بعد قراءة العدد الاخير ( من مجلة الفكر ) وتتبع رد الاخ لندة اريد ان اشكر للاخ لندة تفضله بتقديم تشكراته لى ، والاعلان عن اعترافه بجميل نحوه واقول له ، ان هذا لا صلة له برده على نقدى لسوء تصرفه ، وكان عليه ان يعتصم بالصمت بدل ان يبرر سلوكه بمغالطته للقراء ، الامر الذى دفعني - وانا مكره - للحديث مرة اخرى عن ( حريته ) او للرد على ( رده ) حيث انى لم ار فى رده مقنعا بل لم يزدنى الا ايمانا بعد ايمان بانه تورط فى صنيعه ، ولم يجد مبررا يقدمه بين يدى نجواه الا ان يقول ( ان الخواطر قد تتوارد) وان ما يحس به شاعر يمكن ان يحس به الآخر ، وان القوافي ليست وقفا لاحد من الشعراء ، وهذا امر يعرفه كل انسان ، ولا يحتاج الى بيان ، غير ان م ارتكبه الاخ لندة ليس من باب توارد الخواطر ، ووقع الحافر على الحافر كما يقولون ، ولا من باب اتفاق الشعراء فى القوافى ، وانما هو من باب آخر ، كان على الاخ لندة ان يذكره لنا حينما ذكر باب ( الاقتباس ) وباب( المعارضة ) . . .
وهل يظن الاخ لندة انه بنواضعه الجم ، واعترافه بجميلى نحوه سيحملنى على الصمت عن الرد على رده ؟ خصوصا وهو يدعى ان ( حريته ) نظمها منذ امد بعيد وكانه يريد بذلك ان قصيدى ( انه حى ) مسلوخ - واشوهتاه - من قطعته ( الحرية ) ؟ لان الامر لا يخرج عن اعتبارين : اما ان يكون الاخ لندة قد سلخ قصيدتى وصبها فى ( حريته ) صبا بمعناها والفاظها ، واما ان اكون انا الذي قد اعتديت على ( حريته ) واخذت معانيها والفاظها ونشرتها باسمى ؟
وهنا يمكن بدورى ان ادفع هذا الاتهام : 1) بان قصيدى القى قبل نشره بمدة بنادى شعبة المدينة بصفاقس ثم ادرجته مجلة الفكر بعددها 9 الصادر فى جوان 1959 من سنتها الرابعة واطلع عليه جميع القراء ، بينما ( حرية ) الاخ لندة لم تظهر للنشر الا فى عدد 3 - السنة السادسة من مجلة الفكر الصادر فى شهر ديسمبر 1960 اى بعد عامين من نشرى لقصيدتى ؟ ولو كنت سلخت قصيدى من (حرية الزميل) التى ولدت بعد قصيدى بعامين لا نقلب وضع التاريخ ، ولاقام الزميل الدنيا واقعدها ؟ ولقننا درسا في البلاغة والادب والنقد ؟
2 ) ان الزميل لم يوضح لنا تاريخ الشروع فى نظم قصيدته . . لكنه قد
اثبت انه نقحها . . . وبحكم وجود ابياتى فى قصيدته وتكاد تكون بفصها ونصها - يمكن ان نقول انه نقح قصيدته بابياتى بعد ما فاته ذلك عند ( وضعها )
وهنا تبدو المغالطة واضحة لان الزميل لما تفطن لقوله انه نظم ( حريته ) قبل اطلاعه على قصيدى ، خشى ان يحاجه محاج بوجود ابياتى فى قصيدته فعمد الى القول بانه حين اراد نشرها حورها ونقحها ، ولم يتشجع ان يقول انه اخذ من قصيدى ما سمحت له به نفسه الكريمة ؟
فاعتراف الزميل بتنقيحه ( لحريته ) يجعله مدانا لان هذا التخلص فى زعمه اعتراف صريح منه بسطوه عند تشذيبه على غالب ابيات قصيدى ومسخها مسخاغير مشرف كما لاحظ ذلك القارىء ؟ والتنقيح ليس معناه الا تهذيب بعض ابيات وحذف البعض الآخر وزيادة ما يكتمل به النقص ، ويتقوى به المعنى ، لا يجعل من القصيدة المنقحة ( قطعة ) من قصيد جديد تستمد معانيه بالفاظها من انتاج الغير ؟
واقول للاخ لندة انه اذا حاول بمقاله ان يعتذر او يبرر سوء صنعه بكونه فى طور البداية ، وفي حاجة لتنمية رصيده الفكرى ، فليس من اللياقة ان يخلط ، ويوهم القراء بان وليدته المباركة من باب توارد الخواطر ( المنقح بعضها) او من باب الاقتباس المحمود او بان قصيدته (وهذه منه مغالطة) نظمت منذ زمان ، ونقحها عند ارادة نشرها ، قلت ان حاول الاخ لندة ان يدافع عن نفسه بهذه الطريقة فانا اقول له : 1) لست انكر على الناشىء ان يبتدئ حياته الادبية بهضم انتاج الغير واجتراره ، ثم اخراجه مطبوعا بطابعه ، مضفيا عليه شيئا من روحه واسلوبه ، لكنى اقول واكرر بان صنيع لندة ليس من هذا الباب اذ هناك فرق كبير بين ان يكون الشخص نفسه بمطالعاته ، وبين سطوه على انتاج غيره مع مسحه بطلاء شفاف لا يلبث ان يزول ؟
وما قول الاخ لندة فى قصيده الذى نظمه فى ذكرى الشهيد حشاد ؟ ما قوله فى تلك القصيدة التى انتزع بعض صورها والفاظها وقوافيها من قصيد استاذنا الحليوى الذى القاه بمدينة القيروان فى استقبال شيخ الجامع ونشرته مجلة الزيتونة فى عدد خاص لهذه الزيارة ؟
وطالع هذا القصيد :
شعرى دعوتك دعوة الالحاح
فهنا مجال القول والافصاح
فهل سيدعى الاخ لندة بانه وضع مرثيته قبل قصيد الاستاذ الحليوى ؟ وهنا يظهر الارهاص ؟ لان عمر الاخ لندة وقتئذ لا يفوت الخمس سنوات ؟ وفى امكان مجلة ( الفكر ) ان تراجع القصيد الذي وجهه لها الاخ لندة
على طريقى - وتراجع قصيد الاستاذ الحليوى لترى كيف ان هذا السطو الذى خشينا ان يستمر عليه شاعرنا - ربما سيصبح عادة عنده ؟
فليعفنى الاخ لندة من التمادى فى القول ، وليات البيوت من ابوابها وليعمل - ان كان يريد حقا ان ينتج - بما تقتضيه قواعد التكوين الصحيح ، اما ان يظهر نفسه بمظهر المتفهم لقواعد الادب ، والنقد واسرار البلاغة فهذا ما لا يقره عليه احد خصوصا وهو يعمل ضد ما يقول وبقيت كلمة اخيرة حول رده هو انه كان من حقه ان لا يقحم فيه الرد على اشخاص آخرين تناولوه فى صفحات ادبية اخرى ، مما ليست له علاقة بموضوعي انا - حتى لا يفهم قارىء رده بانى انا المعنى بالفقرات الاخيرة من كتابته ؟
واخيرا اقول للأخ لندة ان فى وسعك ان تسمو ولانتاجك ان ينمو ، ولكن لا على حساب غيرك ، وان علاقاتنا التى تحدثت عنها ستبقى بعد هذا كما كانت من قبله او اقوى ، والسلام على الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه

