معارضة صديقى مصطفى الفارسى
مسعود بن خليفة الاعتر رجل حمال ، فى الخمسين من عمره ، يمسك فى يديه القويتين برويطة مكومة ، وينزل ، بقدم ثابتة وقلب جذلان من الجبل الاحمر . اسند ظهره الى الوراء ، وقلص عضلاته ، وتركها تدفعه . والقوم فوقها ضاحكين ، مرحين . حمد الله ان انتهى السفح ، واستوت العجلة . وقد كانت ان تنحدر عليه بكل ما عليها من ادباش وزوجة ، وذرار وأم عجوز . ومن ورائهم ، كلب ابيض عقور ، مشدود الى حبل ، ولسانه يتدلى وعيناه تلمعان فطنة واخلاصا . يتبع اصحابه ، سعيدا بهذه الرحلة التى لا يدرى ايان مرساها
الحر شديد . والشمس تحدق فيهم بكل عينها المشعة كأنها تقصد اذابتهم .
عند عقبة باب العسل ، قام بحركة لولبية ، فوالاها بوجهه وانكب يدفع . ان لهم موعدا مع البحر
فى مقص باب الخضراء ، دخل فى واجهة خضار ، فتوقفت حركة المرور ، ريثما يلتقط ما تفيأ ، ويتتبادل السباب مع صاحب الحانوت . وانتهى الحادث بتصالح وتسامح وعقد تجارى انتقلت بمقتضاه دلاعة كبيرة قاتمة الخضرة من النصبة الى ايدى ابنه الملقب بالتر ، وانتقل ثمنها من صرة العجوز الى درج التاجر .
فى نهج الحلفاء ، كادت الطرللى ان تدوسهم ، لولا ان حبست فجأة ، فحادت قطاطيها وسقطتا .
واستمر ، يدفع احيانا ويجذب اخرى ، وطال الطريق وامتد ، العقبات ترهقه . فتبلغ روحه التراق . وتتوتر عضلاته ويتصبب من ذقنه الاحرش ، قطرات متوالية . وما كانت الدروب بامثل . يوليها ظهره ويتقبض بين ذراعيها ليحد من انحدارها .
قلما تكتمل له رغبة فى هذه الحياة الدنيا . وما رأى الاكتمال الا فى عائلته فقد جعله الله سبحانه ، المسؤول الاول عن اسرة هو حلقة الوصل بين اسلافها المتمثلين فى امه العجوز عيشة واخلافه المتمثلين فى (( طيرين وعارم )) اى ذكرين وانثى . وهو احسن ما تكون عليه الذرية حسب قواعد التنظيم العائلى . التر المذكور آنفا ، خمس سنوات . حفظ أليف واولاده . والفر ، ثلاث سنوات . بدأ يسب الدين . وصغراهم ضية ، بضعة اشهر ، تحبو وتكسر مواعين امها .
منذ اسبوعين ، طرق بابهم خاله الفرسيق . ودخل عليهم يمسك بيد العجوز وبالاخرى امتعته . فدخلت معهما من البلد نفس كتلك التى هاجت مع صبا نجد . وبدأ السؤال عن الاهل والاقارب وتذكر الحى والمضارب . ثم قال له ، فى صوت حيى ، انه ضاق بعيشها :
- وليد اختى ، الحال حال الله . الحوازه هزوها ، وما لقيت بها وآين - ياخى جاتكم لغادى التعاضضية - يا وخذى ! ما هو اللى عضاته يزيه . - الخير ياسر . الحمد لله . تقعد حذانا
وحدثه عن النعيم الذى يتخبط فيه وان العيش ملقى فى الطريق . ما عليك الا مشقة التقاطه .
