الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

رحلة الصيف

Share

- ١ - فى صبيحة اليوم الرابع من شهر ربيع الثاني ١٣٨٤ ه ١٢ اغسطس ١٩٦٤ م هيئ لى ان اتجه للمرة الثالثة صوب الشمال ، على الطائرة السعودية الجبارة المعروفة باسم ( البوينج ) . . ولم تكن فى سرعتها الخاطفة ولا فى ارتفاعها النفاثى الخارق بغريبة على احساساتي ومشاعرى ، فقد سبق فى فى مثل هذا الفصل من العام الماضى ان امتطيتها فى نفس هذا الاتجاه . . وصعدت بنا مسرعة الى عل ، حتى خلنا اننا صرنا من أشباح الفضاء الخارجي ، لقد غابت عنا امنا " الارض " . . ان الطائرة الجبارة ارتفعت بنا ( ٣٢ ) الف قدم . . وذلك حسب ما ألقاه علينا مذيعها. وبودنا ان لا يذيع للركاب مطلقا نبأ هذا الارتفاع وان لا يفاجئهم به . . فما هى الفائدة من اعلانه لهم ؟..

- ٢ - وبعد طيران ساعتين الا خمس دقائق هبطت بنا الطائرة العظيمة فى مطار بيروت . . بعد ما خضتنا قليلا فوق منطقة جبال الاردن وجبال لبنان . . ونزلت في احد الفنادق بداخل البلد . . واتصلت منه هاتفيا بعد بضعة ايام بالصديق الشيخ هاشم دفتردار فرحب وأتى الى . . وتبادلنا عبارات الود والتحية . . وقلت له : انني مزمع فى هذه المرة ان لا يفوتنا ما فاتنا في المرتين الماضيتين : نريد ان نذهب بعد سورية الى الاردن وان نزور المسجد الاقصى وان نرى مسجد الصخرة . . وان نرى مدينة الخليل ، ومدينة بيت لحم . . فرحب

بالفكرة ورتبنا خطة المسير . .

- ٣ - واستأجرنا سيارة صغيرة ، أمت بنا دمشق ، ونزلنا في فندق " سمير " فندقنا المفضل وانزلونا فى الدور الرابع منه المطل على عمود وتمثال المسجد الذي قدمه السلطان عبد الحميد الثاني العثماني هدية لمدينة دمشق . .

وقمنا بجولة قصيرة فى شوارع دمشق الفيحاء . . وتذكرنا ما كان امير الشعراء احمود شوقي قاله عنها :

آمنت بالله واستثنيت جنته

( دمشق روح وجنات وريحان )

وحينما خيم الظلام واشرقت اضواء الكهرباء في البلد الخالد . . دلفنا إلى المطعم العربى . . الذي اعتدنا ان نتناول الطعام فيه . . فتعشينا به . . ومن ثم عدنا بطانا الى الفندق بعد ان خرجنا منه خماصا . . وصلينا المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، ثم أرخينا لاجسامنا عنان الراحة والاسترخاء ونمنا نوما ممتعا حتى الصباح . . وجلسنا فى الشرفة المطلة على الميدان . ثم هبطنا إلى المقصف فقدم لنا الندل طعاما شهيا لطيفا فاكلنا وشربنا من ماء ( بردى ) الشفيف الخفيف . .

وراينا ان نخرج إلى السوق المزدحمة . . "السوق الحميدية" فشرينا بها بعض اللوازم واخذنا سيارة أجرة صغيرة لتتجول بنا فى محلات دمشق الشام . . وشوارعها . . وفي الغوطة . . اخذناها لمدة ساعة . . ودخلنا " الغوطة " فاذا هي عبارة عن غابات متكاثفة من اشجار التين والزيتون والعنب والرمان الخ . . يذهب الانسان فيها

كل مذهب ولا تكاد تنتهي حتى قيل لنا : ان السيارة تجرى فيها ثلاث ساعات ولا تصل إلى نهايتها . . وقد ذكرتنى جدرانها المتداعية المبنية بالطين النبيئ . . وذكرتني ارض شارعها المغبرة ، جدران وطرق بساتين المدينة المنورة ، خاصة العوانى ، او العالية بالتعبير العربي الفصيح . .

وعدنا ادراجنا الرا السوق الحميدية المكتظة بالكتل البشرية وعرجنا على مكتبة السيد أحمد عبيد الحافلة . . فاخذنا منها بعض الكتب التى طبعت حديثا ، ثم ذهبنا إلى المكتبة الظاهرية ، نريد ان نزورها ونريد ان نزور الاستاذ الصديق الباحث عمر رضا كحالة فى المجمع العلمي بجوارها . . ودخلنا المكتبة فوجدنا بها الشيخ ناصرالدين الالبانى عاكفا على تحقيق بعض الكتب الخطية وأحزر انهما فى علم الحديث . . ومكثنا لديه قليلا ، ثم أقبلنا على المكتبة الخطية الفريدة . . فاستقبلتنا بها ( امينة المكتبة ) السيدة المثقفة الحصيفة : ( اسماء الحمصى ) . . وتحوز السيدة اسماء هذه

