وفى اليوم الثاني زرنا عامل الحديدة فى قصره الذي يقع وسط حديقة غماء بها كثير من النافورات وتحادثنا معه ما يقارب ساعه وكانت الاحاديث في الغالب لا تخرج عن المواضيع التي كثيرا ما تحادثنا فيها مع غير واحد من رجال الحكومة واستطردنا كذلك الى موضوع البن الذي يصدر من اليمن وبعض الاختراعات الحديثة ثم تطرقنا إلى تاريخ اليمن ومعظم اليمانين يتدرجون غالبا فى احاديثهم الى ذكر تاريخهم القديم إلا ان القليل منهم من يعرف التاريخ عن طريق الدراسة والبحث
وقمنا مع العامل بجولة لمشاهدة معالم البلدة ومراكز احتشاد الاهالى فى الاسواق ومشاهدة ابراج الحراسة التى تشبه الاهراء فى اطراف البلدة ، وفي مرورنا بجانب البحر والرصيف شاهدنا مستودعات كبيرة لحفظ الجلود المدبوغة وكميات عظيمة من البن المعدة للتصدير كما زرنا ارضا شمال الحديدة قيل عنها انها معدة لانشاء رصيف حديث لرسو البواخر .
وفى المساء زارنا دكتور ايطالى وكان من احاديثه ان اخبرنا عن جهوده التى بذلها لمكافحة الملاريا ولابادة البعوض فقال : انه تجرأ واستاذن فى صب الزيت فى " احواض " المساجد لتغطية سطح الماء به فسمح له بذلك ، لان تلك الاحواض كانت اكبر مراكز تولد البعوض .
ثم بدأنا الرحلة الى الجهات الداخلية نحو الشمال الشرقى وكانت الأرض فى اول أمرها والى مسافة طويلة صحراويه ثم اخذت تتحول الى اراض زراعية كالتى رأيناها بين ( بيت الفقيه ) و ( الحديدة ) وكانتا حقولا متفرقة يفصل بين بعضها اكمات من الاتربة والاوساخ يبلغ ارتفاع بعضها عدة يازدات ومررنا باراض قد بعثرتها المحاريت الخشبية واعدتها لبذر الحبوب . واغلب هذه الأراضى تسقي بالمطر والمياه المتجمعة من السيول فى اوقات مختلفة وتوجد فى
تهامة اليمن أراض كثيرة مثل هذه الا انها فى حاجة شديدة إلى تنظيم ريها لتأتي بالارباح الوفيرة والانتاج العظيم الذى لا تناسب بينه وبين ما تنتجه الآن .
ثم صار طريقنا بين تلال صغيرة بالقرب من سفوح جبال عالية وأجهدتنا وعورة الحزون والوهاد وكنا نشاهد على اطراف الطريق الاشجار التى يستخرج منها ( اللبان ) الذي كانت اليمن تشتهر قديما بتصديره واغصان هذه الاشجار كانت مثقلة بزهور وردية اللون تكسب الأرض جمالا فتانا .
وكانت قوافل اهل الابل والعير المحمولة بمحاصيل تلك الجهات العالية والجبلية الى اسواق المدن الساحلية لا تنقطع عن تلك المناطق التى كنا غربها واهل هذه الدواب رجالا و نساء يرتدون ملابس سودا والنساء يضمن على وجوههن حجابا ويلبسن على رءوسهن قلنسوات طويلة من القش لهاحافة واسعة مستديرة كالقبعات
وصلنا بلدة " باجل " فتلقانا عاملها بكل بشاشة ولطف وفهمنا منه ان نبأ وصولنا الى اي محل يسبقنا ويتقدمنا وذلك بواسطة حارس باب البلدة وصاحب( البوق )
وكان العامل يتأبط بعض دفاتر لتسجيل الاسماء ولانجاز اعماله الرسمية حسب الطريقة المتبعة لديه . وفي اثناء انتظار الاجراءات اجتمع حولنا حشد عظيم من المارة والاولاد فكان الجنود والحراس يفرة ونهم بضرب الارض بعصيهم عند اقدامهم والاولاد يضحكون ويقبلون هذا الضرب الرمزي بكل لطف وهدوء .
