الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

رسالة ، على هامش الشخصية التونسية

Share

بسم الله وحده أخي الفاضل الاستاذ البشير بن سلامة المحترم (*) . تحية أخوية عاطرة وشكرا على هديتكم القيمة " الشخصية التونسية " ( ** ) وتهنئتى لكم على معالجتكم موضوعا خطيرا هو من مواضيع الساعة لا في تونس وحدها بل فى عالمنا العربي المتحرك كله .

لقد طالعت كتابكم القيم باهتمام بالغ لسببين رئيسيين أولهما انه يعالج قضية هى من اهم القضايا التى تعنى بها التربية المعاصرة أعني بها قضية الانتماء والولاء . فالتربية المعاصرة في كل بلدان العالم الحي تعنى عناية خاصة بتنشئة أفراد الشعب على الانتماء والولاء الى الكيان الانسانى الذى يختاره ذلك البلد سواء أكان ذلك الانتماء سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا والانتماء يتطلب الولاء عادة . ولا أشك في أن معالجتكم موضوع الشخصية التونسية تستهدف دعوة المربين الى العناية البالغة فى توعية ابناء الشعب صغارا وكبارا للانتماء والولاء للشخصية التونسية . وهذه خدمة صادقة تسدونها لامتكم ووطنكم .

والعامل الثاني الذي جعلني أعني بالكتاب هو انى كانسان يدين بالدين الاسلامى الحنيف وينتمي الى كيان العروبة من الخليج الى المحيط أعتز بشخصية كل قطر من الاقطار التى يشملها هذا الكيان ولا سيما بشخصية تونس الخضراء ولا عجب فانى قد أحببت تونس قبل ان اراها ثم ان تونس قد احتضنتني منذ ان غادرت العراق قبل ثلاث عشرة سنة فصرت أستطيع

القول بأن شخصيتي كانسان فرد تغذت وتفاعلت مع الشخصية التونسية ولذلك فقد عنيت فكريا وعاطفا بمطالعة كتابكم القيم ولا يسعني الا ان ابدى تقديرى لجهدكم الصادق وهدفكم النبيل . وها أنا أطلب صفحكم وسماحكم لابداء ما عن لى من ملاحظات وآراء وأنا أطالع كتابكم الثمين .

مشكلة المصطلحات :

من اولى المشاكل التى يجابـهها الكاتب الاجتماعى ان فى الشرق أم فى الغرب هي مشكلة عدم الاتفاق على مدلول بعض الكلمات الاساسية . ولنضرب مثلا على ذلك : ماذا نعنى بكلمة " شخصية " وماذا نعنى بكلمة " امة " وماذا نعني بكلمة " لغة " .

اقترح أن يكون تعريف الشخصية على الوجه التالى : وحدة الهيئة الشاملة لكل الظاهرات المادية والمعنوية التى يتكون منها فرد أو جماعة " . فهناك شخصية لكل انسان فرد وهناك شخصية لكل جماعة موحدة منسجمة صغيرة كانت ام كبيرة . والشخصية هى نتاج تفاعل الوراثة مع المحيط وظروفه المتغيرة فهي اى الشخصية متطورة ما دامت العوامل المحيطة تتطور .

وكلمة "أمة" من الكلمات التى تتخذ معاني ضيقة تارة وواسعة أخرى . فهناك من يقول " بالامة المصرية " او السورية " او "الامة التونسية " وهناك من يقول بان هناك أمة عربية واحدة تشمل كل هذه الامم المار ذكرها وسواها من الخلب الى المحيط . وهناك من يقول بان هناك أمة اسلامية واحدة وما الشعوب العربية الا قومية واحدة من القوميات التى تتشكل منها الامة الاسلامية . مستشهدا بالآية الكريمة " ان هذه امتكم واحدة وانا ربكم فاعبدوني " . (سورة الانبياء 92 ) .

ليت العرب اتفقوا على استعمال " شعب " للشعب المصرى والشعب السورى والشعب التونسي وسواهم من الشعوب العربية وليتهم اتفقوا على استعمال " قوم " و " قومية " لمجموع الشعوب فقالوا القومية " العربية "  والاقطار العربية و الوطن العربي الكبير " وليتهم خصصوا كلمة " امة" للامة الاسلامية التى تشتمل على كل القوميات التى دينها الاسلام .

