الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

رسالة إلى اديب شاب

Share

إنى احسن بك ظنا وأتوسم فيك خيرا وأرجو لك مستقبلا أدبيا زاهرا (*) . وان كنت اشفق عليك من الغرور والادعاء فانى أعوذ بذكائك وعزمك من الكبر والخيلاء .

ومع اني اعلم ان نفسك هى اخص النفوس بك وانك ادرى بها من سواك ، واعرف انك بطبعك عن النصيحة راغب ، اذ انت الى استقلال الذات تائق وبالتجربة الوجودية الفردية متمسك ، فانى أذكرك ببعض الحقائق المستقاة من التجارب والمستقراة من تاريخ الفكر البشرى عسى أن تتأمل منها وتعتبر بها فى هذه الفترة التى تتوق فيها الى الراحة بعد مشقة الدرس وعناء الطلب .

اعلم - علمك الله الحكمة وبصرك بنفسك وقواك على أخذ زمام امرك - انك مهما اوتيت من العلم ورزقت من الفطنة فانك لا تزال فى اول الطريق ، فاياك ان تترك للتمذهب الاعمى اليك سبيلا وللانحياز الآلى عليك سلطانا ، واجتنب تغييب القضايا او اختزالها ، والهروب منها الى التجريدات والتهويمات والاستعاضه عن الواقع الحى المتطور بالشعارات ، بل تيقظ الى ما حولك ومحص الصحيح من الزائف ، وعبد طريقك الى الثقافة الحق والحرية الحق والكرامه الحق بالجهد الدائب والطلب الدانم ، والشوق الى الافضل والتوق إلى الاعلى ، اذ انسانية الانسان لا تعرف حدا بل هي تجاوز للذات متواصل وكسب متميز وتجديد وخلق ، فى عالم سيطرت فيه الوسائل السمعية البصرية ايما سيطرة ، وعمدت أنظمة كثيرة الى تكييف الجماهير وتسخيرها رغم ادعائها التقدمية والديمقراطية والاشتراكية ... وضيقت الآلة والدعاية

وانماط السكن وضروب التعفن من حرية تصرف الافراد فاذا أكثرهم يساقون سوقا الى متعة وهم وسعادة سراب .

فليس التمرد السفيه ولا السباب المجانى ولا امضاء العرائض ولا القول بالمانوية المذهبية والدعوة الى حرب الطبقات او جدلية تنازع الاجيال ولا العنف او الرفض الكلى - وحدها - بحلول حتمية ناجعة أو ضمانات فعالة لحماية الذات الانسانية والذود عن الحرية او اقرار العدل والسلم واحلال المحبة محل الشحناء والبغضاء .

ان الثورة الثقافية - فى مستوى الفرد ثم على صعيد المجتمع - هي الطريق المستقيمة ولكنها تقتضى الايمان بالانسان بوصفه غاية الغايات ، وبأنه يخلق نفسه خلقا ويتجاوز ذاته ويصنع التاريخ ، ولا يصنعه التاريخ ، فلتعرف نفسك - كما قال سقراط - ولتحرر من الافكار القبلية والنظريات البراقة ولا تكن كلبي النزعة ، تصيح وتهتف وتتحمس سجينا للمجردات والقبليات تبيعا للفات والتكتلات ، وذاتك فارغة وقلبك جاف وعقلك مقيد ، وفكرك مكبل !

هى الطريق الصعبة أدعوك الى اختيارها وأطلب اليك جهدا وبذلا وطموحا للسير فيها . وهي التجارب الصادقة المتواصلة أحضك على الاقبال عليها من دون أن تخشى ما قد تتعرض اليه بسببها من المآخذ والمآتي ، فبذل تتحرر من منزلتك المادية وتعيش حقا ، ولا يصح فيك ما قاله الفيلسوف اللايتني سيناك Seneque في شخص بلغ أرذل العمر : " تقول انه عاش ثمانين سنة ؟ لا ! بل ان العمر امتد به ثمانين سنة ! " II a vecu 80 ans ? Non ! il a dure ans? 80 ( فى رسالة الى لوسليوس  Lucilius ) .

واعلم اني لا اعيب عليك طموحك بل انى اقدر فيك الهمة العالية والحرص على بلوغ أعلى المراتب الادبية . الا انه من واجبى ان اذكرك بأن قيمة الاديب والفنان ليست بالضرورة في الرفض والتمرد والتنكر والهجوم .

ولا شك ان اغلب الكتاب والفنانين عاشوا فى حالة تأزم ضمن مجتمعهم وعصرهم ، وتمردوا على القيم الموروثة وضاقوا ذرعا بالعادات والقوانين وتحدوا الأوامر والنواهى الاخلاقية والجمالية والسياسية ، ونالهم - فى حالات عدة - الضيم وباؤوها باللعنة أو لاذوا بالعزلة .