- تلقط الشلاليق من الشارع تعيش . اما اللى يخدم يعطوه شهريته . ويزيدوه (( الملحة ))
وذكر له قربهم من غابة البلفيدير للنزهة ومن (( المستوسط )) للتداوى . وهنا ، يجدر بالراوى التوقف لحظة لاحاطة القارى بمفهوم صاحبنا للغة . فهو من المخلصين لعروبتهم اخلاصا لا تشوبه شائبة . فلا ينطق الا بما يفهم ولا يعترف بقول يخالف ما اخذ عن العجوز عيشه ، وارثة مجد الاجداد . فالمنحة العائلية تصبح لديه (( ملحة )) اى شى قليل يزاد على الرزق فيحسنه والمستوصف يصبح (( مستوسط )) اى المركز الذى يتوسط منازل الحى ويقصدونه للتداوى وكذلك اذا جر الحديث الى العدالة واحكامها فيقول (( تحكم عليه بسماح الدعوى )) اى بعدم سماع الدعوى وهى ابسط واسلم من العبارة القانونية المركبة . وكذلك عربات (( اللواج )) يفهم ان المضاف اليه اسم فاعل
من لوج اى بحث . لان اصحابها ينادون طول النهار - هيا ، القيروان ، مدنين نابل . . .
بحثا عن الحرفاء .
قال الراوى : ووصف له فندق الغلة ، حيث يعمل . فواكه وانقال وخضر وابقال وذكر له البسباس :
- كيف الجمار عندنا . ويسر العيش . - المحمصة تلقاها عند العطار حاضر باش ، مولى الحليب يجيك لباب الدار يدق ويعطيك ليترة ، اثنين واش تحب - الحليب فى الصيف ؟ - والزبدة والجبن بالسخط . هذه البلاد ربيعها ديمة . ومرافق المنزل ورفاهيته .
- خالتك أم الزين لا تحطب ولا تجيب ماء . كل شئ قريب ليدها . هاوينى الشيشمة . خطوتين . ماء حلو كالشهد ، وتطيب على بابور القاز ، لا حطب لا دخان . ونهار اللى تصبح ذارحة ، الطباخ عنده كل ما يقول الفم واللسان : يا لحم ، يا دجاج ، يا حوت ، يا شمنكة ، يا دوبارة . الكسرة ؟ شكاير فى القرانة ، اختار على كيفك . ها البراندة خذيتها بثلاثميا فى النهار نتفرشوها وفى الليل نحط اللوحات والجراية والجلود ونتغط بها ونبات لاسو لا سوية تكلمت ام الزين ، تزكى ما يذكر زوجها من محاسن عيشهم فى المدينة .
- مسعود ، غدوة هز خالك لدروج مبرى ، درج تمشى وحدها . - الحى . . . اضافت - ركبه فى تاكسى - أه ! الرباليهم . لان بينه وبين هذه السيارات اللطيفة الخفيفة ضغينة سيأتى بيانها . - . . . وترقد وتخل الباب محلول ، لا من يحيرك ولا من يجى على حالك . ها وينه البوليس يعس عليك . ذلك الوجه واما القفا فاليك هو
كوخ وثلاثة صغار وامهم وكلب وبطالة كثيرا ما تطغى على العمل . لان التاكسيات المذكورة استوعبت جل عمل الحمالة . فالقفة الثقيلة او الحقيبة , عوض ان تستأجر لها حمالا ، فالتاكسى يحملها ويحمل . لكنه يبيت على
الطوى ويظهر النعمة والشكر ولا عجب ، فهو من سلالة ذلك الذى كان يغدو على الميعاد ، يسبك شواربه ، وشفتاه تلمعان أداما وهو يتشاكى المغص ، زاعما ان خروف الغداء كان مفرط السمن . الى ان خرج ابنه ذات يوم يصيح ان القط اختطف قطعة الشحم التى كان يدهن بها فمه ، فعرف القوم ان مظهر النعمة تلك ، تخفى صبرا وتجلدا واباء . وانه يتحمل امره وحده . لا تسمع الدهر , منه شكاة فقر ولا خصاصة .