وكلمة "عربى " قد تستعمل لمن أصله ونسبه عربى أى لكل من جاء هو أو أسلافه من حزيرة العرب وقد تخصص "للبدو" الرحل وقد توسع فتشمل كل من تكلم بالعربية وتثقف بالثقافة العربية وانتمى الى الشعوب المتكلمه

بالعربية مشاركا اياها فى امالها وعواطفها افراحها واتراحها هذا وان الذين ينادون بالقومية العربية فى عصرنا هذا يستعملون اصطلاح " العربي " بهذا المعنى الواسع . فالعربى لا يقتصر على من كان من أصل عربي قادم من جزيرة العرب . بل العربى كل من تكلم العربية وتثقف بثقافتها وانتمى الى الوطن العربى . اذ من المعلوم ان اكثرية ابناء الاقطار العربية ليسوا من اصل عربى فهم مستعربون فهم " عرب " بالمعنى الشامل . والعروبة قومية مفتوحة تـحتضن اقواما ليسوا بعرب رسا . وبهذا المعنى فالتونسى المتكلم بالعربية كالعراقي أو المصرى المتكلم بها هو عربى مهما كان أصل أسلافة .

وكلمة " لغة " ما حدودها ؟ وهل هناك لغة عربية واحدة ام هناك لغات عدة تنتمي الى العربية ؟ وهل تطلق كلمة " لغة " على اللهجات العامية العديدة التى قد توجد فى أية لغة من اللغات الواسعة الانتشار ؟ نحن نقول بان هناك لغة عربية واحدة هى اللغة الفصحى وان اللهجات المحلية ما هى الا وليدة الفصحى فى ظروف وأقاليم خاصة . ففي كل من الاقطار العربية نجد اللغة الدارجة ( واحدة أم أكثر ) تكتسب صبغة محلية وتقتبس الفاظا قد تكون غريبة او جديدة فالعربية فى العراق تحتوى على أكثر من لهجة واحدة فلهجة ابن بغداد تختلف عن لهجة ابن الموصل وفي العراق تسربت كلمات عدة من الفارسية والتركية والانقليزية الى اللغة الدارجة . ويصدق القول ذاته على كل قطر عربى خضع للاستيلاء الاجنبى تقريبا . فما يقال عن العراق يقال عن تونس او مصر او المغرب . ففي تونس تختلف لهجة الجنوب التونسى عن عن لهجة الشمال التونسي وحين أصغى الى الاذاعة التونسية باللغة الدارجة أجد ان نحو 99 % من الكلمات هي كلمات عربية فصيحة وانما تلفظ باللهجة التونسية المتصفة بالامانة . وهناك " لغة وسطى " هى عربية فصحى مبسطة مسكنة الاواخر " بدون اعراب " يمكن ان لا تفهم فى كل الاقطار العربية من الخليج الى المحيط هذا وان الاذاعة العربية اليوم تقوم بدور مهم فى جعل ابناء العربية يفهم بعضهم بعضا مهما اختلفت لهجاتهم . وعلى هذا الاساس نحن من القائلين بوجود لغة عربية واحدة ولهجات متعددة .

فلو تحقق الاتفاق على مدلول الكلمات وتحددت معانيها لقضى على الكثير من سوء التفاهم ولتوفرت جهود كبيرة تصرف فى الجدال والحوار بين الكتاب والباحثين فى المواضيع الاجتماعية .

