( هذه رحلة ممتعة الى البلاد الشقيقة ( اليمن ) قام بها رحالة امريكي معاصر وقد ترجمها عن المجلة الجغرافية الامريكية صديقنا الاستاذ السيد احمد علي المعروف بحصافته فيما يترجمه ، لنشرها فى المنهل خاصة )
تمهيد
قام المستر هارلان ب . كلارك قنصل الولايات المتحدة الامريكية ) بعدن ( قبل اربع سنوات برحلة الى اليمن ، وقد بدأها من الجنوب الى الشمال الغربى مارا فى طريقه ببلدة ) الراهدة ( و ) تعز ( و ) حيس ( و ) زبيد ( و ) بيت الفقيه ( و ) الحديدة ( . ثم جنح شرقا الى ) باجل ( و ) عبال ( و ) الحمام ( و ) المعبر ( ومن هناك اخذ نحو الشمال فمر : ) ضاف ( ومنها الى ) صنعاء ( .
وفي عودته رجع إلى ) المعبر ( ومن ثم سلك طريقا جبليا نحو الجنوب فمر : ) ذمار ( ثم ) يريم ( و ) المنزل ( و ) المخادر ( و ) إب ( و ) السياني ( ومنها الى ) تعز ( وعاد من تعز الى عدن بالطريق الذي سلكه فى الدخول الى ارض اليمن والرحلة وان لم تشتمل على معلومات جديدة لم تعرف عن اليمن من قبل او على أبحاث تاريخية لم يسبق اليها أحد الا ان قراء المنهل ولا سيما الذين يحبون الاطلاع على ما يكتبه الاجانب عن الجزيرة فى وسعهم ان يقرأوها كقصة واقعية جرت حوادثها فى اليمن او كحديث لرجل امريكي مر بهذه الامكنة مرورا سريعا سحابيا واحب ان يدون مذكرات مقتضبة عن وصف مروره . أو يقرءوها كصفحة مبتورة من صفحات كتاب جغرافي عن اليمن ، أو كما شاءوا . وعلى كل حال فحديث لرحلات وقصص الاسفار ومذكرات السياح مهما كانت تافهة فهى لا تخلو من شىء من الطرافة والفكاهة العلمية .
" ان شاء الله ستفوز برغبتك " هذه هى الجملة التى بدأ بها ) هالان كلارك ( مقاله عن رحلة اليمن وقد قام بها أحد اليمانين المسؤولين لما عرض عليه رغبته فى القيام برحلة الى اليمن .
ثم ذكر نبذة عن اليمن وانه كان له حضارة عظيمة انتعشت فيها التجارة والعمارة والفنون انتعاشا كبيرا لا تزال بعض آثارها باقية في بعض المدن - اليمنية كمدينة ) صنعاء ( و ) مأرب ( التى كانت عاصمة لحكومة سبا وكان نفوذها يمتد الى أطراف الجزيرة والى بعض نواحي شرق افريقيا وكانت لمدن اليمن وطرقها البرية التى كان يجلب منها واليها البن والأفاديه المتنوعة مكانة مرموقة معروفة قبل ان يهتدى العالم الى طريق البحر الاحمر اما بعد ان عرف الناس الطرق البحرية المأمونة لمواصلاتهم فقد أهملت الطرق البرية وفقدت البلدان اليمنية ثروة كبيرة كانت تدرها عليها القوافل التى تسلك الدروب .
وذكر عن سكان اليمن فى الوقت الحاضر أنهم يبلغون أربعة ملايين تقريبا ومساحتها تقدر بخمسة وسبعين الفا من الأميال المربعة على وجه التقريب
ثم أورد أسماء الامريكيين الذين قاموا برحلات إلى اليمن فى اوقات مختلفة وكان
) ١ ( أولهم تشارلس ك . مو قنصل أمريكا فى ) عدن ( الذي زار اليمن عام ١٩١٠ فى الأيام التى كانت اليمن فيها تحت الحكم العثمانى . وقد اصيب تشارلس في اراضى تهامة السفلى بكسر في ساقه ولم يجد احدا يجبر له فاضطر الى تجبير كسره بنفسه والاسراع فى الرجوع الى ) عدن (
) ٢ ( - والامريكي الثاني الذي زارا اليمن - هو تشارلس ر_كراين - وذلك بعد الحرب العالمية الأولى واتفق مع الحكومة اليمنية على ارسال مهندسين لتعبيد بعض الطرق وارسال مطاحن تدار بالهواء .