حضر التاي وفتح الخال بين ايديهم اصرار الزاد وفواكه البلاد : سويقه و غربوز وشيح وزعتر وترفاس . وكان بينها قصابة . فعزموا عليه ان ينفخ طرقا . ودق مسعود على بنديره الميزان فتنغم . وباتت رمال الجنوب تموج مع انغامه
تغير الهواء على الجده . واشتدت الوغرة فى تلك الايام من اوسو فانهارت صحتها واضحت تطلب العودة الى البلد وفضائها ورواحها ، وباتت تهجس بالصحراء ورملها وهوائها . وانشد لسان حالها مع المنشد :
لبيت تخفق الارياح فيه احب الى من قصر منيف
وما قصده لسان حالها بقوله (( قصر منيف )) كان ضيقا ، مظلما وسخا . سفقة من قصدير . تحط عليه الشمس بكلكلها . فيحمى هواؤه وبتبخر وبغدو فرنا يضيق الصدر . لكن ، وقد اشرفت على الضريح ، كانت تعلل النفس بان تبرد هذا القيظ بالانغماس فى الكوثر او غيره من بحران الجنة .
فجزع مسعود جزعا كبيرا . انها أمه التى تحنو عليه ، والوحيدة التى بقيت تؤمن بجماله وشبابه ، وهى حافظة مجد الاجداد ، وفى ذكرياتها واقاصيصها عند السهر ، انس للاطفال وحفظ للماضى التليد ، الذى تمثله وتقدسه تقديسا حتى مصائبه من عواصف وبلايا وامراض فهى احس من مصائب الحاضر وعواصفه وبلاياه وامراضه وهى الوشيجة بينه وبين الخلود ، وهى سد بينه وبين الفناء فما دامت حية فلا يتجرأ الموت عليه . ثم ان لها منافع اخرى ، كأن يجربوا بها الفقاع الذى يأتى به من فواضل فندق الغلة ، اذا ما وقع لهم شك فى صلوحيته .
ولبث فى حيرة نجاه حمى هذه الوالدة الثمينة ، الى ان كلفه احد الحرفاء بحمل اثاث من براكة قديمة متداعية بشاطئ رادس ، جاء قرار البلدية بازالتها وما كان ثبوتها حتى الساعة الا من ترددها فى السقوط يمينة او يسرة ، فخطر له ان يطلبه اخشابها مقابل اجره . اذ سنحت له فكرة فيها بر الوالدين
واحسان الى الابناء . وانقلب الى اهله مسرورا ، فبادرهم أن لهم ، منذ اليوم ، براكة على شاطئ البحر .
تحايت العجوز . واقسمت ان لا تموت إلا بعد نهاية الصيف ، ما دام مسعود قد وعدها بقضاء مدة على رشم الماء .
* * * ليال انقضت ، يتمتعون بالبحر وهم لا يزالون فى الجبل الاحمر ، يبيتون خارج الكوخ . ينظرون فى السماء : ذاك طريق التبانة وذاك الثور وتلك نجمه الراعى . . . يتحادثون عما تكون عليه خلاعتهم . ويطلقون العنان لخيالهم المجنح ويحتاطون للعوم . اما العجوز فانها تلبس جبة ابنها مسعود وتدخل الماء فمهما بلغت من السن فهى انثى ، وعليها ان تخفى المغريات . اشفاقا على الجنس الخشن واما الصغار ، فيدخلون عراة . والحذر ان يبتعدوا عن الشاطئ . فتطغى عليهم اللجة . فانها تعلم من حكايات الاولين ان الماء فى طوعها ما لم يتعد النهود واذا ما وصل هناك ، فانه يغلب ، والبحر غلاب . ونهودها تتدليان ، جلدتين فارغتين الى مستوى السرة . امتص ما كان فيهما من لباب ورواه اولائك . فهما الآن فارغتان ادتا وظيفتهما وانشأتا رجالا قد امتلؤوا صحة وحياة وانشأتا نساء منتفخات النهود ليغذين ، بدورهن ، وتتسلسل الادوار الى ما لا نهاية . وآلت على نفسها لا ان تصح فحسب ، ولكن ان تعينهم فى اشياء كثرة ، فى قرقشة السمك الذى يصيدونه . وفى قليه ورعاية الصغار عند لعبهم فى الرمل ، على حاشية الماء . فى ذلك البرزخ الذى لا هو بحر ولا بر والموج يمسحه ويرتد كأنه سار يدفعه الشوق ويرده الخوف فى ايقاظهم فجرا ، عند ما تطفو الشمس من البحر لهبا يقطر ماء ، كحسناء تخرج من الاستحمام . فى حمايتهم من الدنفير وحماية ابيهم من عروس البحر التى يقال انها قرمة الى الفتيان وتكفيهم مؤونة غسلها فى البحر ، اذا ما ادركها ثمة الموت ، تشعر للبحر بالوهية غامضة ورثتها عن القدامى . فهو المطهر الاكبر لكل دنس . ولا يدنسه شىء . وبه الحوت الذى ينفى اصابة العين .