ليسانس ادب ودبلوم تربية ، وأهلية التعليم الثانوى ، وكانت مدرسة فى ثانوية البنات الاولى بدمشق ، ثم اصبحت الآن - عن جدارة - أمينو المخطوطات فى دار الكتب الوطنية الظاهرية بدمشق ، وكم كانت نبيلة وكريمة معنا . . سهلت لنا تصوير ما كنا نريد ان نصوره وأطلعتنا من نفائس الذخائر ما لم يخطر لنا على بال . . وهى رسامة ماهرة ، رسمت لى بيدها عن نسخة خطية اثرية صورتى مكة والمدينة المذهبتين فكان الفرع طبق الاصل وقدمت ذلك شبه هدية . . وهي امرأة نزيهة ونبيلة . . وقد صح فيها قول المتنبي ( ببعض تصرف ) :

ولو كان النساء كمن ( وجدنا )

لفضلت النساء على الرجال

وقد ارسلت الى ، من دمشق مؤخرا ، نسخة من " ميكرو فيلم " ما اهدتنا صوره من التحف المخطوطة بالمكتبة الظاهرية . .

ثم زرنا الصديق الاستاذ عمر رضا كحالة  فاذا به عاكف فى محراب العلم والبحث . . ثم انكفانا الى الفندق ، وقبل ان نبلغه

عرجنا على المطعم فتناولنا به طعام الغداء . . ثم اوينا بعض الوقت الى اسرة الفندق الوثيرة فى غرفتنا العلوية المشرفة على حى المهاجرين والميدان الكبير ، ثم نهضنا واتجهنا بحقائبنا الى السيارة التى استأجرناها لتذهب بنا الى بلاد الاردن . . وبعد صلاة الظهر تماما كنا اخذين طريقنا اللاحب الى عمان . . عاصمة المملكة الاردنية الهاشمية . .

واشهد انى كنت جد مسرور بهذه الرحلة الميمونة التى هى الاولى والاطول من رحلاتى السابقة كلها . فسيكون خط سيرنا شاملا عمان عاصمة الاردن مع بعض المدن والقرى والاماكن العربية الاسلامية التاريخية التى طالما سمعنا بها وقرأنا عنها فى كتب التاريخ والادب ولم يقدر لنا ان نراها من قبل . سنرى ( اذرعات ) التى يقول عنها امرؤ القيس :

تنورتها من ( اذرعات ) وأهلها

بيثرب ، ادنى دارها نظر عال

وقد رأيناها فعلا ، فاذا بها قرية جميلة ليست بالكبيرة . . وسنرى طرفا من " حوران " حفل الزراعة السندسية والحبوب المغذية الوفيرة . . ثم سنرى ( جرش ) ونشاهد آثارها الرومانية . . وفوق ذلك سنرى الجهة الجنوبية من الشام ، فى رحلتنا إلى عمان . . وسننعم بنسماتها ، وننعم بخضرتها وبهوائها الطلق وننعم بمائها النمير فى غدران ساكنة وعيون جارية وانهار متدفقة وسنرى عمان نفسها وأريحا والقدس والخليل وبيت لحم والغور . . وما ادراك ما الغور فيما نسمع عنه من حرارة لافحة فى الصيف ، ودفء محبوب فى فصل الشتاء . . فهو اذن " مشتى " دافئ معروف . . وسنري في طريقنا اشجار الصفصاف المديدة القامات الكبيرة والمزارع النضرة التى تملأ رحب

ارض الشام في سوريته واردنه .

- ٤ - وبدأت السيارة تخرج بنا من دمشق الى قراها النضرة . . فهذه ( الكسوة ) وهناك ( محطة السكة الحديدية الحجازية ) وبعد ان غادرنا الكسوة بقليل اشار لي الشيخ هاشم الى جبل شاهق عن يميننا بعيدا عنا ، نراه كما نرى الضباب في السماء تقريبا . . وقال لى : انه جبل الشيخ الذي يربض في قلب لبنان ، وارتفاعه مضرب المثل ، فهو غارق الى ذقنه في الثلج والبرد ، وهو بارد الى حد بعيد خاصة في قمته التى بها بحيرات جميلة وهو يطل على كل من سورية وفلسطين المحتلة ، فضلا عن اطلاله على ربوع لبنان . . وقال لي : انه مكث فيه بضعة ايام فرأى صحة حسنة ولمس نشاطا وخفة عجيبة .