مشكلة التاريخ :

اعرب عن تقديرى لجهودكم القيمة فى تحرى الحقائق التاريخية التى اعتمدتم عليها فى ما توصلتم اليه من استنتاجات واسمحوا لى ان أبدى بأن التاريخ سلاح يتوقف استعماله فى القضايا الاجتماعية والسياسية على غرض من يحمله ومن يستعمله ذلك اذا كان سلاحا ماضيا غير مغشوش العتاد اي ان يتحرى الحقيقة كاملة من كل جوانبها وبكل تجرد . لقد عشت ما يزيد على الخمسين سنة من تاريخنا المعاصر وساهمت فى بعض صفحاته فأود ان اؤكد لكم بان التاريخ الذي نتداوله قد لا يخلو من فجوات كما قد لا يخلو من تحريف واختلاق ترجع الى عدم احاطة المؤرخ بكل المعطيات أو الى تحزبة وغرضه الامر الذي قد يضر بوحدة الامة وتماسكها . فالتاريخ قد يستخدم للتفريق او التمزيق بين الامم والشعوب فى وقت تطمح الامم فيه الى التماسك والالتحام . نحن نعتمد كثيرا على بحوث وأساليب اجنبية فى دراسة تاريخنا وليس من الانصاف ان نتوقع من الاجنبى ان يكتب التاريخ لمصلحة امتنا ومجتمعنا مهما كان منصفا وموضوعيا فجل ما ننتظره من الاجنبى هو او ان يكتب التاريخ للتاريخ ذاته الامر الذى قد يضر بمجتمعنا ولا يخدم اهدافنا اذ التاريخ للتاريخ يجب ان يكون فى حوزة العلماء الاختصاصيين اما المسؤلون عن توجيه الامة ومستقبلها فعليهم ان يقتبسوا من التاريخ ما يخدم حاضر امتهم ومستقبلها . نحن على علم بأن الذين كتبوا التاريخ من ابناء جلدتنا قد لا ينجون من التعصب او التحيز الذي فرق شملنا فى الماضي ويؤخر سير أمتنا فى الحاضر . فيجدر بنا اذن ان نحتاط فى استعمال التاريخ كهاد او دليل ما لم يكن هدفنا القومى واضحا وفلسفتنا صحيحة . التأكيد يجب ان ينصب على درس واقعنا وعلى التخطيط لمستقبلنا ثم الرجوع الى التاريخ للاستعانة بما فيه من عوامل ايجابية وبناءة . وترك ما يضر بحاضرنا ومستقبلنا الى الاختصاصيين الذين يدرسون التاريخ لاجل التاريخ . أود أن استخلص من هذا بأننا نعيش فى عصر ليس له مثيل فى التاريخ وان الشخصية التونسية يجب ان تكون مستقبلية اكثر منها تاريخية فلننظر الى واقعنا والى واقع العالم الذى نعيش وقضايا الانسان المعاصر ونستقى من تاريخنا ما يساعدنا على حل مشاكلنا الحاضرة وتجنب ما يزيد فى تعقيدها او ما يؤخر سيرنا ويمزق شملنا .

علاقة الشخصية التونسية بالاسلام وبالعروبة :

أما ان لتونس شخصية تمتاز بها فذلك أمر لا يقبل الجدال . فلتونس

شخصيتها كما ان لمصر شخصيتها وكذلك للعراق أو سورية أو اليمن . هذا وان تعدد الشخصيات القطرية فى الكيان القومى العربى مما يزيد في ثروة هذا الكيان وقوته الخلافة . أما تحديد علاقة الشخصية التونسية وارتباطاتها فى تسلسل الشخصيات الاخص او الاعم واما تعيين مقومات هذه الشخصية وتوفير وسائل بنائها وتنميتها فهو أمر يتوقف على اختيارات الشعب التونسى سياسيا وتربويا . واما اللغة القومية سوى ناحية واحدة هامة من نواحي الشخصية التونسية يقرر مصيرها سياسيا وتربويا .