فى نهج رومة ، احدث مرور البرويطة خلافا بين اعوان الشرطة ، فمن حسبها عجلة ذات حصان واحد . ومن حسبها راجلة . واحتدم الخلاف الى ان مرت سيارة اسعاف . فلمستها ، فوقع جانب من الادباش والطاسات والجلود ودجاجة كاركة ، تفرتت فراخها ، فانبثت العشيرة تبحث عنها . واستؤنفت المسيرة . وعند ساحة الاستقلال ، افتقدت العجوز فرخا اسود محببا اليها فنادت بالعودة للبحث عنه ، كى يصلوا على تمام وكمال وعافية الى حيث هم سائرون .
وجدوه لائذا بمسطبة عون المرور . فسمح لهم باخذه وساروا فى طمأنينة وأمان .
فى مستوى السكة بباب عليوه وحلوا . واشعل الضوء الاحمر ووقفت السيارات من ناحيتى الخط الحديدى وعجلته غائصه فى الكرين .
اضطرب الحمال وزوى صدره وجذب بقوة منه ، لكن حركات الاطفال وتزحلق العجوز اخل بتوازن العربة فمالت الى الوراء وارتفع الذراعان وهو معلق بهما .
وصفر القطار وظهر . وحش غضبان من الحديد والنار . عين طافئة فى جبهته ينفخ من مناخيره العديدة . وحركة اسنانه ، من الاسفل فى صرصرة وطقطقة ويكبكة وتشتشة وشرر وبخار ولعاب . تهدد بدقدقة الحجارة والناس يطوى السكة ويتعاظم نحوهم ، كالقضاء المبرم .
نزل من احدى السيارات رجل انيق ، ذو نظارات خضراء ، صافى التقاطيع ، دقيق الشفاه ، حازم الذقن ، له جبين فيلسوف فنان ، تخطى مرحلة الشباب ولما يدخل الكهولة .
- شوف ها الوحلة !
ولاحظ للرجل المعلق ، ان نقل المؤخرة ، بما عليها ، ما كان ليعادل وزنه وهو قريب من المغزل ، نقطة الارتكاز فى قضية الحال ، ثم ان تقاطع السكة وشقوقها من شأنه ان يعطل سير العجلة وربما تقع فى احد الشقوق ، كما وقع الآن واضاف .
- توة لو كان خذيت من شارع قرطاج وجبت القنطرة توحلش ها الوحلة ؟ ياخى ما تعرفش اللى القنطرة هى الحياة
- قدر ربى سويدى - توة قبل القنطرة آش ثمة ؟ ما نعرفوش وبعدها كذلك ما نعرفوش . هكاكة الحياة . قبل الحياة آش ثمة ؟ وبعدها آش ثمة ؟ ما نعرفوش . - ما نعرفوش . - القنطرة قطعة من طريق ، لا بداية لها ولا نهاية
- يرحم افيمك واشار عليه ان يسلك ، فى المستقبل القنطرة ، مهما يرى قنطرة ، ولو لم تكن فى طريقه فى هذه الرحلة وفى غيرها من الرحلات وفى كل رحلة .
