الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

رد على كلمة ( أينا المتهجم على القرآن ), وضح الحق يا لبيب

Share

قرأت فى العدد الصادر فى ٢٤-٤ ١٣٧٤ من جريدة " البلاد السعودية " كلمة " أينا المتهجم على القرآن " بقلم الأستاذ أحمد محمد جمال ، شن فيها الغارة ما بين لطف وعنف وتصريح وتلميح على مجلة " المنهل " أن أفسحت لى من صدرها لنشر مقالاتى " التعقيية "

وقد رماها الأستاذ أحمد بل رمى رئس تحريرها باغرائه لى على نقده وما كان من الأستاذ رئيس التحرير أي إغراء ولا تحريض لى على ذلك مطلقا بل أنا الذى طلبت إليه نشر ما كتبت وأرسلت إليه من " الرياض " أخيرا ينشر المقال الدفين في إدارته فاجاب باالإيجاب . . وأغرب من هذا كله إيهام الأستاذ أحمد محمد جمال القراء بان بيني وبينه جفاءا دفينا ، وليس بيننا أى جفاء دفين لا قديما ولا حديثا وإن أعجب فالعجب من أن يسمى ما جرى بيننا من بحوث العلم على صفحات مجلة العلم جفاءا وأن يتطرق من ذلك إلى الزعم بان الجفاء انقلب صفاءا بزيارتي له . . وزيارتى له كانت بناء على طلبه وهى زيارة بريئة براءة ما اكتبه فى التعقيب عليه فى مسائل الدين والقرآن التى لا يصح القول فيها بالرأى المجرد مطلقا . .

وكنت صارحته القول يوم زرته بأنه ليس لى غرض مقصود فيما يجرى بيننا إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل

وهذه سنة قديمة بين أهل العلم ، ولا تستحق وصفها بالجفاء ولا تستحق الملاقاة بعدها بأن توصف بالصفاء

وعلى كل فإن الأستاذ أحمد محمد جمال مشكور تلقاء اعترافه وتسليمه لما حشدناه من الأحاديث والآثار ولما نقلناه من المعاجم اللغوية ، وكتب غريب القرآن والحديث فى الموضوع ومشكور أيضا لإقراره آخر الأمر بأنه طالب علم وطالب حق . . والعلم والحق لا ينتهى إليهما إلا بالبحث والتناقد والتحاور . . وندور بهذا القول حول إقراره بالانتهاء إلى الحق بما ذكرناه فى الموضوع ، ولكنه حينما ناقض كلامه ، وخالف ما جاهر به ، وتعرض للنقاش حتى وصل به الأمر إلى دعوى الانتصار على بكلامى فها أنا أجرد له سيف المناقشة حيال دعواه أمورا استند عليها فى غير مستند

أولا : دعواه الانتصار على بما رويناه عن ابن عباس : " من سره أن يحرم ما حرم الله ورسوله فليحرم  النبيذ " فأينا أحق بالاحتجاج بهذا النص " هل الأستاذ الذى يزعم أنه لا مصدر لتحريم النبيذ المسكر إلا

السنة أو من لا يظهر له منه إلا ما يراه من أن مصدر التحريم كتاب الله وسنة رسوله معا ؛ وهل هناك دليل أصرح من هذا . . وإلى هذا النوع من السنة أشار الإمام الشافعي في رسالته وذكر أنه لا يعلم مخالفا فى قبوله فذكر أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجوه اتفق على وجهين منهما واختلف فى الثالث وذكر من جملة المتفق عليهما هذا النوع فقال " أحدهما ما أنزل الله فيه نص كتاب فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نص عليه الكتاب "

ثانيا : دعوى الأستاذ دلالة حديث أم سلمة أنها كانت تداوى ابنتها بنبيذ فقال لها النبي عليه السلام " إن الله لم يجعل شفاء أتى فيما حرم عليها " على أن النبيذ كدعوى الأستاذ ليس خمرا وعلى أن الخلاف فيه موجود فى عهد النبوة استدلالا بهذا الحديث فياليت شعري هل رضي الأستاذ لأمنا أم سلمة التى تدعو على من أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثبت الخلاف بينها وبينه صلى الله عليه وسلم لا وضعا ولا شرعا ؟ وهل أن ثبت الخلاف - وحاشا أمنا من ذلك -

أيهما أولى بالقبول ؟ وهل فى الوجود خلاف لا يقطعه ويستأصل شأفته النص النبوى من أى أحد كان ؟ وهل هذا الحديث أن دل على شىء يدل إلا على أنها تعلم أن النبيذ حرام وأنه خمر وإنما ظننت أن ضرورة المرض تبيح الدواء بالمحرم فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريم ؛ فهذا أقرب إلى لفظ الحديث من الجرأة عليه وعلى أم سلمة رضى الله عنها ورميها بما ليست منه فى شىء . .