اما فى الحقل السياسي فقد اختار الشعب التونسي ان تكون لغته الرسمية العربية ودينه الاسلام ذلك ما نص عليه الدستور التونسى ثم ان الدستور التونسى ينص على ان تونس هى قطر من أقطار المغرب العربى الكبير ثم ان تونس عضو فى جامعة الدول العربية وتساهم بنشاط فى مؤتمرات العالم الاسلامي اذن فعلاقة الشخصية التونسية بالعروبة وبالاسلام علاقة عضوية متينة . ولذلك فى الامكان اقتراح سلسلة الانتماء بصورة صريحة بحيث يقضى على الكثير من البلبلة والترجرج الذي نشاهده عند بعض المثقفين . نحن نقترح ان تكون سلسلة الانتماء على شكل هرم قاعدته الانسانية وعلى قاعدة الانسانية تقوم المعتقدات الدينية ( الاسلامية ) ومن الاقوام الاسلامية الشعوب العربية ومنها شعوب المغرب العربى الكبير ومنها تونس هذا الترتيب الهرمي هو فى نظرنا منطقي يتدرج من العموم الى الخصوص ثم انه انسانى لانه فى الاساس يعترف بوحدة بني الانسان وترابطهم . هناك من يرى ارتكاز الهرم على قمته وجعل القمة هي الاساس اى أن نبدأ بالتونسة ثم نرتفع الى العروبة ثم الى الاسلام ثم الى الانسانية . هذا الترتيب قد يكون مناسبا للمبتدئين الصغار على أن يفهم فيما بعد بأن الواقع العلمي هو أن فى البداية كان الانسان والانسان يشمل الاسلام والاسلام يشمل الاكثرية الساحقة من العرب والعرب يشملون المغرب العربى الكبير والمغرب الكبير يشمل تونس ولا حاجة للتأكيد بأنا نستعمل مصطلح " العرب " بمعناه الواسع الحديث وليس المعنى الرسي الضيق .

ان هذا التسلسل يعترف بالشخصية التونسية ويدعو الى المحافظة عليها وتنميتها وهذا ما استهدفه كتاب " الشخصية التونسية " . نحن لا نسير مع الذين يريدون دمج الاقطار العربية كلها ضمن وحدة مركزية عظمى . فالأمر غير عملى وغير مفيد بل انه ضار فعلا . فتعدد الشخصيات القطرية العربية

المتحدة تعطي الامة العربية قوة خلاقة لا حد لها . ولقد علمتنا التجارب الحديثة خطأ الدمج بين سورية ومصر من سنة 1958 الى 1961 . فقد فشلت التجربة بشكل محزن . واذا كنا لا نرتضى عملية الدمج ومحو الشخصية لكل قطر ذى شخصية متكاملة فانا ندعو بالحاح الى القضاء على الحواجز القائمة بين الاقطار العربية . نحن من دعاة وحدة اتحادية (كونفدرالية) بين الاقطار العربية على ان نسير نحو هذه الوحدة بخطى حثيثة وبصورة جدية .

وكما اننا نحذر من مغبة الوحدة الاندماجية التى بها تمسخ وتذوب الشخصية كذلك نحذر من المغالاة بالتمسك بالشخصية القطرية وتكريس الانعزال كما حدث فى الدعوى الى عزل مصر باسم " الفرعونية " ، نحن استبشرنا خيرا يوم دخلت مصر جامعة الدول العربية فلا العزلة تحقق اهدافنا القومية ولا نظرية الدمج والاستيلاء التى طغت على السياسة المصرية بعض الوقت في الماضي القريب . وما قيل عن " الفرعونية " يقال عن دعوة الحزب القومى السورى الى تأسيس أما سورية (تتكون من الهلال الخصيب ونجمة قبرص) مستقلة عن الامة العربية . العالم اليوم يسير نحو التجمعات ونحو الوحدات السياسية الكبرى . فالاقطار العربية وهي مترابطة مع بعضها جغرافيا وتاريخيا تجمعها وحدة اللغة كما يؤاخي بين ابنائها الايمان بالله الواحد الاحد اله ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد . مكملة بعضها البعض اقتصاديا وثقافيا مدعوة الى تحقيق اتحاد كونفدرالى فلا دمج ولا اذابة للشخصية من جهة ولا عزلة او استعلاء من جهة اخرى .

مميزات الشخصية التونسية :

الشخصية التونسية تشترك مع شخصية سائر الاقطار العربية فى كونها انسانية واسلامية وعربية وتتميز عن شخصية سائر الاقطار العربية بما يتركه مناخها المعتدل وطبيعة أرضها الخضراء وبما تركه تاريخها المحلى والعالمي من تأثير سجايا سكانها وبما حققه قادتها ومفكروها من تنظيم وابداع وما يقوم به مربوها من توجيه وبناء .