وبعد ان انتهت عملية التأشير تقدمنا وقد تحول سيرنا من قطع اراض مستوية الى صعود مرتفعات صعبة المسالك بكل هدوء وحذر وفي بطء زائد كان يتذمر منه السواقون . وهذا السير البطئ وان كان آخرنا عن الوصول الى المحطة التى كانت امامنا إلا انه افادنا من حيث التمتع برؤية مناظر الطريق والاصلاحات التى قامت بها الحكومة بتوسيع بعض الاماكن الضيقة جدا .
بقينا فى هذا السير التصاعدى حتى غربت الشمس واحلولكت الدنيا ولم نصل محطة ( عبال ) الجبلية التى تبعد عن الساحل ١٣٢ ميلا إلا بعد ان مضي
بنك ( ١ ) من الليل ولذلك قررنا المبيت بها . وجهزنا عشاءنا على موقد من مواقد الرعاة داخل كوخ صغير دخلناه للمبيت ولضيق المكان شعرت بحرارة غير عادية اضطررت من اجلها الى حل قميصى المشتبك لاخلعه وكان بالقرب من الكوخ اطفال معهم امرأة أخذوا جميعهم يحملقون فى باعينهم يستغربون من فك رباط القميص فكررت العملية ثانية لأريهم ان مارأوه كان حقا وان اعينهم لم تخنهم وقد لاحظت مرارا آن كثيرا من أعمالنا نحن الامريكين ينظر اليها اهل تلك البلاد بعين الاعجاب والاستغراب وليس ذلك عجيبا فقد كنا من قبل نعجب لأرض السندباد البحري وقصصه ...
ولما كان الكوخ ضيقا حارا لم نستطع المبيت داخله فخرجنا بعد تناول العشاء الى العراء تحت لآلأة النجوم وضوء القمر الذي كان على وشك الأفول وفتحت الراديو لأسمع أخبار العالم فاجتمع على صوته جمع كبير من جنود المحطة حولنا ثم سألني احدهم : - ما هى الاخبار ؟ فذكرت له ما سمعته عن تقدم قوات الحلفاء فى جهات مختلفة إلا أن السائل بقى واجما متكئا على بندقيته كأنه لم يلق منى جوابا على سؤاله فأعاد على سؤاله ولكن بصورة اوضح من ذى قبل وقال : ما هى اخبار البلاد العربية ؟ اننا متعطشون إلى سماعها وعندئذ أدرت مفتاح الراديو يمنة ويسرة على أجد محطة عربية فاسمعه منها أخبار البلاد العربية ولكن بحثى كان دون جدوى لان الوقت كان يقرب من منتصف الليل ولذا اعتذرت له وقفلت لراديو واستلقيت على فراشى وكان الجو قد انقلب من الاعتدال الى برد قارش على اثر هبوب رياح شمالية باردة فاضطررنا إلى ضم ثلاث دئر صوفية فوقنا ونمنا تحتها نوما هنيئا فى راحة ودفء .
ومن الصباح الباكر بعد ان تناولنا شيئا من عصير الفوا كه وقطعا من اللحم المشوى توجهنا نحو ( صنعاء ) وكانت السيارات تعلو وتهبط وتتلوى بين ممرات فى سفرح الجبال المنحدرة انحدارا مخيفا ذات اليمين وذات الشمال - وكانت الممرات تتسع فى بعض الاماكن وفي اخرى تضيق فنضطر الى التسلل
بسياراتنا من بين صخور خضر عالية . ولا تخلو هذه المنحدرات من مزارع الذرة او الدخن واشترينا من احد المزارعين كمية من اكواز الدخن اكلناها بعد تحميصها على النار فى المحطة التى وقفنا فيها قليلا وهي ( الحمام ) او ( ارض الينابيع الحارة ذات الرواسب الكبريتية - وبها بعض حمامات مبنية بالرضم يرتادها كثير من المرضى ومياهها الدافئة معتدلة الحرارة بحيث يتحمل كل انسان حرارتها بيد اننا لم نستحم فيها ..