ثالثا: دعواه أن دلالة القرآن على تحريم النبيذ لا تستحق التسمية بالنص ولم يؤت الأستاذ فى هذا الباب إلا من عدم مراجعة مدلولات الألفاظ وهو باب شريف جعله أبن القيم فى الرسالة التبوكية من معرفة حدود ما أنزل الله فقال : " قد ذم الله فى كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزل الله على رسوله فإن عدم العلم بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين ،

أحداهما : أن يدخل فى مسمى اللفظ ما ليس منه فيساوى بين ما فرق الله بينه وثانيتهما أن يخرج من مسماه بعض اأفراده الداخلة تحته فيفرق بين ما جمع الله بينه والذكى الفطن يتفطن لأفراد هذه القاعدة وأمثالها فيرى أن كثيرا من الاختلاف أو أكثره إنما ينشأ من هذا الموضل وتفصيل هذا لا يفى به كتاب ضخم ومن هذا لفظ الخمر فإنه اسم شامل لكل مسكر فلا يجوز إخراج بعض المسكرات منه وينفي عنه حكمه وكذلك لفظ الميسر وإخراج بعض أنواع القمار . وكذلك لفظ النكاح وإدخال ما ليس بنكاح فى مسماه وكذلك الربا وخاراج بعض أنواعه منه وإدخال ما ليس ربا فيه ، وكذلك لفظ الظلم والعدل والمعروف والمنكر ونظائره اكثر من أن تحصى " انتهى كلام شيخ الإسلام ابن القيم

رابعا : فيما ذكره الأستاذ عن الأصوليين من أن النص هو مالا يحتمل التأويل وذكر أنه لا يعرف خلافا أو تشكيكا ) بعبارة الأستاذ ( في ذلك وهذا القول الذى مشى عليه قول المتأخرة الاصوليين والمحاكمة فى ذلك إلى واضع الفن الإمام الشافعي فهاهو ذا يقول فى رسالته فى باب الاختلاف

" قال : فمثل لى بعض ما افترق عليه من روى قوله من السلف مما لله فيه نص حكم يحتمل التأويل فهم يوجد على الصواب فيه دلالة . . الى آخر عبارة الإمام - وهنا نقف مع الأستاذ موقف التحقيق فى عبارة أمام الفن . هل هى مصرحة بأن النص لا يسيلبه النصية احتمال التأويل : د الص

إذا قالت حذام فصدقوها - سببا

                       فان القول ما قالت حذام

وقد تلقى هذا القول بالقبول المحققون من أئمة الشافعية منهم إمام الحرمين ونقله عنه الشوكانى فى أرشياد الفحول " قال : ونقل إمام الحرمين عن الشافعي أنه كن يسمى الظاهرى نصا " ولينتقل معنا الأستاذ من المتقدمين إلى المتأخرين وليقرأ معنا ما قال الشوكاني : في الكتاب المذكور :

( واعلم أن الظاهر دليل شرعى يجب اتباعه والعمل به بدليل إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ فإذا عرفت معنى الظاهر فاعلم أن النص ينقسم الى قسمين أحدهما يقبله التأويل وهو قسم من النص مرادف للظاهر والقسم الثاني لا يقبله وهو النص الصريح ) وليلفت نظره الى ما ذكر ابن بدران في " المدخل الى مذهب الإمام أحمد بن حنبل "  قال الأصوليون هو ما دل على معنى كيفما كان وهذا هو الغالب في كلام الفقهاء فى الاستدلال حيث يقولون : لنا النص والمعنى ، ودل النص على هذا الحكم وقضاء الشرع فى النص هو ألا يترك إلا بنسخ وقد يطلق على ما تطرق اليه احتمال بعضده دليل لأنه بذلك الاحتمال يصير كالظاهر والظاهر عليه لفظ النص ومثاله قوله تعالى :

" وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم " بكسر اللام وهو ظاهر فى أن فرض الرجلين المسح  مع احتمال الغسل  فاحتمال الغسل مع الدليل الدال عليه يسمي نصا لأنه صار مساويا للظاهر . فى المسح ، وراجحا عليه حتى أنه يجوز لنا أن نقول ثبت غسل الرجلين بالنص ويطلق النص على الظاهر أيضا لتلاقيهما فى الاشتقاق إذا النص والظاهر

مأخذهما من الارتفاع والظهور ). وليقرأ  معنا  الأستاذ فى أصول  الظاهرية ما قاله الحافظ أبو محمد على بن جزم الأندلسي ) فى الأحكام فى أصول . الاحكام ) قال ( والنص هو اللفظ الوارد في القرآن أو السنة المستدل به على حكم الاشياء وهو الظاهر نفسه وقد يسمى كل كلام يورد كما قاله المتكلم به تصا ) ذكر بن حزم هذا بعد أن بين أن الألفاظ الدائرة بين أهل النظر كهذه اللفظة وغيرها خلط فيها كثير ممن تكلم فى معانية وشبك بين المعانى وأوقع الأسماء على غير مسمياتها . .

ومزج بين الحق والباطل فكثر لذلك الشغب والالتباس وعضمت المضرة وعميت الحقائق وهذا الذى أفاده ابن حزم هو غاية ما وقع فيه الأستاذ ولو نظر (موافقات الشاطبي ) لعلم علم يقين بأن النص بالمعنى الذي ذكره إمانادر أو معدوم ولسان العرب أوسع من هذه الدعوى الباردة وفيها من الأمور ما نفيده للاستاذ من ( موافقات الشاطبي ) :

أ - أنه لو سلبنا كل محتمل للتأويل لفظ النص لما كان للشريعة نصوص ولابديل يعتمد لورود الاجتماعات عليها وإن ضعفت وهذا

يؤدى تسليمه إلى القول بضعف جميع أدلة الشرع .

ب - أنه لو اعتبر مجرد الاحتمال مؤثرا فى النص لم يكن لانزال الكتب ولا لأرسال الرسل فائدة إذ لا تقوم الحجة على الخلق بأوامرهم ونواهيهم إذ ليست فى الأكثر نصوصا لاتحمل غير ما قصد بها وهذا قول باطل اجماعا ونقلا وعقلا

ج - أنه على هذا القول يعتبر أصحاب البقرة المشددين في السؤال عنها معذورين عند الاستاذ لاحتمال قوله تعالى : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) عندهم ما ألحوا في بيانه ومن المعلوم ما في هذا من الخطر

د - أن القرآن قد احتج على الكفار بالعمومات العقلية والعموميات المتفق عليها كقولة تعالى " كل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فانى تسحرون " فاحتج عليهم بأن ذلك لله على العموم وجعلهم اذ أقروا بالربوبية لله فى الكل ثم ادعوا هم الخصوص مسحورين لاعقلاء إلى غير هذا مما بسطه الإمام  الشاطبى فى الموافقات .

على أن هذا البحث كله ليس له نعلق بهذا الموضوع وما أجريت فيه قلمي إلا لتعرض الاستاذ له وتخيله أن كون النبيذ خمرا فيه نوع من التأويل وليس كذلك بل إنما النبيذ فرد من أفراد الخمر ونوع من أنواعه إن لم يكن إطلاقه عليه صحيحا فلا يصح دعوى الاستاذ أنه من نوع الإنسان

خامسا - مما أناقشه فيه استدلاله بما رواه من طريقنا فى هذا المقال عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن نبيذ

ينبذ بالغداة ويشرب بالعشى- على أن ابن عمر ممن خالف فى إطلاق الخمر على النبيذ . . وليت الاستاذ ستر نفسه فما بلغت به الحمية إلى حيث تقطع الحديث هكذا يستدل بأوله . .

ويترك آخره ، ولفظ الحديث فى ( كتاب الناسخ المنسوخ ) لابى جعفر النحاس عن ابن عمر : " أنه سئل عن نبيذ ينبذ بالغداة ويشرب بالعشى قال للسائل إنى أنهاك عن قليل ما أسكر كثيره واني أشهد الله عليك فإن أهل خيبر يشربون شرابا يسمونه كذا وهي الخمر وإن أهل مصر يشربون شرابا من العسل يسمونه البتع وهي الخمر " فبالله أيها الاستاذ هل هذه هى أمانة الدين والعلم عندك ؛ ويأبى الله الا إتمام نوره . .