- يا خى بلادكم ما فيهاش قناطر ؟ - بلادنا صحراء ، ما فيها وديان - يلزم تحفروا الوديان وتجيبوا لها الماء بالذمة باش ترميو عليها القناطر القناطر هى عنوان البلدان المتحضره .
ورفع جبينه الملهم وتابع . - من عدم الى عدم . معلقه ، لا هى متزوجة ولا هى مطلقة - يا خى القنطرة تتزوز ؟ نطقت العجوز - آ مسعود وليدى ، قله ايه بركه . رانا اتخذنا فصاح الرجل وهو يتدلى فى حركات المشنوق الذى يطلب الارض بقدميه .
- متزوزه ، متزوزه وباولادها . عند ذلك ، جذبه الى الارض واعانه فى عبور منطقة الخطر . ومر القطار يزلزل الارض .
حطوا يتنفسون الصعداء . وبعد الاستراحة ، تفل الحمال فى يديه ومال على البرويطة يدفع مرة ويجر اخرى . وامتدت رجلاه فى خطو معتدل ، والعجوز تتقلقل فوق ركام الادباش واستؤنفت المسيرة فى سكون وجلال .
ان لهم موعدا مع البحر .
وصلوا الى البحر وانهمكوا فى احتلال البراكة وتأثيثها بينما تطوف العجوز وتهمهم بالدعاء للمنزل الجديد
اقبل عون من اعوان البلدية . واعلمهم ان البراكة فى الطياح . والاقامة بها ممنوعة . فاحتجت العجوز بقولها : - يا وليدى ، البحر بحر ربى والارض ارضه . - يا ميمتى ، المفاهمة ميش معاك .
- آوينه مفتاح ولدى . يعرف القوانين الكل بينك بينه تلطف مسعود مع العون وقال له انه ، فعلا ، مكلف بازالتها . لكنه يستسمحه فى الاقامة بها اياما قلائل . فتبل العجوز جلدتها ويتنفس الصغار قليلا .
تأثر العون لابتهاج الصبيان بالبحر وسألهم ، متجملا مداعبا : - واش باش تلبس أمى الكبيرة كيف تهبط للبحر ؟ ننبهكم اللى المينى جيب ممنوع . . .
فعضه الكلب من عجزه عضوة اظهرت لون كلصونه . فتنكر لهم وامرهم باخلاء المكان حالا .
واخذت الاصرار والجلود والطاسات ترجع ادراجها الى البرويطة . ووقعت الدلاعة ، وتفرشخت وتلوثت بالرمال ، فاكتفى التر بلحس اصابعه من مائها واكتفت العجوز بغمس اصابعها فى ماء البحر ، وكروا راجعين بنفس الحمولة , مع اضافة عناصر مختارة من اخشاب البراكة لتنصب امام الكوخ ، بالجبل الاحمر ويصطافون ، رغم الداء والاعداء .
عند الشتاء ، اشتد البرد ، ذات ليلة من الليالى السود . وكذا ، ثلج بلادنا رمزى ، يسمط ولا يرى .
فى الكوخ ، بطالة وبرد ومرض . طوف مسعود فى المدينة ، منذ الفجر وعاد ، وفى جيبه نفقة لا تشبع ولا تغنى من جوع : رطل من المقرونة وعشرة قرامات تاى ومائة قرام سكر .
لماذا التاى والسكر ؟ ذلك شأنه . اذا اشتدت الازمة ، يشن عليها هجوما معاكسا فيداوى الهم بالطرب . حتى يصير فى القليل كفاية وغنى . عملا بقوله ، صلى الله عليه وسلم (( لا تتمارضوا فتمرضوا )) . اذن فمن يتمارض يمرض . وعلى هذا القياس ، من يتطارب يطرب .