وبعد استراحة قصيرة قمنا من ( الحمام ) متجهين نحو الشرق واستمر سيرنا أميالا فى واد خصب مخضر باشجار البرتقال والليمون كأننا نخترق غابة خضراء او نقوم بنزهة فى حديقة فيحاء ولم يحرمنا من التمتع بجمال تلك الاراضى إلا حلول الليل البهيم الذي ازداد فحومة بتراكم السحب فى السماء وبعد لحظات ابرقت السماء وارعدت وابتدأ نزول المطر فاضطررنا الى الوقوف لسحب غطاء السيارة القلعي فوقنا - وكان مرافقنا ( عبدو ) يبدو خائفا قلقا من وقفتنا الأضطرارية فى تلك البقعة ثم أوضح عن سبب قلقله فقال : ان فوق محلنا منحدرات جبلية كثيرة وأخشى ان السيل والمطر يدحرج صخرة من صخور المنحدرات وفيها من الخطر على حياتنا مالا يحتاج إلى بيان . وبناء على نصيحته تقدمنا عن تلك النقطة وبالرغم من ان الطريق كان وعرا ومرتفعا بانحدار نحو اليمين وكان الضباب كثيفا لأيترك لضوء السيارات مجالا للسطوع الى مسافة بعيدة مع هذا كله اسرعنا فى السير حتى تخلصنا من العقبة ووصلنا إلى سهل متسع . وقد راينا ونحن نجتاز العقبة - كثيرا من الاصلاحات الفنية التى كانت محل اعجابنا جميعا - كاعمدة قوية أقيمت لتعديل الطريق واقتطاع أجزاء كبيرة من بعض المنحدرات الجبلية لتسوية الارض وتسهيلها . وكانت تلك الاصلاحات - كما علمنا فيما بعد - أجريت حسب التعليمات التى وضعها المهندسون الامريكيون المبعوثون من قبل المستر تشارلس كرائن عام ١٩٢٧ م .
وبعد ان خف المطر وصار رذاذا تحركنا من مواقفنا وبدأنا ثانية فى ارتقاء
مرتفعات وعرة منحدرة صوب الغرب ومنتهية بهوات سحيقة ربما بلغ عمق بعضها الفى قدم وكانت اضواء مصابيح السيارات هى التى تكشف لنا عن تلك الهوات . وعندما بلغنا الذروة الأعلا من الجبل وقفنا لحظة قصيرة لتبريد آلات السيارات التى كادت تنقد من شدة حرارتها وكانت تلك الذروة ترتفع عن سطح البحر ( ١٠٠٠ ) قدم وكنا نشاهد فى ضوء سياراتنا مروجا ممتدة تغطى خضرتها مساحات واسعة من الاراضى المجاورة . . ولما ان بردت آلات السيارات تحركنا نحو الشمال الشرقى وبعد ساعة وصلنا قرية ( المعبر ) حيت استقبلنا عدد كبير من الجنود غير النظاميين وطلبة المدارس مع فرقة موسيقية اشترك معها الطلبة باناشيدهم الحماسية ولم نتمكن من التاكد برؤية شئ غير هؤلاء لأن الوقت كان ليلا ولم يكن هناك عند هؤلاء الجنود غير فانوس ومشعل ثم تقدم الينا عامل القرية محييا ومرحبا وقادنا إلى منزله حيث تناولنا العشاء على مائدته وتسامرنا قليلا معه ثم قمنا إلى غرفة النوم و نمنا مرتاحين .
ومن الصباح الباكر استأنفنا سيرنا الى ) صنعا ( وكنا كثيرا ما نشاهد ونحن نسير قرى جبلية بيوتها مشيدة بالحجارة أو باللبن وكنا نرى على شعاف بعض الجبال قصورا عالية كانها الحصون قيل لنا انها مساكن اغنياء اليمن كانوا يلجئون اليها وقت القلاقل واضطراب الأمن فى العصور الغابرة .
بعد ما انتهت منطقة المرتفعات بدانا في الهبوط والانحدار رويدار رويدا حتى انتهينا الى واد رحب يؤدى الى سهل ( صنعا) وثم لحقتنا سيارات ارسلت الينا من قرية ( المعبر ) لتساعدنا فى اجتياز الوادى وتخفيف الثقل عن سياراتنا . وما هى إلا لحظات عبرنا فيها السهل الذى حول العاصمة فى سرعة زائدة وكنا بعده على أبواب عاصمة اليمن ( صنعا ) ؟
له صلة