اما للطبيعة والمناخ أثرا على حياة الشعوب وشخصيتها فهو امر يؤيده الواقع والاختيار وقد شرح ذلك ابن خلدون في مقدمته كما أيده الاستاذ هنتغنن Huntington في كتابه " سجايا الاعراق " the character " andraces " الذي ظهر في الثلث الاول من هذا القرن . ونحن لا نشك فى أن لاعتدال مناخ تونس اثرا واضحا فى سجايا أهلها اللطيفة والمعتدلة

بينما المناخ الناشف الجاف كما هو الحال فى أوساط العراق له أثر فى طبيعة العراقيين العنيفة والمتطرفة احيانا .

ولا شك فى ان للتاريخ وللفاتحين أثرهم أيضا فى سجايا الشعوب . والتاريخ ذو علاقة مباشرة بالموقع الجغرافي فحيث تكون البلاد معبرا للفاتحين والغزاة كما هو الحال فى تونس والعراق مثلا ننشأ صفات التحدى كما قد تنشأ صفات الانزواء أو الاستسلام .

أما دور القادة والمفكرين والمربين فى تنظيم شؤون الشعب وبناء شخصيته فهو من الامور البديهية التى لا تحتاج الى برهان ويكفى تونس دليلا على ما قام به القائد المجاهد الحبيب بورقيبة فهو ومن آزره من الشيوخ والشبان استطاعوا ان يضمنوا ثقة الشعب فساروا به نحو التحرر والاستقلال . والآن يجدر بنا أن نتساءل ما هى الميزات التى تمتاز بها الشخصية التونسية بعد هذه المؤثرات ؟ ان الزائر لتونس سرعان ما يلاحظ المزايا التونسية التى يعجب بها ومع ان اى واحدة من هذه المزايا قد تتوفر في أى قطر من الأقطار العربية الا ان توفرها مجتمعة هي من مزايا تونس الخاصة وها أنا أعدد بعض هذه المزايا :

1) لطف الشعب التونسى وتأدبه 2) نظافة الشعب التونسي 3) حبه للعمل والمثابرة . 4 ) حبه للعلم والتقدم 5 ) اعتداله واتزانه واحترامه للنظام . 6 ) احترامه للمنطق والعقلانية مع ضبط الاعصاب . 7 ) تمسكه بدينه وتقاليده . 8 ) تفتحه على الخارج . 9 ) له لهجته الخاصة به فى العربية . 10) حبه للفن وحسن ذوقه .

وفى رأينا ان البورقيبية وما تنطوى عليه من تأكيد على الشمول والانسجام والتطور الى الاحسن هى أصدق تعبير عن الشخصية التونسية .

دور التربية فى بناء الشخصية التونسية :

ان التربية تشكل فى نظرنا أهم عامل فى بناء شخصية الامة اذ عليها تتوقف تنشئة نوع الانسان الذي يقوى هذه الشخصية او يضعفها .

لقد تلوت بكل تأثر وتقدير ما ورد فى " الشخصية التونسية " حول أوضاع التربية والتعليم فى عهد الاستعمار ولا سيما ما حصل من " غربة لغوية " ومجاعة تربوية قصد بها المستعمر اضعاف الشخصية التونسية . ولما كانت اللغة هي من المقومات الرئيسية للشخصية القومية فانه حاول طمسها والاذلالها . هذا وان افطع انواع الاستعمار واكثرها نفوذا ودواما هو الاستعمار الثقافى . ولذلك فقد كان من نصيبى فى مؤتمر سان فرنسيسكو سنة 1945 حيث كتب ميثاق الامم المتحدة ان اقترح نصا أدخل فى الميثاق يلزم الدولة المستعمرة احترام ثقافات الشعوب المولى عليها وهى تشمل اللغة القومية بالطبع (المادة 73 ب من الميثاق) .

