مرت سبعة عشر عاما فى رفقة الكتب وقرائها .. ومكننى هذا الردح من الزمن من استخلاص معنى وغاية هذه الكتب وهؤلاء القراء .. وقد استرعى احدهم بشكل خاص اهتمامى بما فى تعابير وجهه من جدية وشغف وملامح ارهاصات روحانية لقد كنت أرى محمد مزالى يعتنق بحزم ولهفه باقات وطاقات من الافلاك والكواكب فى سماء الفعل تلك ..
ومنذ ذلك الوقت البعيد رأيت فيه عظيما بين العظماء ..
ولفتت نظري كذلك .. وقتها .. ضمن كوكبات من الاوانس التونسيات القلائل .. اللائى كن يأتين للانضمام لموكب بناة الافكار فى تلك الدار .. الآنسة فتحية المختار التى كانت ترافقها شقيقتها باستمرار .. وكان والدهما احيانا برفقتهما .. وشاءت المقادير ان ترتبط الآنسة فيما بعد .. بمؤلف ((حديث الفعل)) ويتحد مصيرهما .. ليصبح مصيرا واحدا ..
خلال كامل صفحات التأليف نحس ارادة الرجل وهى تعمل من اجل مجد وطنه .. ونلمس صدقا مطلقا مع التزام فكرى مخلص وعميق لهذا الوطن ..
... وعبر فقرات الكتاب .. اخذنا المؤلف معه فى جولة باهرة خلال حياة كاملة من النضال عند محطات وأوقات تميزت بكثافة احداثها وشؤونها وشجونها .. فنلمس دفقا من المشاعر .. تمر كالاعصار .. مصورة خلجات ونبضات قلب لا يخفق الا بحب الوطن .. ولكن احساسنا وكاننا نلمس وجيب ذلك القلب .. فى تلك المراحل والمواقف الفاصلة .. والملبيئة بالاصرار والنضال والطموح .. باختصار كانت مراحل .. صورتها فقرات .. بشكل عارم كثيف آسر .. أخاذ بالاحاسيس والالباب .. وكنا نراها منطلقة من القلب للشفاه .. ومن القلب للقلم .. وبدون تمويه ولا تطرية .. وبفن نادر المثال .
يستطرد الاستاذ عبد المجيد التلاتلى الناقد والادب والشاعر المعروف عرضه وتحليله لكتاب (( حديث الفعل )) للوزير الاول السيد محمد مزالى .. وهذا أهم ما جاء فى الحلقة الثانية والاخيرة لعرضه لهذا الكتاب القيم :
المنستير لؤلؤة البحر الابيض المتوسط وأرض التاريخ .. شهدت مولد عبقريتين سياسيتين : المجاهد الاكبر والرجل ذو النشاطات النبيلة المتعددة محمد مزالى .
فى ((حديث الفعل)) درس الكاتب بلمسات فنية رقيقة مختلف مظاهر ومراحل وجوده الثرى بالاحداث والتجارب .. وسلط الاضواء على سلوكه المثير للاعجاب والتقدير عند المجابهة مع السلطة والسياسة والزمن والعمل والحرية والكرامة والرياضة والشباب واللغة الأم والمرأة والزواج ..
انه يجيل النظر فى افق مصير الرجال بشمول وعمق .. فاذا به ملاحظ حاد النظرات وسابر للاغوار .. لا يكل .. ونجده دارسا للعلاقات بين الاجيال .. فاذا بنفس شغفه بكل المظاهر والظواهر والأشياء يغمره ويجرفه خصوصا اذا تعلق الشأن باعز المواضيع لديه : الوطن والحرية ..
ثم يتناول بالدرس والتحليل كامل آليات السياسة وكامل مظاهر الادب والفلسفة وكل خصال الرياضة والحياة .. خلال كل ذلك نبهر ايما انبهار عندما نرى انه استخلص مبكرا ضرورة خص الاقتصاد بالاهتمام الاول ومعه وعلى نفس القدم والاهتمام المساواة الاخلاقية والحس الثقافى .. فى عالم 860 124
ساده العنف وسيطرت عليه الحماقات .. حتى تعرض تناسقه وتوازنه لأكبر المخاطر ..
هذه الخصال الجمة التى اكتشفتها فى الرجل من خلال مطالعة عمله الباهر ((حديث الفعل)) هى ذاتها الخصال التى املت على - كسافيى اوليس - هذه الجملة الواردة فى تقديمى لهذا الكتاب : ((لقد كان الهدف هو الوصول الى تقديم صورة صادقة عن رجل يمارس وظائف تتعلق بمجموعة بشرية فى خصوصيتها التى لا تقهر ولا تغلب))