- ٥ - ونعود الى ( اذرعات ) فنقول : ان اسمها العربي الفصيح الجميل الخالد جرفه تيار العامية العربية المستتركة فمسخه الى ( درعا ) . . وهكذا كتب اسمها في اللوح المنصوب على مدخلها . . اسوة بمدن الشام . لقد شوه الاتراك او العرب المولدون ، هذا الاسم الجميل هكذا ، وبقى تشويهه دارجا . . على الالسنة والاقلام وما كان اجمل ان يعاد الى " اذرعات " اسمها العربى القمين بها ربطا لحلقات الماضي البعيد ، بالحاضر

- ٦ - وحينما بلغنا نقطة الحدود السورية وقفت سياراتنا اسوة بالسيارات الاخرى المحتشدة ، لنتخذ او لتتخذ لنا اسباب التفتيش الجمركي واسباب سمة الجوازات . . وكان زحام ، على مكتب الجوازات ومضى وقت حتى بلغنا المنى وقد فتشت أمتعة سيارتنا تفتيشا هينا خفيفا ووضعت

سمات الخروج على جوازاتنا العربية وغير العربية . . وسمحوا لنا بالانطلاق والخروج من حدود الدولة السورية الى حدود الدولة الاردنية . . فدلفت بنا السيارة اولا فى " شقة " ارض غير كبيرة قيل لنا انها المنطقة المحايدة الفاصلة بين الاردن وسورية . . ثم ارانا السائق الاردني صخرة كبيرة بيضاء مثبتة تقع على يسارنا عن كتب في طريق ذهابنا إلى الاردن . . وقال: هذا أول حدود الاردن . . وأضاف فرحا: لقد دخلنا حدود الاردن . . وظهرت لنا قرية من قرى الاردن ، هي القرية الأمامية والاولى

وقرية السمات والفتيش الجمركي لكل الداخلين والداخلات الى المملكة الاردنية الهاشمية ، فترجلنا عن سيارتنا وكانت معنا امرأة سورية زوجها اردني وقد قامت بتسهيل كبير لامر تفتيش امتعتنا ووضع السمات على جوازاتنا في الحد السورى . . وارادت ان تصنع مثل ذلك بوساطة قريب لها موظف في الجمرك الاردني او الجوازات الاردنية . . فقيل لها :

انه متغيب . . وقد عادت الينا من الخاطر لهذا السبب ، ولكن السائق بالمهمة وانجزها فى غير بطء كبير . هو الآخر اردني معروف لديهم . .

- ٧ - عاد الينا السائق متهللا ، ومعه جوا فناولنا اياها . . وقال لنا : امس بايديكم هكذا حتى آخر نقطة تفتيشية . . ففعلنا ما امرنا به وجاءنا ضابط كل جواز وطبقه على صاحبه وناوله اياه ومن ثم اذن لنا بالانطلاق التام عب الاردن ، الى حيث نشاء . .

واخترقت بنا سيارتنا ارضا حزما ش جرداء ، ورأيت جبالا دكنا جردا ، فتذكرت اننا الآن على مشارف او في سلسلة جبال السراة او ما يشابهها . . الطراز واحد والجو متقارب . وقد اخترقنا سهلا افي كله اجرد تقريبا ، لولا ما نراه هنا وهنا متناثرا من مزارع تموج بالخضرة كالرقع الصغيرة فى الارض الكبيرة . ثم تكاثرت علينا الجبال ، وبدأت تطبق على طريقنا

حتى صار " حبلا " ممتدا على اكتافها تنقله من كتف الى كتف . . ومع توغلنا في منطقة الجبال هذه لاحظنا تغير الجو والطبيعة ، فالحرور الذى كان يلفحنا العلب بردا وسلاما ، واغبرار اكثر الأرض وخلوها من الخضرة والاشجار والماء انقلب الى غدران واشجار وغابات نراها تارة بجانبنا الايمن والايسر ، ونراها طورا تحتنا في اعماق الاودية البعيدة او الغريبة ، واختفت الخبوت والسهوب الجرد دفعة واحدة . . وظهرت قرى الاردن وابتسم لنا ريفها الجميل ، وتحقق لنا ما سمعناه عنه من روعة وانشقت الجبال عن المزارع خاصة فى اعماق الاودية حيث تنصب وفود السيول من اعلى الجبال مترعة حاملة معها الرى والنماء والبركة . وجارفة ، في اوقات الشتاء بعض مناطق الطريق الاسفلتي الجبار .

- ٨ - وبلغنا ( جرش ) وجرش مدينة لها ذكر فى التاريخ القديم وفي التاريخ الاسلامي ايضا . . في التاريخ القديم باعمدتها الرومانية ، وبشموخ بنائها الرومانى وبوابتها الرومانية ، التى لا تزال قائمة الى اليوم . . وان كانوا قد وضعوا لها بعض عضادات اسمنتية وحديدية لحمايتها من السقوط كما فعلوا في كنيسة القمامة أو القيامة بالقدس.

وفي جرش لاحظت ازدياد سرعة السيارة . . ان السائق الآن يسابق الريح او يسابق الشمس . . لا ادري ولكنه شمر عن ساعد الجد ، وازمع امرا ، ومع اننا فى منطقة جبلية ملتوية الطريق جدا فانه قد بلغ بسرعة السيارة ( ٧٠ ف ٨٠ ف ٩٠ كيلو مترا ) . . وصرنا نرتج ، داخل السيارة ، ولكننا كنا مسرورين بهذه

السرعة الفائقة ، لكي نصل الى عمان قبل غروب الشمس عنها وعنا .

وتأملت الطريق الجبلى المسفلت الذي تنساب فوقه سيارتنا او تزحف زحف الصل وتأملت نفقات شقه هكذا فاذا به امر يكلف . . وان الطريق الاسفلتي هنا يشبه التعبان المارد او المسد الأسود الممتد بين اكتاف الجبال .