ولقد لفت نظري حديثا وانا اتصفح دستور كورية الشمالية المعلن فى التايمس (اللندية) فى عددها الصادر فى 27 ديسمبر 1974 المادة 46 من الدستور والذى نصها :

" الدولة تدافع عن لغتنا القومية ضد سياسة الاستعماريين واذنابهم المخربة لها . وتنميها لتصبح مؤهلة لتلبية حاجات العصر الحاضر " (الترجمة عن الانكليزية لكاتب المقال ) ما احوج البلاد العربية التى رزحت تحت نير الاستعمار أن تأخذ بمنطوق هذه المادة فتحل اللغة القومية المحل اللائق بها . وفي رأينا أن أهم ما تحتاج اليه البلاد العربية اليوم اليوم هو تفكير واعادة نظر جدية فى أوضاع التعليم من نواحيه الانسانية والاسلامية والقومية وعلاقته بالحياة المتطورة بفضل العلم والتقنية والتنظيم الاقتصادى والأخذ بأصح الاساليب والمناهج التعليمية قديمها وحديثها .

الكل مجموعون على حاجتنا الى اتقان ، لغة أجنبية واحدة على الاقل ويفضل الأخذ بلغتين أجنبيتين فأكثر ولقد أختارت تونس اللغة الفرنسية وهي لغة علم صحيح وفلسفة وأدب رفيع وكل ما نرجوه ونتمناه هو ان نقتبس من الفرنسيين غيرتهم على لغتهم وعملهم على الرفع من شأنها فنعمل

الشئ نفسه مع لغتنا العربية المحبوبة . فوضع لغتنا العربية في المدارس وفى الحياة يتطلب اعادة نظر على جميع المستويات ولا سيما على المستوى الجامعي فقد ورثنا من عهود الاستعمار شيئا من التشكيك والازدراء باللغة العربية الامر الذى أدى بالبعض الى ترك استعمالها والانصراف كلية الى اللغة الاجنبية . ان عدم اقبال الشباب الجامعي على مطالعة الكتب والمجلات العربية يرجع الى عوامل عدة أهمها عامل تربوى . فلو عني باللغة العربية ودرست بأساليب جديدة حية وفعالة فى كل مراحل الدراسة ودرس كل علم باللغة الاجنبية بعد ان يدرس بالعربية لشاهدنا ترابطا وتعاونا بين اللغتين القومية والاجنبية . اما ان تدرس الدروس العلمية من الرابع الابتدائى فصاعدا باللغة الاجنبية ولا تستعمل العربية ففيه حرمان الطفل التونسي من تعليم لغته القومية اذ ان اللغة تكتسب فى كل الدروس وليس فى درس اللغة وحده . وما يقال عن العربية يقال عن الدين الاسلامى فانه يعطي على المستويات الابتدائية والثانوية ويحرم طلاب المعاهد العالية من درس دينهم وقرآنهم وفي ذلك ما فيه من ضرر واضعاف للشخصية التونسية . ونتيجة حرمان طلاب المعاهد العالية من درس لغتهم ودينهم وفلسفتهم القومية (المتمثلة في البورقيبية) هو ان نشأ عندنا جيل يحوى أفرادا تائهين عقائديا او هدامين سياسيا ولو انهم قلائل لحسن الحظ .

وأخيرا نقول نحن نعيش فى عصر تضاربت فيه التيارات والاتجاهات ونحن استيقظنا وبدأنا نبحث عن شخصيتنا ومستقبلنا . وها هى الظروف السياسية الدولية والاقتصاد الدولي تعيد للعرب تدريجيا مكانتهم اللائقة فى التاريخ واصبحت اللغة العربية من اللغات المعترف بها والمطلوب تعليمها عالميا . والعالم الاسلامى بدأ يبعث حيا من جديد ويبحث عن مستقبل أفضل نحن نأمل ان يكون لتونس البورقيبية الدور الطليعى فى زيادة العالمين العربى والاسلامى وذلك يتطلب اعادة نظر جدية فى نظم ومناهج التربية والتعليم واعداد المربين المهيئين لتحقيق الانتماء والولاء للشخصية التونسية وحمل رسالة بورقيبة الى الانسانية عامة والاسلام والعروبة خاصة .

هذه ملاحظات عجلى خطرت لى وانا اتلو كتابكم القيم الشخصية التونسية اسجلها مع اعتذارى عما فيها من فجوات او هفوات ولكم فريد الشكر من أخيكم

اشترك في نشرتنا البريدية