الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

رد على مقال عنوانه :, بين الحصرى وابن حزم

Share

قرأنا (*) بمزيد العجب فى مجلة " الفيصل " (1) مقالا بعنوان " بين الحصرى وابن حزم " حرره محمد بن سعد الرويشد (2) يدعى فيه " الابانة عن وجهة نظر جديدة فى الادب العربى".

ووجهة النظر الجديدة هذه التى يقصد الابانة عنها فى هذا المقال هي تأثر ابن حزم الاندلسي في كتابه " طوق الحمامة " بكتاب ابراهيم الحصري القيروانى " المصون فى سر الهوى المكنون " اذ يقول : " ولكن الذي لم يلتفت اليه أولئك (الباحثون) أن ابن حزم لم يكن هو المبتكر لموضوعه أو المتخصص بهذا الفن فقد سبقه غيره فى هذا المجال وبرزوا فيه . . . " الى أن يقول: " . . . ولكن الذى نحب إثارته فى موضوعنا هذا . . . هو الابانة عن وجهة

نظر جديدة في الأدب العربي ترتبط بتأثير ( كذا ) ابن حزم بأبى اسحاق الحصرى فى كتابه المصون فى سر الهوى المكنون "(3)

غير أن محمد بن سعد يعرف أننا سبقناه الى " الابانة . . . عن وجهة النظر " هذه منذ سنة 1964 م . فلم ير بدا من زيادة قوله : " ذلك أن أول من لفت النظر إلى المقارنة بين المصون وطوق الحمامة هو الشاذلى بويحيى عندما اشار الى أن في المصون مشابهة لطوق الحمامة " (4).

فاقتصر على الاشارة إلى اكتشافنا بهذه الجملة دون بيان ما يعنيه فيها بعبارة " لفت النظر " و" المقارنة " والمشابهة " ودون ذكر ما وصلنا اليه ببحثنا ولو ملخصا حتى يستطيع قارىء مقاله معرفة ما جاء به هو من جديد مبتكر يمكن أن يطلق عليه عبارة "وجهة نظر جديدة فى الأدب العربى".

ثم هو لم يقتصر على هذه الاشارة الناقصة التى لا تفي بحق باحث سبقه الى اكتشاف استغله واستفاد منه بل عمد صراحة فى ثبات وجرأة الى طمس ذلك الحق وحود فضل السبق والاكتشاف عند صاحب السبق والاكتشاف فقال : " ولكنني عندما قرأت الكتابين (يعنى "المصون" للحصرى و"طوق الحمامة " لابن حزم) ترددت في كتابة مقارنة بينهما لانه ثمة فروقا (كذا فى نصه) كثيرة تبعد رائحة الشبهة (كذا) التى أشار اليها الشاذلى بويحي ".(5) فهذه عبارة تعنى بوضوح انه لا طائل من وراء المقارنة التى يقول اننا دعونا اليها بين الكتابين كما تعنى أن الفروق الكثيرة بين الكتابين تبعد رائحة الشبه الذى أشرنا اليه(6)

غير أن محمد بن سعد لا يلبث أن يتناقض تناقضا غريبا عندما يشرع اثر هذه العبارة فى ما يحسبه حجته وذلك انه يبنى هذه الحجة على مقارنة متواصلة

بين الكتابين الى آخر مقاله بعد أن كان نفى امكانية المقارنة بينهما . ثم هو يبدأ تفصيل حجته بعبارة "وجود مشابهة كثيرة بين الكتابين" . فنسى انه نفى قبيل ذلك بأسطر وجود "رائحة الشبه التى أشار اليها الشاذلى بويحى". وهذا التناقض الفظيع علامة ارتباك من سعى الى اخفاء مصدر مقاله فخاب سعيه لأن مقاله كله ليس الا مجرد سلخ لذلك المصدر الذى استوعب في الحقيقة جميع ما جاء فى ذلك المقال .

وهذا المصدر الذي سلخه محمد بن سعد الرويشد (أو الشويعر) سلخا انما هو بحثنا الذى اقتصر محمد بن سعد على مجرد الاشارة إلى محل نشره. وهو مقال نشرناه بعدد سنة 1964 م . من "حوليات الجامعة التونسية" تحت عنوان "حول تاريخ وفاة ابراهيم الحصري" بينا فيه أن الحصرى توفى سنة 413 هـ . لا سنة 453 هـ . كما جاء فى بعض المصادر القديمة والحديثة وأن الجيل الذى تأثر بتعليم الحصرى وبكتبه بصورة مباشرة أو غير مباشرة انما هو جيل النصف الاول من القرن الخامس وما بعده ولاحظنا شبها متينا بين كتاب " المصون " للحصى وكتاب " طوق الحمامة " . والملاحظ أننا أول من تحدث بشئ من التفصيل عن كتاب "المصون"  بعد أن طالعنا مخطوطة منه اكتشفناها بمكتبة " لايدن " فى هولاندا .