ثم صعدنا جبلا شاهقا فاذا بنا نرى المدينة التى كانت تدعى في التاريخ القديم باسم " فيلا دلفيا " اى المدينة البيضاء ، رأيناها كما كانت بيضاء تماما . . ان مبانيها كلها مبنية من الحجر الابيض كما كانت قبل آلاف السنين . . رأينا " عمان " موزعة بانتظام وفي جمال على روؤس جبالها فحمدنا الله على سلامة وصولنا اليها . . وهبطنا من حالق الى ما يشبه الهوة العميقة . . فاذا بنا داخل شوارع عمان الامامية فالوسطى . . حيث موقف السيارات التى نمتطى احداها . .

- ٩ - ونزلنا من السيارة وانزلنا حقائبنا الصغيرة منها . . فقد كان كل ما فيها بذلة او بذلتين ، ومنامة او منامتين ( ١ ) وسألنا عن فندق ممتاز ننزل فيه . . فدلنا احدهم على فندق ( بالاس ) الذي يقع غير بعيد عن مكاننا . . فذهبنا اليه مشيا على الاقدام مخترقين الشارع العام المزدحم ذا العجيج والضجيج. وفيه جسر يقام . وفيه مجرى عام يبنى للسيول . . ودخلنا الفندق . . واخذنا غرفة شمالية ذات سريرين.

وفي الفندق تذكرت الصديق القديم . . صديق الصبا ، في المدينة المنورة . . الشيخ محمد فال البيضاوي الشنقيطى رئيس المحكمة الكبرى بالمملكة الاردنية

الهاشمية فسألت عنه بالهاتف فأجاب.. وبعد لحظات كان معنا في الفندق مرحبا ثم سار بنا الى بعض المكتبات التجارية فى الشارع العام . . واقسم غير حانث ان لابد من ان ينزهنا في عمان ، ويرينا معالمها كلها فقبلنا . . ومع اننا كنا متعبين من وعثاء السفر لم نرد ان نضيع هذه الفرصة الثمينة . فاهل عمان ادرى بجبالها ومناطقها . . ودخلنا السيارة الجوالة ، وذهب بنا الشيخ الصديق الى كل انحاء عمان تقريبا . .

ورأينا ان نعرج على منزل سماحة الشيخ محمد الامين الشنقيطي سفير الملكة الاردنية بجدة حيث علمت - انه قدم من المملكة العربية السعودية ايامها ولكننا لم نجده وقام نجله السيد حبيب بالنيابة عنه بالترحيب وتقديم الشاي والمرطبات

وقد دخل الليل ، واصبحت عمان فى اعاليها وكلها فى الاعالي تقريبا ، تموج فى شعلة من نور الكهرباء . . او على ما تخيلت ساعتئذ كأن نجوم السماء ركبت فيها كما يقول البحترى عن بركة المتوكل العباسى . وقال لنا الشيخ ونحن على جبل الحسين : ان عمان جاثمة على نحو ثلاثة عشر جبلا " سماها لنا " والعمران ممتد فيها من كل صوب وناحية . . والكهرباء منتشرة فى كل مكان . . واثمان الاراض بعد ان كانت - كما يقول العامة - بتراب الفلوس ، اصبحت اليوم في صعود خيالي . . ثم عدنا الى فندقنا بعد ان ودعناه . وحاولنا ان ننام فلم نتمكن من ذلك . . والسبب ان " أسرة " ذات اطفال ذوى ضجيج وعجيج طيلة سواد الليل كانت قد احتلت الغرفة المجاورة لنا رأسا . . فحرمت على اجفاننا ان تذوق طعم النعاس بحركاتها وعجيجها وضجيح اولادها وذهابهم وجيئاتهم وعدوهم في الممر وفي الغرفة المجاورة لنا رأسا وكانت ابواب الفندق هى الاخرى تئن

وينبعث منها صرير عال كلما فتح واحد منها كما كان ( صنبور ) الماء المثبت بنفس غرفتنا على حوض صغير لغسل الايدى ينقط منه الماء بشكل مزعج طيلة الليل هذا الى بعوض منتشر في غرفتنا ونباح كلاب الخ . . وما ان اصبح الصباح حتى كانت اعصابنا شبه متلفة تقريبا من التعب المستمر الذي عانيناه طيلة النهار وقد زاده ضغثا على ابالة حرماننا من نعمة المنام راحة الانسان . . لقد غرر بنا ذلك الدليل الذي افهمنا ان فندق ( بالاس ) فندق ممتاز فالله حسيبه . . وافادنا الشيخ محمد قال ، بان عكس ذلك هو الواقع ، وبان الفندق الممتاز حقا هو فندق " فيلادلفيا " أى عمان البيضاء وفندق آخر حديث باعلى الجبل لعل اسمه " فندق الاردن " فأزمنا ان ننزل في الفندق الذي في السهل ( فيلا دلفيا ) عقب عودنا من رحلة القدس المزمعة . .

