الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "المنهل"

رحلة الصيف

Share

كانت رحلة صاحب المنهل الاستاذ الفاضل عبد القدوس الانصاري الصيفية إلى الشمال ورحلتى فى الصيف كانت الى أقصى جنوب المملكة وشتان بين مجنب ومشمل من حيث المناظر والمناقب ) طرق الجبال ( والمواقع

ابتدأت رحلتى من الطائف مع رفيقين كريمين الاستاذ محمد ابراهيم مختار والاستاذ الحسن حمزة الجعلى الى بيشة خميس مشيط الى سرارة عبيدة وأراضيها عسير فديار بني مالك ورحلة ثانية من خميس مشيط الى سراز عبيدة واراضيها الشاسعة وقراها الخضراء فبلاد شريف وسنحان وبلاد الوادعة ) ظهران الجنوب ( .

وكانت رحلة ممتعة من ناحية الجو والمناظر الطبيعية والمشاهدات ولم تكن تخلو من بعض صعوبات هي بالنسبة الى والى زميلى فى الرحلات الاستاذ محمد مختار من الامور المألوفة وذلك لتعودنا عليها وعلى اكثر منها فى مثل هذه الاسفار .

والنواحي البارزة في هذه الرحلة التي قطعنا فيها اكثر من ) ١٥٠٠ ( كيلو متر من الاراضى الصحراوية والجبلية والزراعية هى :

) ١ ( الانسان فى رحلته الى الخارج لا يستعد بشئ مطلقا غير ما يختص به من الادوات الشخصية ، اما فى مثل هذه الرحلات الداخلية فعلى المسافر ان يستصحب معه كل ما يحتاج اليه من فراش وطعام وملابس ثقيلة وخفيفة واوان للطبخ وما يتعلق بها وادوات أخرى كمصباح وبعض ادوية وحبال وكشاف - والكشاف له اهمية كبيرة - لا سيما لامثالنا - واذكر على . سبيل المثال - ان الزميل الاستاذ محمد مختار قاد

بعض اقاربه فى ديار بني مالك بعد صلاة العشاء ، وكان بين الدار التى نزلنا بها فى ضيافة الشيخ الجليل عبد الله الزميلى والدار التى يريدها الاستاذ محمد مختار مسافة لا تقل عن " ١٠ " كيلو مترات ولم يكن الطريق يخلو من وعورة الجبال والمرتفعات والمنخفضات والاحجار وكان الليل حالكا

وفي اثناء عودته شعر بحركة احدى الزواحف فأنار بكشافه فاذا هو حنش أسود معترض فى الطريق وما سمع خفق الحذاء الا وبدأ يزحف فانهال عليه ورفيقه بالحجارة حتى قتلوه . .

وفي مثل هذه الظروف تتجلى ألية الكشاف .

(٢)عند بدء الرحلة يكون ركاب السيارة ) أى سيارات النقل حمل ثلاثة أطنان أو سبعة اطنان ( مختلفين فى المشارب والمظاهر - واقصد بالمظاهر الملابس - فرجل ثيابه نظيفة وآخر فى أسمال بالية وثالث متوسط الحال ورجل موظف وآخر عسكرى فى اجازة وثالث تاجر ورابع يبحث عن عمل وهلم جرا . . ولا تخلو السويعات الاولى من الرحلة من اختلافات فيما بينهم على محلات الجلوس ووضع الامتعة وعلى التقدم والتأخر . . ثم تأخذ الحالة فى التقارب بينهم من أول مرحلة ينزلون بها وكلما تقدمت السيارة وقطعت مسافات فى اراضى الله ازدادت المشارب والمظاهر فى التآلف والتمازج فالآراء تتحد ويزداد التعاون بين الجميع وتتقارب الملابس - فتتسخ الملابس النظيفة او تتمزق من جراء التسلق على السيارة وكثرة الطلوع والنزول . ولا يصل الركاب الى المكان الذي تقصده السيارة الا وتكون اواصر المعرفة والمودة قد توثقت بينهم وعند الانصراف أو الافتراق يودع كل فرد بقية زملائه وداع الاخ لاخيه .

(٣)لابد للانسان فى هذه الرحلات ان يتخلى ) بالخاء المعجمة ( عن كثير من رغباته وعاداته وبرنامج اته اليومى وان يتحلى ) بالحاء المهملة ( بجزء كبير من التسامح وطول الافق : وعدم المحاسبة على النقير والقطمير . . ولو لم يفعل الانسان ذلك

انقلبت رحلته من متعة الى متعبة ومن فرح الى ترح . .