وفى تلك السنة أيضا - سنة 1964 م . - شاركنا فى مؤتمر المستشرقين الدولى المنعقد بدلهى الجديدة عاصمة الهند ببحث عنوانه " دور ابراهيم الحصرى الحاسم فى الازدهار الادبى بالمغرب الاسلامى فى القرن الخامس هـ ." اشتمل من بين نتائجه على اكتشافنا لكتاب " المصون " للحصرى وامكانية تأثر ابن حزم به فى كتابه " طوق الحمامة " . وقرأنا هذا البحث على رؤوس الملأ في مؤتمر ضم عددا كبيرا من علماء العالم بين عرب ومستشرقين . ولا شك أن منهم الآن من هو من قراء مجلة " الفيصل " مثلنا فيذكر بحثنا وهو يقرأ مقال محمد بن سعد الرويشد (أو الشويعر) هذا .

كما أننا اعلنا هذا الاكتشاف وأشرنا الى امكانية تأثر ابن حزم في " طوق الحمامة " بكتاب " المصون " للحصى فى فصل "الحصرى" الذي ظهر بتحريرنا فى الطبعة الجديدة من دائرة المعارف الاسلامية " Encyclopedie de I' Islam > ج 3 ص 660 - 662 وكذلك فى كتابنا " الحياة الادبية بافريقية فى العصر الصنهاجى " الصادر بالفرنسية فى تونس سنة 1972 . ومن المؤسف ما لاحظناه فى تحقيق إحسان عباس للقسم الرابع من "ذخيرة" ابن بسام

الصادر عن الدار العربية بليبيا وتونس في سنه 1979 ، ذلك انه لما ورد ذكر كتاب " المصون " للحصرى فى المجلد الثاني من هذا القسم الرابع من الذخيرة (ص 584 ) علق المحقق على ذلك بقوله : " ومن هذا الكتاب نسخة بخزانة شيخ الاسلام بالمدينة المنورة ذكرها الدكتور محمد بن سعد الرويشد في مقارنة اجراها بين طوق الحمامة والمصون (مجله الفيصل السنة الاولى عدد 10 ص 16-21 ) وانظر بروكلمان 267:1 " ولا ذكر لمقالنا بعدد سنة 1964 من مجلة " حوليات الجامعة التونسية " ولا لدائرة المعارف الاسلامية فى فصل " الحصرى " من تحريرنا ولا لكتابنا عن " الحياة الأدبية بافريقية في العصر الصنهاجى " وكلها سابق لظهور مجلة الفيصل وفيها جميعا ذكرنا اكتشافنا نسخة من كتاب " المصون " وأشرنا الى امكانية تأثر ابن جزم به في " طوق الحمامة " . وإحسان عباس ممن مكنته السلط الثقافية التونسية من زيارة تونس مرارا . فان لم تصله مؤلفاتها فما باله لم يغتنم فرصة الضيافة للتطلع الى ما يصدر فيها من الكتب والمجلات الادبية والعلمية التى تهم الميدان الذي يعتنى بتحقيق تراثه ؟ (7)

ثم نحن إذا رجعنا الى هذا المقال الذي يدعى محمد بن سعد الرويشد انه اكتشف به وجهة نظر جديدة فى الادب العربي رأينا أن عناصره تتلخص فى نقطتين أساسيتين هما المشابهة بين الكتابين والادلة على أن ابن حزم تأثر فى " طوق الحمامة " بالحصرى فى كتاب " المصون " . ويشرع فى بحثه بقوله : . . كما توجد لقاءات بين الكتابين تكاد تؤكد أن أحدهما متأثر بالآخر وهذا هو ما يهمنا هنا والذى بموجبه أرجح أن ابن حزم فى كتابه طوق الحمامة قد تأثر الى حد كبير بالحصرى فى كتابه المصون . وذلك لسببين رئيسيين .