الريح تعوى ، متناوحة ، زفزافة ، فى فجاج الكوخ . والجدة قاعدة مستقيمة على جلد ، تحضن ضيه ، وقد لفلفت جسمها الصغير ، المتفطر حصباء ، فى خرقة حمراء . وانفها يسيل من زكامها الخاص ، وهى تضمنها وتعطيها من حرارتها الباردة ، والأم تقرض خشبة بالسكين والتر والفر يلتقطان الشظايا ويولعانها بالقش والورق وفحمات مرعوبة . وقد عجعج الدخان ، فغم الكوخ وادمع العيون وخنق الانفاس احترقت الاصابع ولم يجدوا للدفء معنى . السنة حادة من ثلج سقر تتداخل بين اسمالهم . فى الرقبة ، فى المناكب فى الاجناب ، فتليع ما تصيب من بشرة مقشعرة فاترة .
دخل الحمال ، فدخل معه الانس والبشر . أخذ مجلسه وسط العيال . وبينما القدر يبكك بصوت حنون وقراطيس التاى والسكر على المائدة . عمد الى البندير واتى بتقسيم زندالى ردحا من الزمن ، ثم سأل الفر ماذا يريد ان يتعشى . قال له :
- حلوة حلقوم يا بابا . فدق دقات مطربة . ورفع عقيرته منشدا : يا والله حلقوم معطر بالبندق واللوز كعب دج ددج دج دج دج دج ياكلوه وليداتى دج . . . وسأل العجوز . فقالت : - وليدى محمصة بالقديد والقرنيط والحمص والفول والحلباء تسخن فى ها الليلة الباردة فدق البندير وانشد :
يا والله محمص سخونة
بالقديد والقرنيط
والحمص والفول جديد
دج
ددج دج
دج دج دج
تتعشاها اميمتى
وسأل الزوجة . فطلبت دواء لابنتها اولا . وقبل كل شئ فقال لها : - الدواء تويجى . اما العشاء ، العشاء . - برة دجاجة مصلية . فناولها اياها باننشاده :
الفرج للبنية
وللمرا دجاجة مصلية
فهمست له : - بالسمن فأعاد المقطع :
الفرج للبنية
وللمرا دجاجة مصلية
بالسمن والافاج
والبطاطة مقلية
دج
ددج دج
دج دج دج
ونتعشوها جمليه
ولما طابت المقرونة وافرغتها فى المثرد وخاطبته ان اقبل ، غمزها ان اطعمى الصغار . واما هو فانه للنوم احوج . وما كانت تلك حقيقته وانما اشفق على العيال ان يبيتوا فى خصاصة . فهمت منه ذلك والحت ، قائلة ان لها كسرة احتفظت بها من ثلاث ليال خلت ، والرغيف اذا جف ، ثم اثرد ، ينتفخ , ويتضاعف حجمه ، فيملأ ركنا من البطن ، ثم ان طعام الاثنين . . . وطرق الباب - مسعود بن خليفة الاعتر ، هنا يسكن ؟
الاسم اسمه ، والطارق يسأل الجيران . اطلت ام الزين ، ضيف . ضيف من البلد ، وعلامة ضيافته انه يحمل ادباشا على ظهره . حبذا لو يضلله الجيران ! فى هذه الليلة ، عشاؤهم قليل من المقرونة وكثير من دق البندير . واما الضيف . . !
لو يطفؤون الفتيلة حتى يفوت . وغدا يقترض او يفعل الله فى ملكه ما يشاء قالت العجوز ، التى ، كثيرا ما تطلع على الغيب ، لقربها منه : - هذاك الفرسيق خويا - باش نقابله يا رب ! وهم ان يندس تحت الفراش . فنهرته - نوض وتعرض لخالك وافرح بيه . وما نبات كان بخير .
دخل خالى الفرسيق يبشرهم بعودة حوازتهم واذنت العجوز بالقرى فجمعوا عناصر البراكة واججوا بها نارا واحاطوا يصطلون ويمزلون لحم الفرخ الاسود الذى بلغ من العمر نحو الستة اشهر قد امتلأ (( لحما وقد طبق شحما )) (( وباتوا كراما ، قد قضوا حق ضيفهم وما غرموا غرما وقد غنموا غنما ))