(٤)أن يكون على أتم الاستعداد لتعرض الظواهر الجوية المختلفة فمن برد شديد في الليل الى حرارة الشمس نهارا وتعرض للمطر وابتلال الثياب والنوم على الحجارة والرمل والتراب والعشب دون مبالاة بالهوام فلا يبالي بافتراش التراب .

) ٥ ( ان يهيء نفسه - اذا لزم الامر -

للسير على الاقدام والاستغناء عن الركوب لصعود مرتفع وعر او نزول منحدر صعب .

) ٦ ( ان يوطن نفسه لشرب ما يجده من الماء - سواء أكان بئرا أو حسيا أو سيلا أو غديرا او متغيرا طعمه أو لونه .

) ٧ ( ان يعتبر مسألة ) العدوى ( نوعا من الوسوسة اى لا يهتم بها مطلقا .

ومن النواحى البارزة أيضا : شعور الغبطة والاطمئنان والراحة النفسية التى يجدها كل فرد من افراد الرحلة . .

ومنشأ الغبطة لامثالنا هو رؤية المناظر وتجددها بتجدد الساعات والدقائق فمن مرتفعات حرداء الى منخفضات خضراء ومن ارض رملية الى بقاع تشبه الغابات ومن ممر ضيق الى واد رحب . .

والاطمئنان مصدره ؛ نعمة الامن التى تتمتع بها البلاد السعودية حاضرتها وباديتها سهولها وجبالها ، صحاراها وقراها . فسيارة واحدة مشحونة بحمل تقدر بالآلاف الريالات تقطع مئات الاميال بين منازل مختلفة لرجال القبائل لا يمسها احد بسوء ولا ينظر اليها بدوى او حضرى الا كما ننظر الى كل سيارة تجوب شوارع العاصمة

والراحة النفسية يشعر بها المرء لاعتدال الجو وبرودة الهواء وبمروره بمحطات يجد فيها الظلال نهارا والدفء ليلا ويجد كذلك الماء ومايريده من الشاى والقهوة والتمر - والراحة النفسية تتغلب على كل ما قد يلاقيه المسافر من بعض المتاعب من جراء عطل فى السيارة أو لسبب آخر . .

ومتعتنا الخاصة بهذه الرحلة كانت : من مشاهدة الاماكن التى لم نزرها من قبل . . وتصحيح معلوماتنا التى كثيرا ما جنت عليها اقوال بعض المؤلفين عن هذه البلاد ووصفهم لها بانها بلاد قاحلة جرداء لا نبات فيها ولا ماء .

تصحيحها بالمشاهدة والرؤية والتجربة . فالأودية التى يقطعها الانسان فى هذه الاراضى قلما تخلو من مياه جارية او نابعة وعشب أخضر وأشجار برية فينانة . . والقرى التى نمر بها لا بد أن تكون محاطة بمزارع وحقول وبساتين وقد وصف لنا احد ابناء هذه الاراضى تقارب القرى بعضها من بعض بوصف يكاد يكون صورة للواقع - فقال ونحن قادمون الى بلاد سراة عبيدة : " الطريق كله قرى ومن قرية تشوف قرية " وكان الامر كما وصف . . فعندما تنتهى خضرة قرية تبدو حقول قرية أخرى

ومن بواعث المتعة : اجتماعنا باهل تلك الديار والاطلاع على أحوالهم وطريقة معيشتهم واكتساب بعض الخبرة عن اراضيهم وقراهم التى تعتبر الآن نائية ولا يعرف الكثير منا عنها شيئا . .

ومن الصور التى لا يزال رواء منظرها يتجدد بتجدد ذكريات الرحلة :

١ - منظر وادى تندحة بمائه الجارى كنهر صغير وجوانبه المرتفعة مكسوة بعشب غض يتمنى الانسان أن يجد فرصته ويقضى عنده أياما لا يتنسم الا عبير الازهار ولا تقع عينه الا على الخضرة والماء . .

٢ - منظر منهل من مناهل وادى ظهران الجنوب الذى يخترق البلدة من ناحية الشرق بالقرب من قصر الامير عبد الله بن مشعان أمير منطقة ظهران الجنوب . .