أولا : وجود مشابهة كثيرة بين الكتابين . . . . " (8). وهي النقطة الاولى . فيقوم بمقارنة بن الكتابين - تلك المقارنة التى كان قال عنها انه تردد فى

كتابتها بينما شغلت اكثر من ثلثي مقاله - ويجد أحد عشر وجه تشابه بعد أن كان أبعد رائحة التشابه بين الكتابين.

أما النقطة الثانية فهى الادلة التى تؤكد ترجيحه لتأثر ابن حزم بالحصرى وأهمها دليلان هما أولا وفاة الحصرى سنة 413 هـ . بينما صنف ابن حزم " طوق الحمامة " بين سنتى 417 و 418 هـ . ثانيا اطلاع أدباء الاندلس على مؤلفات أدباء القيروان بدليل قول ابن حزم فى رده على ابن الربيب القيروانى : " ولعمرى ما لهم كتاب مشهور الا وقد اطلعنا عليه " .

وهذا هو بالضبط ما كنا أبرزناه في بحثنا المذكور الصادر سنة 1964 م . وقد ركزناه فعلا على نقطتين أساسيتين هما أولا : اثبات وفاة ابراهيم الحصرى بصفة علمية فى سنة 413 هـ . ثانيا : بيان اثر ابراهيم الحصرى في الازدهار الادبي بالمغرب الاسلامي بما فى ذلك صقلية والاندلس فى القرن الخامس الهجرى وبينا أن النقطتين متماسكتان لان ضبط تاريخ وفاة الحصرى يضبط الجيل الذى تأثر بتعاليم الحصرى ومؤلفاته . ومن بين ما ذكرنا من نماذج تأثير الحصرى تأثر ابن حزم في كتابه " طوق الحمامة " بكتابه " المصون " للحصرى . فلقد كتبنا فى آخر ذلك المقال ما نصه حرفيا :

" واذا تجلى لدينا بهذا مدى اثر الحصرى فى الادب بافريقية فالتحقيق " فى تاريخ وفاته يبدو لنا ذا شأن خطير اذا ما خرجنا بالبحث والنظم " من نطاق افريقية الضيق الى أقطار عربية أخرى . ونريد أن نقص البحث " هنا على نقطة وجيزة لا نتجاوزها نقتصر بها - دون ما تعمق - على " الاشارة إلى ما يبدو لنا كشفا هاما فى تاريخ الأدب العربي . ذلك اننا " بتتبع آثار ابراهيم الحصرى فى مظانها عثرنا على تأليف له غريب هو " كتاب فى سر الهوى المكنون " (........) والوقوف على هذا الكتاب وقراءته وتحليله لا يغير النظرية التقليدية حول منتوجات الحصرى " فحسب فيجعلها تتجاوز نطاق الادب المحض بل وصل بنا الاطلاع على " هذا الكتاب الى رأى آخر لا تخفي أهميته على علماء العربية اذا أثبته " بحث مدقق نرجوه قريبا . وهو أن كتاب الحصري هذا يمكن اعتباره " اصلا من الاصول المظنونة لتأليف ابن حزم الاندلسي المسمى " طوق " الحمامة في الالفة والالاف " . فالشبه متين بين الكتابين . واشعاع

" افريقية الادبي والعلمي على الاندلس كبير غير مجحود وتفوق الافارقة "وعطفهم على علماء الاندلس وأدبائها مشهور . والتجاوب بين القطرين " وتتبع أهل القطر لما ينشأ وما لا ينشأ - خاصة - فى القطر الآخر " معروف . فلايبعد اذن بل يقين - الا اذا ما أثبت النقد الداخلى عكس "ذلك - ان ابن حزم المتوفى سنة 456 هـ . عرف كتاب " المصون " "للحصرى كما عرف رسالة الجاحظ فى " العشق والنساء و الموشى "للوشاء ورسائل اخوان الصفاء وتأثر به كما تأثر بتلك الاخرى . ولا " يكون وجود التأثر فى هذا الحدث الادبى الخطير الا اذا اثبت يقينا أن " أبا اسحاق ابراهيم الحصرى توفى سنة 413 هـ . وهو ما أردنا كشف " الظنون عنه " (9).

