ما اسمع من الوصف دون ان اشعر بألم يريد ان يكون شديدا ، لولا اني اخذت نفسي منذ سنين طوال بهذا البيت القديم لا بد مما ليس منه بد ٠٠٠