- ١٠ - وكنت حينما التقيت بالصديق القديم محمد فال انشدته على الفور :

وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما يظنان كل الظن ان لا تلاقيا وقد امن على ذلك وانشد هو نفس البيت . .

ان هذا الصديق القديم خرج من المدينة المنورة في ايام الحكومة الهاشمية . . ولم يعد ، واستوطن عمان من ذلك التاريخ . . وكانت اخباره منقطعة عنا فى وقت مديد . وبعد ان حاسبنا صاحب الفندق . . نزلنا إلى السيارة التى استاجرناها خصيصي لنقوم عليها برحلة القدس وما اليها . . ووضعنا فيها حقيبتينا الصغيرتين ودخلنا فى جوفها . . على اسم الله وبركته . . وودعنا الصديق محمد فال البيضاوى . وتحركت بنا السيارة تشق شوارع عمان صوب القدس والخليل وبيت لحم . .

وعندها وجدتني اسبح فى جو خاص من التأملات . . هل نحن الآن مسافرون الى ثالث الحرمين ؟ انها لأمنية عظيمة طالما تمنيتها وقد حمدت الله على تحقيقها الآن . . اننا سنشاهد معالم الاسراء والمعراج ومربط البراق . . وسنشاهد مناظر رائعة من مناظر النبوة المحمدية والاصطفاء الربانى لسيد الخلق نبينا محمد صل الله عليه وسلم في أول عهد رسالته وتكذيب قومه في مكة . . انه الاسراء والمعراج اسراء التشريف ومعراج التكريم والتعليم . . والتنظيم . . وما افقت من تأملاتي هذه حتى رايتنا وقد زايلنا عمان ، ودخلنا في منطقة جبال بيض ، سالكين نفس طريقنا الاسود المتعرج المحمول على اكتاف الجبال من اعمال الرجال . . وأوغلت السيارة فى السرعة . . حتى بلغت سرعتها الى المائة كيلو مترا ، وقال لنا السائق : انه يريد ان يعبر بنا منطقة الغور الشديدة الحرارة قبل ارتفاع الشمس . . فشكرنا له هذا الصنيع . . وفي مدخل الغور اشار لنا إلى منخفض من الارض بعيد عنا وقال : ها نحن ؤلاء دخلنا منطقة الغور فعلا . . وبعد نيهة نزلنا إلى ارض واطئة يبدو لى انها راعية حقا . . فهذا هو (الغور ) المشهور قديما وحديثا ، وارانا من بعيد مشتى الملك المرحوم عبد الله . . وجاوزنا نهر الشريعة ورأيناه متجها واهنا فى مجراه الذي يخترق الطريق ذاهبا صوب البحر الميت وارانا السائق البحر الميت من بعيد ، وارانا فندقه الفخم وارانا المباني المقامة من حكومة الاردن على ساحله الاردني ، واشار لنا انى ما هو ابعد فاذا به المنطقة المحتلة من قبل الصهاينة الأئمة بالبحر الميت . .

وبعد نحو ساعة فارقنا الغور حامدين الله وشاكرين نعماءه . وكان العرق قد

تصبب فيه من اجسامنا ، واحسننا ببعض ضيق الحرارة برغم لمسات الهواء الرطب الغير منعش . . ورأينا اناسا يزرعون ، ومبانى تقام ، ومقاهى قائمة على جنبتى الطريق . .

- ١١ - ثم ارتفعنا صعدا فقد عدنا اذن الى المنطقة الجبلية العالية ، وجبل يسلمنا إلى جبل : ونحن فى صعود مستمر متواصل ، والخضرة تبدو في كل مكان ، ومزارع الدخان عن شمائلنا وايماننا فى عرصات كبيرة وصغيرة تتركها الجبال لمثل هذا الشأن . وصعدنا جبلا شاهقا فأشار السائق قائلا : هناك القدس . . وبعد لحظات كانت سيارتنا تنساب في مداخل مدينة القدس ورأينا اقواما سحناتهم عربية من رجال ونساء ذاهبين آيبين . .

وحينما وقفنا على باب سور المسجد الاقصى وعماراته . . ترجلنا ودخلنا خاشعين راجين من الله المغفرة وصلاح الاحوال . . لنا خاصة وللعالم العربى والاسلامى عامة . . ودخلنا مسجد الصخرة . . وراعنا ، قبل دخوله هذا الفن العربي الخالد يصبه المهندس العرب المسلمون اليوم على ظاهر قبة الصخرة الشامخة . . وراعنا شموخها الذي يستمد كيانه من شموخ الاسلام . . وشموخ العروبة طيلة الدهور والاعوام . . باذن الواحد الفرد القدير وبمعونته التى لا تقاوم . .