سادسا - ومما أناقشه فيه أيضا قوله : ( إذا كان النبيذ قد اختلف فى تحريمه منذ العهود الأولى للتشريع الإسلامي حتى رأينا وسمعنا اختلافات تجرى وأسئلة وأجوبة تقال فى موضوعه فأى عقل أو أى منطق يحتمل قول قائل بان النبيذ محرم بنص القرآن أن هذا القول يعنى أحد أمرين : إما أن يكون الذين اختلفوا فى مسألة تحريم النبيذ منذ عهد النبوة إالى عهد الأئمة الأربعة قد جهلوا أو تجاهلوا نصا قرآنيا فى هذا الموضوع وأما أن يكون الذين يزعمون وجود النصية القرآنية على تحريم النبيذ قد افتروا كذبا واخترعوا باطلا بافتراض أن القرآن مشتمل على جميع القواعد والأصول وكافة المناهج والمبادىء للتشريع الاسلام وكلا الأمرين إحلاهما مر فليختر الشيخ إسماعيل ايهماش وليحكم القراء ) فهنا اقف مع الاستاذ

موقفا دقيقا لأقول له هل يمكنك أن تقول أى عقل وأى منطق يحتمل قولا قال رسول الله عليه السلام ؟ نعم يسع عقلنا ما وسع عقل عمر بن الخطاب رضى الله عنه حيث قال على المنبر بمحضر الصحابة جميعا : ( الخمر ما خامر العقل ) وما وسع عقل انس بن مالك رضي الله عنه حيث قال ( حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلى قليل ) ونتلقى ما رويناه عن ابن عمر (أنه سئل عن نبيذ ينبذ بالغداة ويشرب بالعشى ) الحديث المتقدم بالقبول وكذلك ما روى عن عائشة أنها لما سئلت عن عصير العنب قالت ( صدق الله ورسوله سمعت رسول الله ( ص ) يقول يشرب قوم الخمر يسمونها بغير اسمها ( ونقدم على كل قول نبينا ( ص) ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) فهذا حديث إسناده صحيح رواه ابو جعفر النحاس فى الناسخ والمنسوخ من غير ما طريقة أضحها رواية الامام احمد بن حنبل عن يونس بن محمد عن حماد ابن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله ( ص ) وساق الحديث المذكور ، فهذه أقوى حجة يختارها إسماعيل الانصارى يرضى لنفسه بما رضيه رسول الله ( ص ) ويرى رد الخلاف إليه كما أمر الله به حيث قال ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر )

وقد حكمنا نص الرسول ( ص ) على أن كل مسكر خمر وتلقينا إجماع الصحابة على مقتضاه بالقبول فليكن الاستاذ مع من أراد فانا مع الرسول ( ص ) بعقلي وعقيدتي وبقلمي كما كان

معه الأسلاف البررة بسيوفهم . .

ثم ليعلم الاستاذ أن الاعتماد على الخلاف لا لدليل يدل على صحة الجانب المعتمد عليه هو كما قال الشاطبي في الموافقات ( عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدا ، وما ليس بحجة حجة ) وقال : ( حكى الخطابى فى مسألة البنع المذكور فى الحديث عن بعض الناس أنه قال : (أن الناس لما اختلفوا فى الاشربة واجمعوا على تحريم خمر العنب . .

واختلفوا فيما سواه حرمنا ما اجتمعوا على تحريمه وابحنا ما سواه ) قال : ( وهذا خطأ فاحش وقد أمر الله المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ) فلذلك رددت الأمر إلى الرسول (ص ) وقبلت بيانه للكتاب ومن لم يقبله فعلى نفسها جنت براقش والأولى  بالاستاذ بدل الاشتغال بالتفسير إصلاح أساليبه وأن تكون طبق الشريعة والا فالعنان غير مرخي يتكلم كل من شاء بما شاء حتى يسمى خلاف العلماء باسم التشكيك وفى هذا من الطعن عليهم مالا يرضاه العلم والدين وكذلك قوله : " ذهب يحشد أقوالا كثيرة من الأحاديث " فهذا كلام صدر من غير روية فان كثرة الأقوال تستلزم تناقضها ولا يمكن التناقض فى أحاديث الرسول (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )

وليشهد القراء جميعا أن كاتب هذه السطور ما صالح صلحا أحل حراما ولا حرم حلالا وأن ما ذكره الاستاذ أحمد محمد جمال من أننا اصطلحنا على هذا باطل أبرأ إلى الله منه وأبرئ منه نفسى والله على ما نقول وكيل الرياض .

اشترك في نشرتنا البريدية