وماؤه الجارى يغطى جزءا من الارض في شكل بحيرة صغيرة تحيط بها اشجار وشجيرات واعشاب متنوعة

والواقف عند هذا المنهل او البحيرة الصغيرة الضحلة - فى الصباح وفي المساء يتناسي من مشاهدة الناظرا للابة التى امامه - أنه بمنطقة ظهران الجنوب الجبلية - بل يظن نفسه أمام منظر من مناظر النيل الطبيعية فبى الطريق الى القناطر الخيرية أو انه واقف عند منبع عين " الفيجة " أو بردى فى الزبدانى بالشام واوراق الاشجار تنعكس على صفحة الماء فتكون باهتزازها بالهواء وانعكاسها فى الماء جمالا طبيعيا باهرا - .

وقفنا عنده حينما بدأت الشمس ترسل أشعتها الصفراء على رؤوس الجبال والاشجار والماء - وسطح الماء يعكسها الينا بنوع من الشعاع البارد الوهاج . .

وثمة حجارة ملقاة وسط الماء تبدو كجزر صغيرة يستخدمها المارة كجسر للعبور من فوقها من ناحية الى اخرى .

أما الجزء الذى انحسر عنه الماء من الوادى بنزوله الى جوف الارض فهو مغطى بذرات كبيرة من الرمل الابيض تتخللها ذرات سوداء . .

ويجتمع عند هذا المنهل أحيانا اولاد من البيوت المجاورة للعب بمائه وعمل مجار صغيرة لجلب الماء اليها كما تخرج النسوة فى اوقات مخصوصة بقصد القصارة ) غسل الثياب ( .

ويستفيد جيرة هذا المنهل من مائه بحفر قنوات صغيرة مؤقتة وسحب الماء بواسطتها الى ارضهم للبناء والعمارة . .

والوقفة الليلية عند هذا المنهل توحى بروعة الليل الصحراوى الساكن - وقد

تجللت المناظر كلها بالسواد القاتم وتسمع همسات ضعيفة لخرير الماء وأمواجه الصغيرة عند اصطدامها بالحجارة الصغيرة او باوراق الاشجار الجافة دون ان يعرف الواقف مصدر تلك الهمسات .

٣ - ظهران الجنوب :

بلدة وادعة هادئة جميلة في مناظرها الطبيعية وجوها المعتدل اللطيف وبيوتها فى شكل ابراج مربعة تتكون من طبقتين وثلاث وكلها متقاربة كأنها قصر واحد ذو ابراج كثيرة - وقد شرح احد الاخوان سبب قرب البيوت ووجود ممرات ضيقة بينها او وجود بعض سوابيط " جسور " بين بعض البيوت :

ان العصور القديمة كانت لا تخلو من غارات وهجمات من قبل القبائل المعادية . . وقرب البيوت كان يساعد اهل البلدة فى انتقال من بيت الى آخر للمدد او للهرب دون ان يشعر بذلك المهاجم . .

وتمتد مزارع البلدة الخضر وحدائقها الغلب الباقية على فطرتها وطبيعتها تمتد مع امتداد قراها الى مسافات طويلة وتبدو البلدة للقادم اليها منخفضة ومع ذلك فهى ترتفع عن سطح البحر - ٢٠٠٠ - متر .

٤ - قصر ابي زنبيل :

على قمة تل صخرى مطل عي واد ضيق قسمته خضرة المروج والحقول الى مربعات ومستطيلات ومثلثات تتخللها ممرات ضيقة بيضاء لمرور الناس والدواب .

على قمة هذا التل دار متهدمة تدل أطلالها الباقية على انها كانت فى يوم من الايام قصرا شامخا يتمنى الناظر اليه ان يكون له دار كهذه فى مثل هذا الموقع الجميل . وثم ممر

ملتو يتمكن راكب الدابة من الصعود اليه بسهولة . .

وسألت أحد رفاق الامير عبد الله بن مشعان الذي خرجنا معه الى هذه الناحية بقصد المرور على مزارع ظهران الجنوب وواديه الاخضر - سألته عن هذا القصر وتاريخ اطلاله فقال : يعرف هذا القصر ببيت أبى زنبيل - ويقال انه كان من اهل هذه البلاد وكان غنيا يمتلك مزارع واسعة تنتج

له سنويا محصولا زراعيا كبيرا لم يكن يحصيه الا بالزنابيل الا انه كما قالت الآية الشريفة : " ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى " وكان من طغيانه انه يأخذ هذه الحبوب يستخدمها فى الاستجمار ولم يكن يتورع عن التبول فوقها - فعاقبه الله بجوائح أتت على مزارعه وعليه ولم تبق له باقية وبقيت داره عبرة لمن يعتبر

اشترك في نشرتنا البريدية