ودخلنا مسجد الصخرة وصلينا فيه ركعتين تحية المسجد ، ودعونا الله بما فتح علينا . . وتجولنا فى المسجد ودخلنا الصخرة ، وتأملت كيانها فاذا بها صخرة كبيرة مجوفة مقببة تقببا غير عال، وهي صخرة من الحجر الابيض الذي يوجد بكثرة فى هذه

المنطقة

والصخرة على شكل خيمة صغيرة لاطئة بعض الشئ ، وتابتة من اطرافها من اليمين واليسار والخلف على قواعد منها نفسها راسخة في الأرض رسوخا طبعيا . . ولها فتحة كبيرة فى الناحية الجنوبية منها وقد دخلنا جوفها فأرونا اماكن عبادة الانبياء .. وللصخرة المقببة سطح غير مستو، قال لنا الشيخ هاشم دفتر دار انه كان عليه صلى النبى محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء، ومن الممكن حقا ان يصلى على هذا السطح لوجود اماكن فيه صالحة للصلاة ..

وداخل المسجد تحفة عربية خالدة كخارجه تماما . .

وقد اخذنا لنا رسما خارج مسجد الصخرة للتذكار .

هذا وقبل بضعة ايام من قدومنا إلى القدس احتفل العالم العربي بعمارة وزخرفة مسجد الصخرة وقبته وجاءت وفود دون انحاء العالم العربي للمشاركة فى هذا المحفل العظيم . . وجدير بالذكر ان نصيب الاسد في هذا التعمير كان للعربية السعودية وكان للمقاول السعودى الشيخ محمد بن لادن نصيب كبير فى اظماره بهذا المظهر الاخاذ . .

- ١٢ - وقبة الصخرة تتلالا عالية بما نقش عليها من الآيات القرآنية الحكيمة بأروع خط عربى ، وبما زخرفت به من الذهب الوهاج الخالص فهي تتلألأ تلألؤ الشمس فى رائعة النهار . . انها فى الارض ( شمس ) ثانية شامخة تظهر شموخ الاسلام وتتحدى اعداءه فى كل زمان ومكان.

ومن مسجد الصخرة ذهبنا إلى المسجد

الاقصى القريب منه . . فصلينا فيه ركعتين للتحية ، ودعونا الله بما يسر لنا ، وتجولنا فيه ، وبدا لى ان بناءه ليس بالقديم القديم . . وجاءنا شيخ المسجد ودليله وهو انصارى النسب ، انه شيخ وقور كبير السن ظهر من خطوط جبينه العميقة ، انه مرت به احداث خطيرة هنا . . وهو ذو لحية كثة بيضاء اسمر اللون طوال . . وتعارفنا فقال لنا : سأدلكم على امر عجيب . وتركنا وذهب الى مكان قريب وجاء برزمة مفاتيح . . ونزل بنا تحت المسجد . وفتح بابا خشبيا سميكا عتقا فاذا بنا بعد عدة درجات حجرية ذاهبة في القدم كل مذهب نمشى فى بناء مقبب بالحجر رطب سقف بما يدعى بالاغماس ) ١ ( . . وقال لنا الشيخ الوفور الكبير الخبير : ان المسجد العلوي الذي كنا فيه جدده صلاح الدين الأيوبي ، وجدد في عهود متفاوتة بعده . . وقال : سأريكم عجبا آخر انظروا إلى النوافذ الضيقة المغلقة التى على يساركم في المسجد السفلى بالنسبة للاعلى منه . . انها تطل على المسجد الاقصى الاقدم ، هن هذا . . ولقد قدم صلاح الدين الايوبي فاتحا للقدس من ايدى الصلبيين فرأى بحكمته ان يسد هذا المكان الذي هو هيكل سليمان وان يجعل منه خزانا لماء البلد . . انه لا يزال خزانا مقفلا كما صنع به صلاح الدين الايوبي قبل عدة قرون . . وقد شكرنا للشيخ الكبير الخبير دلالته القيمة فقد ارانا عجبا حقا ، ارانا مسجدا فوق مسجد فوق مسجد . .

- ١٣ - وغادرنا المسجد الاقصى الى متحفه عن كثب منه . . ذهب بنا اليه شيخ خفيف العارضين خفيف الحركة والجسم غير

طويل القامة ابيض اللون وقال لنا انه من آل القزاز المكيين فى الاصل . . ودخلنا معه المتحف فاذا فيه آثار قيمة قديمة . . متنوعة من سيوف ودروع وبنادق ومدافع ودرقات وخوذات وسكاكين وحلى وقناديل ومصابيح زيتية ، واخشاب عمارات كبيرة قديمة للمسجد الاقصى حفظت هنا بعد انتهاء مهمتها وهكذا.

ثم ذهبنا لمكتبة المسجد الحافلة بالكتب المهداة لها واغلبها مطبوع وحديث . .

وقصدنا السوق المستطيلة المتعرجة المفروشة بالحجارة المربعة المنحوتة شأنها فى استطالتها وتعريجها وبلاطها شأن زميلتيها : سويقة مكة وسويقة المدينة . . تماما . .

ومن السوق عرجنا على كنيسة القمامة أو القيامة ورأينا نقوشها وزخارفها وآثارها ومعابد اقوامها ودخلنا الجامع العمرى بجوارها وقرأنا ما على حجر محرابه الاسود من تاريخ بنائه ..