ولكنهم فرضوا انفسهم وكانوا عظماء بحق - لا بمجرد الرفض والتحدى والصياح والضجيج والفوضى الفكرية ... - بل لانهم أبدعوا وتخلصوا من قيود مكانهم وزمانهم ، أى أنهم تحرروا من جاذبية مركباتهم وحسدهم وغرورهم وعجبهم وتجاوزوا " تاريخيتهم " وحلقوا فى ذرى الفن اذ انتجوا انتاجا أجزل مادة من غيرهم واينع ثمرا وأوسع اشراقا ونفذوا الى الجوهر وأصابوا الواقع فى الصميم فأثروا فيه وغيرهوه وطبعوه بطابعهم .

ويشترك فى هذه المنزلة من رجال الفكر والفن من تمرد وكفر وسخر ورفض ومن امن وتعايش ونافح وتضامن ، لا فضل لواحد على الآخر الا بما ابدع وخلد .

عندما نتأمل اليوم هندسة الاهرام الفرعونية ونعبر عن اعجابنا بها لا نفكر فى اتهام المهندسين والنحاتين ، المعروفين منهم والمغمورين ، بتخليد آلهتهم وعظمائهم ، ولا نغمطهم حقهم فى التنويه والتمجيد أو ننكر عليهم حظهم من العبقرية بدعوى انهم تعاملوا مع الحكم القائم فى مصر القديمة او خضعوا الى قيم عصرهم الدينية ، وكذلك الامر بالنسبة لمن صمم الاكروبول بأثينا ولمن شيد المساجد والمآذن والكنائس ورسم بديع الصور ورائع الفسيفساء ...

وسواء زاغ أرسطوفان عن اتجاه الحكم القائم في أثينا القديمة وتمرد الصعاليك على قومهم وكشفوا عن سيأت قبائلهم او انصرف سوفوكل واشيل الى التغنى بمآثر مدينتهما فيما الفاه من المسرحيات ، والتزم شعراء الجاهلية وصدر الاسلام الدفاع عن ذويهم والمنافحة من أجل عشرتهم ونصرة عقيدتهم ، فان الدى يهمنا منهم جميعا ، من حيث انهم ادباء مبدعون ، هو ادبهم وروائع شعرهم وخالد مسرحهم .

بينما لا يزال النفاش متواصلا فى بعض الاوساط لمعرفة مقاصد شكسبير . ص قصد التشهير باخلاق عصره وادانة الحكم المطلق عندما أمعن في وصف الخبائث والجرائم التى حفل بها تاريخ انفلترا على تعالق عهوده ، أم هل انه تفنن فى تشخيص عاهات هذا التاريخ للتنويه بعهد الملكة اليزابيث السعيد ؟ فان مؤلف " هملت "و" مكبث " و " الملك لير " لا يزال في قمة المجد المسرحي يمتع النفوس ويحرك الخيال ويلهم الاجيال .

وشبيه به موليار الذي اضحك الملك لويس الرابع عشر وأغضب نفرا من المحظوظين ، وشهر بعيوب بعض رجالات عصره . ولكنه دخل فى التاريخ من

بابة الكبير لانه سبر اغوار النفس البشرية وأسبغ على وصفه وحواره من جلال الفن وشفافة المعنى ولطافة المبنى ما جعل الناس فى كافة انحاء العالم يكلفون به ويتسابقون الى مشاهدة رواياته منذ ثلاثة قرون .

فلتقبل على البحث والمطالعة ولتتمعن فى الرأى قبل الاخذ به أو رفضه ولتتدبر الخبر قبل تصديقه ولا تكونن لشئ أشد ضنا منك بحرية الرأى ولا أشد تعلقا منك بملكة التمييز .

ومهما تثقفت وجربت وعاشرت الناس ، ووعيت أخبار من قبلك فأضفت - حسب قول الشاعر القديم - أعمارا إلى عمرك ، ومهما بلغ يقينك بالمذهب الذي اليه تدعو وبه تبشر اياك والتعصب والانسياق مع الهوى ، الذي هو بليه البلايا ، يحجب عنك الواقع الحى ويجعلك عاجزا عن التفتح الى الجديد والتطور مع الحياة ، بل يفقدك ادب النفس من حيث أنك تسعى الى ادب القلم

واني اقدر طموحك وارادتك السبق والتفوق ، بل التمس لك عذرا اذا اردت ان تملا عصرك وتشغل الناس - مثل المتنبى - الا ان ايسر الطرق وأقصرها لبلوغ ما تحلم به وترنو اليه ليس فى تحطيم من سبقك او الازورار ممن عاصرك ولا من باب اولى واحرى فى الهجوم على من أخذ بيدك وارشدك فى خطواتك الاولى ، ولا تغتم مما سبق ان صدر عن اولياء نعمتك من تعطف عليك واحسان اليك ولا تؤاخذهم اذا كانوا بك أراف من سواهم واليك انظر ولك أحب وأوفى .

واعلم ان اقوم المسالك واضمنها ان تبنى مجدك بنفسك دون تطاول على الغير او ضياع فى متاهات الجدل العقيم ، وان تتمسك بالجوهر وتترفع عن الاعراض والاغراض وتتوخى الصدق والاصالة وتعيش حقا وتعاني مغامرتك الوجودية ، فتستولى على الامد ويكون الدهر عمرك .

ذلك قصاراك فخرا وحسبي جزاء .

اشترك في نشرتنا البريدية