) ٣ ( - والثالث هو : جمس لود ، بارك - قنصل امريكا ، بعدن وقد زار صنعاء سنة ١٩٢٨ - م
ثم قال : " بعد أن تأكد عزمى للقيام بهذه الرحلة طلبت الأذن من
الحكومة اليمنية بصفتى الشخصية لى ولرفاقى وكان بينهم الطبيب ) الفرد مو بالمر ( استصحبته لأنه سبق أن قام برحلات في محمية ) عدن ( وللاستفادة به وطبه فيما لو وقع أحدنا فريسة لحمي الملاريا أو مرض آخر
وبعد ان تمت الاجراءات كلها أعددنا سيارة من طراز ) الجيب للركوب واخرى كبيرة من سيارات الجيش وحملناهما بكل ما نحتاج اليه فى الرحلة الأطعمة الجافة والمحفوظة في العلب وثيابا صوفية ثقيلة تقينا برد اليمن ، وصبة حديدية ( صاجات ) لاستعمالها فى انتشال السيارات إذا غاصت عجلاتها في الرمال وجهاز راديو وكمية كبيرة من الريالات الفرنسية المتداولة في جميع بلدان الجزر
واستصحبت ضمن رفاقى ترجمانا من عدن كان يدعى ) عبده ( كما رافقنا رجل اخر كمرافق لنا من قبل الحكومة اليمنية اسمة الشيخ على وكان رجلا لطيفا يرتدي جلبابا ابيض فضفاضا وعلى راسه عمامة بيضاء ( مستصحبها . مع كمية كبيرة من أوراق القات .
بدء الرحلة .
" من الصباح الباكر يوم عشرين مارس ١٩٤٥ بدانا برحلتنا من عدن و سيرنا نحو الشمال الغربى مخترقين أراضى المحميات حتى وصلنا مركز ) القرش بالقرب من الحدود اليمنية وأوينا إلى كوخ صغير مسقف بالخوص ومعد لنزول عابرى السبيل وتناولنا الغداء من العلب التى معنا بعد ان سخنا ما يحتاج ! التسخين على نار حارس الكوخ وكان رجلا لطيفا قدم لنا مشروبا من قشر البن كما قدم لنا رفيقنا ) عبده ( كعكا كان يحمله معه وهو مثل كثير من العرب الذين لا يستسيغون أكل اللحم المحفوظ في العلب .
ثم تحركنا وأخذت السيارات تسابق الرياح فى قطع ؟؟ والبرور ، حتى وصلنا أول الحدود اليمنية وعندها استقبلنا حراس يمنيون مدججون ملثمون ، استقبالا حسنا وابلغنا كبيرهم ان من مندوبا من قبل الحكومة مكث طويلا فى انتظارنا ثم عاد إلى ( الراهدة ) محطتنا الثانية
وبالرغم من ان النهار كان مشمسا حارا استأنفنا السير فى طريق تتخللها وديان ضيقة وسهول واسعة وتلال مرتفعة ولم تصل المحطة الثانية : ( الراهدة ) إلا بعد الزوال .
و ( الراهدة ) قرية صغيرة تقع على تل وسط سهل منخفض بها بيوت ارضية وبعض بيوتها مرتفعة واكثرها بني باللبن ، والاراضى المنخفضة التى حولها تشبه الدرج الواسعة بعضها اعلى من بعض وكان الفلاحون يعملون فيها بمحاريثهم الخشبية التى يجرها الثيران استعدادا لبذر الذرة ، وذلك لاقتراب موسم الامطار الذي لم يكن بقى عليه غير اسابيع .