وبقرب الجامع العمري اشتريت " صينية " مستديرة من صنع القدس طبع عليها بالالوان الطبعية رسم مسجد الصخرة . . وعجبت مهما شاهدته فى هذه السوق الاثرية لاولى مرة . . فانك تجد دائما فى دكاكين الاثريات ، المصاحف القرآنية المطعمة اغلفتها بالصدف الى جانب الصلبان المطعمة بالصدف معروضة كلها للبيع . . فمن شاء مصحفا مطعم الغلاف من المسلمين اخذ ، ومن شاء صليبا مطعما من النصارى اخذ . . وتكررت امامي هذه الظاهرة فى بيت لحم . . تماما وهذا من المتناقضات الملفتة لنظر السائح على كل حال .

وجلسنا في مقهى يجاور عمارات المسجد

الاقصى . . وما راعنا الا اسراب وافواج من الاوروبيين المسيحيين والاوروبيات المسيحيات ينحطون صببا من الطريق الضيق المنحدر من المسجد صوب المقهى . . ومعهم كتب ادعيتهم وعبادتهم . . وقيل لنا : ان السبب في ذلك هو ان هذا الزقاق كان طريق الذين اخذوا المسيح عليه السلام الى الصلب فى مكان معين ارونا اياه ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) وصدق الله العظيم.

وفي الشارع العام دخلنا مطعما عربيا وتغدينا فيه لحما مشويا لذيذا وخبزا سميذا وعنبا مبردا وشربنا ماءا معقما .

وتجولنا في القدس القديمة ومررنا على سورها الروماني القديم المتداعي يحيط بها احاطة السوار بالمعصم . .

- ١٤ - ثم صعدنا من السوق الواطئة أو من الشارع القديم المتعرج المستطيل الى اعلى فاذا بنا في اسواق وشوارع حديثة فيها مصارف ومعارض ودكاكين وعمارات حديثة بمعنى الكلمة . . وهذا كله فى القسم العربى من القدس . . اما القسم المنكوب باحتلال اليهود فارونا اياه من بعيد . . وقد ضرب بينهما بسور ظاهره الرحمة وباطنه العذاب ان شاء الله على من فيه فى المستقبل القريب بحول الله وقوته ومعونته . .

- ١٥ - وأذن سائقنا الاردني الحصيف باننا مزمعون في الحال الذهاب الى الخليل . . وبعد ان وعدناه بنفسحة من نقود

استجاب راضيا . . ولكنه عطف على ذلك بان المسافة بعيدة والطريق حار . . فقلنا له اننا توكلنا على الله . .

والخلاصة اننا ارتحلنا من القدس قبل العصر . . قاصدين مدينتى الخليل . . وبيت لحم . . والمنطقة هذه من المملكة الاردنية شبيهة بما سبق تماما في جبالها البيض القرمدية ، وفي خط اسفلتها الاسود الملتوى المحمول على اكتاف الجبال الشاهقة كما يحمل ( الحاوي ) على عاتقه التنين العظيم

وحدثنا السائق المجاهد باحاديث معركة فلسطين وكان احد ابطالها على حد قوله الذي يبدو فيه الصدق . . وارانا القرى المنكوبة باحتلال اليهود . . وارانا الطريق الاسفلتى القديم الذي اوقف وعطل بعد احتلال اليهود لتلك الاماكن من فلسطين العربية الخالدة اعادها الله الى اهلها العرب قريبا. .

وقد وصلنا بيت لحم بعد نحو نصف ساعة وقررنا ان لا ندخلها الآن ، بل نمضي في طريقنا صوب مدينة الخليل وفي طريق عودتنا ندخل مدينة بيت لحم . . وصادف ذلك هوى من السائق ، لما فيه من اختصار الطريق عليه .

- ١٦ - بعد مضى نحو ساعة من سيرنا من القدس وصلنا مدينة الخليل الرابض بعضها على كتف هضبة هنالك وبعضها ينطوى عليه واد تحت الهضبة نفسها ..

ومدينة الخليل تقع الى جنوب القدس بمسافة - ٢٥ - ميلا، وتجود بها الفواكه.

ودخلنا المسجد وصلينا به الظهر والعصر جمعا وقصرا وسلمنا على نبى الله ابى الانبياء ابراهيم عليه الصلاة والسلام ، كما سلمنا على من يجاوره من الأنبياء وعلى السيدة سارة زوجته . . وتجولنا في المسجد فراعتنا زخرفته العربية البديعة

ومحرابه النفيس النقوش . . ونظافته . . وهو من بناء آل عثمان . . ولم ترقنا ميضاءته ؛ . فهي بحاجة الى عناية كبيرة في نظافتها وارسال الماء على فتحات حماماتها العربية دائما حتى تأمن من العفن والتلوث ويأمن داخلوها من الرائحة الكريهة المنبعثة منها .

ومن مدينة الخليل عدنا ادراجنا صوب بيت لحم . . المدينة التى ولد بها عيسى رسول الله عليه السلام . . وكنا في طريقنا الى مدينة الخليل وفي مداخلها شاهدنا " حفارة زيت " ضخمة واقفة بجانب الطريق فى وهدة من الأرض وقيل لنا : انهم بحثوا بها عن زيت النفط وانهم وجدوه فى الاعماق . . وهي الى جانب ( بيارة ) من بيارات مدينة الخليل فى مكان سموه لنا ونسيت اسمه الآن . .