فبهذا النص وبالمقارنة بينه وبين ما ذكرناه من مقال محمد بن سعد الرويشد وما لخصناه من عناصره يتبين القارىء أن محمد بن سعد الرويشد لم يقتصر على السطو على نتيجة بحثنا المتقدم على مقاله بأربع عشرة سنة بل هو سطا حتى على مبنى البحث وهيكله الثنائى المتمثل في ضرورة تأثر ابن حزم بالحصرى نظرا لثبوت وفاة الحصرى قبل تأليف كتاب ابن حزم . لكن الامر يتجاوز السطو على النتائج وعلى منهج البحث الى الحجج الجزئية اذ نحن الذين أثبتنا بصفة علمية وفي بحث استغرق ست صفحات من مقال يعد عشرا أن الحصرى توفى سنة 413 هـ لا 453 هـ بينما يقتصر محمد بن سعد الرويشد على مجرد ذكر وفاة الحصرى فى سنة 413 هـ بدون اشارة الى بحثنا وقد قرأه كما هو معروف . فهو اذن لم يأت بجديد فى هذه النقطة الأساسية بل قد أخذها عنا.

ثم ذكرنا في بحثنا (10) انه من المشهور أن ابن حزم ألف طوق الحمامة حوالى سنة 417 هـ . مما يثبت أن ابن حزم هو الذي تأثر بكتاب الحصري المتوفى سنة 413 هـ . فمحمد بن سعد الرويشد لم يأت بجديد في هذه النقطة ايضا بل أضاع جزءا غير قليل من مقاله فى السعى لبيان أن ابن حزم ألف طوق الحمامة بين سنة 417 وسنة 418 هـ . وهو كما ذكرنا أمر " مشهور " لا يحتاج الى اثبات . ولا شك ان محمد بن سعد الرويشد يعلم ذلك لانه بدأ مقاله بالاشارة إلى كثرة الدراسات العلمية حول " طوق الحمامة " وجلها قد اثبت تاريخ تأليف هذا الكتاب

أما احتجاجه على اطلاع ابن حزم على ما كان يصدر من كتب مشهورة بافريقية (11) برد ابن حزم على ابن الربيب فقد أخذه عنا أيضا اذ سبقناه اليه منذ سنة 1964 م . في بحثنا المذكور الذى هو منطلق مقاله اذ قلنا: " والتجاوب بين القطرين وتتبع أهل القطر لما ينشأ وما لا ينشأ - خاصة - فى القطر الآخر معروف " وعلقنا على هذا الكلام بقولنا فى الهامش : " انظر مثلا رسالة ابن الربيب القيروانى الى عبد الوهاب بن حزم الوزير الاندلسي وردا - مؤخرا - عليها لابى محمد على بن حزم صاحب " طوق الحمامة " في كتاب " الذخيرة " لابن بسام 4/1 ص 111 وما بعدها " (12).

فلقد تبين بهذا كله أن مقال محمد بن سعد الرويشد برمته ليس الا سلخا سافرا لبحثنا المذكور.

أبعد هذا كله يجرؤ محمد بن سعد الرويشد على أن يكتب في بداية مقاله "ارجح أن ابن حزم فى كتابه طوق الحمامة قد تأثر الى حد كبير بالحصرى في كتابه المصون"؟ وأن يعود في نهاية المقال فيكتب : " فان كتاب المصون فيما رجحت يعتبر على الاقل مصدرا من مصادر ابن حزم " ؟

فما الذى حمله على هذا السطو وهذا السلخ يا ترى ؟ ألأنه أمن تفطننا اليه وتفطن الباحثين والقراء فى العالم ؟ أم هو سوء ظن بمجلة " الفيصل " فاعتقد

أن ليس لها قراء بتونس وانه اذا نشر مقاله بها فلن يصل الينا صداه ؟ فليعتبر بما ذكره من قول ابن حزم : " ولعمرى ما لهم كتاب مشهور الا وقد اطلعنا عليه " . ومجلة " الفيصل " سواء كانت مشهورة أو غير مشهورة فنحن بتونس نطالعها وسيرورة الكتب فى عصرنا أكبر منها فى عصر ابن حزم .

لقد بدأنا ردنا هذا على مقال محمد بن سعد الرويشد بالتعجب منه ولعل القارئ صار يشاركنا الآن هذا التعجب . لكن الذى هو أعجب من العجب خاتمة مقال محمد بن سعد الرويشد ننقلها حرفيا هنا ونستسمحه استعمالها بدورنا خاتمة لردنا هذا وهي قوله : (13) "ونحن نشاهد فى عصرنا من يؤلف كتابا يرشد الى مراجعة فيأتي مؤلف آخر ليرجع الى هذه المراجع متأثرا بسابقه الذي كان له فضل السبق فى هذه المراجع فيشير الى تلك المصادر دون أن يشير الى الكتاب الذي انتفع به " .

فسبحان الذي أنطق الظالم بحق المظلوم.

اشترك في نشرتنا البريدية