كانت الدار التى أعدت لاستراحتنا تشبه حصنا عالي الاطراف له باب كبير استقبلنا عنده عامل البلدة ( اميرها ) مع نفر من حرس الحضن شاكى السلاح ، وبعد ان اخذنا قسطا من الراحة في احدى ردهات ذلك القصر قدم الينا شراب لذيذ من عصير الفواكه ثم اديرت علينا اكواب القهوة العربية . . وفي هذه الاثناء عرض علينا العامل أن نطيل مدة الاستراحة فى بلدته أو نبيت تلك الليلة - على أقل تقدير - عنده إلا اننى ورقيقى الدكتور كنا قد قررنا ان نواصل السير الى ) تعز ( لكى نقطع جزءا من المسافة الطويلة - التى تقدر من مقرنا الذي قمنا منه الى تعز ب ١٣٥ ميلا - فى برد الليل ، لاسيما وقد قاسينا الامرين من حرارة الشمس والأرض بالسير نهارا . . وبناء عليه غادرنا ( الراهدة ) شاكرين عاملها ومتأسفين على عدم اجابتنا طلبه .
وبعد ان غربت الشمس واظلمت الدنيا وقر الجو بدأنا نشعر ببرد كان يعترينا فيه احيانا نوع عن القشعريرة ولا سيما فى المناطق المرتفعة الجبلية
كان الطريق وعرا لكثر فيه الأجراف والمنعطفات ، والمنحدرات المدرجة التى ترج السيارة رجا عنيفا مؤلما مستمرا أدى إلى تعطل السيارة الكبيرة ووقوفها على شفا الاجراف . ولما فحصها السائق وجدها فى حاجة إلى تنظيف المبخر : ( الكربريتر ) فانتهزنا نحن فرصة اشتغال السواق فى عملية التنظيف لارتداء
لملابس الصوفية الثقيلة تهيؤا لمواجهة برد الليل القارس . وبعد ان انتهى السائق من عمله عدن الى السرى وقطع تلك المسافات الطويلة بين الوديان والجبال في برد الليل الشديد وظلامه الحالك ، وكان بعض المناطق يبدو كغابة سوداء من كثرة اشجارها العالية التى تشبه اشجار الصفصاف . .
هجوم القردة
وبينا نحن نسير فى منطقة جبلية لم نشعر إلا واسراب كبيرة من القردة خرجت علينا من أحد الجبال ولها اصوات مزعجة وكانت صيحاتها وهيعاتها فى ذلك الليل البهيم وبين سلسلة من الجبال ، مفزعة جدا ، فاشار علينا ) عبده ( بالاسراع في السير قبل ان تبدأ تلك الأسراب في هجومها الجدي وتمطر علينا حجارة من كل صوب . وما كان من السائق إلا ان اطاع نصيحته وأسرع فى السير الى مسافة طويلة رغما من وعورة الطريق . وبعد ان اجتزنا منطقة الخطر عدنا إلى سيرنا الهادئ حتى وصلنا ) تعز ( وكشفت أنوار سياراتنا عن قصر منيف أمامنا ومئات من العرب في ثيابهم الواسعة البهيجة قد اجتمعوا لمشاهدة سياراتنا ولرؤيتنا ، لان خير رحلتنا كان قد انتشر فى طول البلاد وعرضها وعندما اقتربنا من القصر استقبلنا ضابط يرتدى بذلة عسكرية كاملة ، وادخلنا القصر حيث صعدنا الى الطابق الثاني بواسطة الدرج .
وكانت الغرفة التى خصصت لى واسعة ، نوافذها نحو الشرق ومجهزة بسرير حديدى ظريف وفراش وثير وبجانبه منضدة صغيرة ومرآة ومغسلة صغيرة لغسل الوجه وكرسيين . وأرض الغرفة مفروشة بالسجاد الايرانى النفيس وفي وسط السقف كان مصباح غازى ( اتريك ) معلقا فى سلك طويل
والنوافذ كان الجزء التحتاني منها مغطى بقطعة من قماش عادى ، واما الجزء الأعلى فكان على شكل عقد مزين بقطع من الزجاج الملون .
وخصص لنا عدد من الخدم كان رئيسهم يرتدي ثيابا بيضا على رأسه عمامة متمنطقا بحزام فيه شعار الحكومة وهو سيف فوقه ثلاثة نجوم بيض وتحته نجمتان