ودخلنا مدينة بيت لحم في الاصيل فى نحو الساعة العاشرة الا ثلثا نهارا بالتوقيت العربي وقد ظهرت لنا على ربوة مرتفعة بالنسبة لما يجاورها من الارض واذا كان بها نخل في عهد ولادة المسيح كما هو ثابت . . فانها اليوم محرومة من النخيل . . انها جرداء من الحقول كما رايناها وعايناها وسبحان من يغير ولا يتغير.

ومما ان اقتربنا من الكنيسة لنشاهد مابها من آثار حتى وجدنا انفسنا يتقدمنا شاب مسيحى للدلالة على الآثار كما فهمنا . . وكان لابسا بذلة ( سموكنج ) فاخرة . . ويتدلى من عنقه صليب ذهبى ، ودخلنا الكنيسة المزخرفة الواسعة . وشاهدنا قسيسا جالسا بلحيته الكثة البيضاء وارانا الدليل المكان الذي قال لنا عنه : انه مولد عيسى عليه السلام ، وبجانبه إلى اليمين مكان

مهده وإلى جانبهما فجوة بنجوة عنهما وهي فى مكان النخلة على ما ابداه لنا الدليل وقد وضعت به رخامة مثقوبة بيضاء مستديرة كرمز للنخلة المأثورة . . وبعد ان انتهينا من المشاهدة والبحث رأينا سربا من فتيات اوربيات جالسات بجوار مكان ولادة المسيح عليه السلام وهن يدعون ويبكين . . فالتفت الى ، الشيخ هاشم ، وقال : ان منظر هؤلاء هنا يمثل ماقال عنه الشاعر العربي القديم :

ان من يدخل الكنيسة يوما

يلق فيها جآذرا واظباءا

وراقني الاستشهاد . . لامرين : أولهما مطابقة الواقع القديم للواقع الحاضر ، وثانيهما حضور بديهة الشيخ هاشم في هذا الموقف وتذكره لهذا البيت القديم الذي كنا نحفظه كشاهد من شواهد النحو ثم ذهب به النسيان عن تلافيف الدماغ . . حتى استعاد ذكراه هنا الاستاذ العالم الاديب،

وسرعان ما عدنا إلى سيارتنا فامتطيناها . . وهاهى تنهب بنا الارض نهبا حثيثا . . ان السائق عجل يريد ان يلحق باهله قبل ان يطبق الظلام ولعل له رحلة الى جهة اخرى . . فليطلق العنان اذن لهذا المخلوق الاعجم الجبار الذي يشبه المردة في سرعته الخاطفة والذى كلما زاد من ضغطه لوقوده أو لزاده ، هب هبة المردة الى حيث يريد السائق لا هو فليس له هو مراد .

واجتزنا كل المسافة من الخليل الى عمان بما فى ذلك مكثنا نحو ربع ساعة ببيت لحم - فى ساعتين الا ربعا لقد سابقنا الشمس . . هي تسرع خطاها الى المغرب ونحن نسرع خطانا إلى عمان . . وفي الساعة الحادية عشرة والنصف كنا امام فندق فلادلفيا " الفندق الضخم الذي وصفه لنا صديقنا الخبير : محمد فال

البيضاوى وقال بحق انه من اضخم فنادق عمان . . ولقد مكثنا به ليلتنا فى راحة وهدوء ، وكل شئ فيه كان على ما يرام ، ولذلك لا يمل الانسان فيه المقام . .

وللظروف احكامها . . فنحن على موعد في صبيحة الليلة ذاتها مع الرحلة صوب دمشق فبيروت . . وقد بدأ الحنين الى الوطن يهز نياط القلب ويلتمع بين الجوانح رويدا رويدا .

دخلنا دمشق ظهرا وتغدينا بها ، وقمنا منها على الفور الى بيروت . . ووصلناها فى اوائل الاصيل .

- ١٧ - وبعد ثلاثة ايام وفي الصباح المبكر ركبت سيارة الصديق محمد الكردى وكنا سبعة واحد مسافر صوب المملكة العربية السعودية بالطائرة النفاثة الجبارة السعودية ( البوينج ) وهو انا ، وستة مودعون في طليعتهم الصديق الشيخ هاشم دفتردار والسيدان محمد الكردى واسع ابو شالة . .

وفي الساعة الواحدة صباحا ارتفعت بنا البوينج الى اعالي طبقات الجو .. وطارت محلقة حثيثة هادرة . . وكان الجو لطيفا والريح ساكنة والبحر هادئا . . وما وافت الساعة الثالثة صباحا حتى كانت طائرة البوينج تزوف بنا فى ارض مطار جدة . .

ها انا ذا قد عدت بسلام ولله الحمد والمنة من رحلة الصيف التى كانت اطول رحلاتى وايمنها ان شاء الله . . وقد حمدت الله وشكرته على سلامة الاياب :

وكل مسافر سيؤوب يوما

اذا رزق السلامة والايابا

اشترك في نشرتنا البريدية