الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

رسالة ابن فضلان، بين التقدير والسفاري وأدب المرحلة

Share

- 3 -

2 - الرحلة : ( * )

مما هى خصائص أدب الرحلات وما يميزه عن أنماط الجغرافيا الوصفية التى مثلها ابن حوقل فى كتابه " صورة الارض " والبكرى فى كتابه " المسالك والممالك " والمقدسى فى " أحسن التقاسيم فى معرفة الاقاليم " وغيرهم ؟ ان الفوارق بين هذه الكتب وبين أدب الرحلة هى دون شك - فى المنهج وفى طريقة عرض المعلومات .

أما القرابة بين رسالة ابن فضلان التى يمكن اعتبارها من أدب الرحلات وبين كتب المسالك فهى فى ارتكاز النمطين على الملاحظة المباشرة . وأما الفوارق التى تفصل بينهما ففى التزام الرحلة التسلسل الزمنى وفى عدم خضوع المسالك لذلك التسلسل .

أ) اليوميات أو المذكرات :

ومن جهة أخرى تذكرنا رحلة ابن فضلان بعض الشئ باليوميات اذ يحكى فيها مؤلفها الاحداث المختلفة لسفره يوما بعد يوم تقريبا ويلتزم التسلسل الزمنى فى قصته ويجتنب التكرار وكثيرا ما نقرأ له جملا خاصة بأسلوب الكاتب الماسك زمام يوميات كهذه : " فلما كان من غد لقينا رجل واحد من الاتراك دميم الخلقة الخ ... " ( ص 98 ) " فلما كان اليوم الذى يحرق فيه هو والجارية حضرت الى النهر الذى فيه السفينة " ( ص 157 ) " فلما كان وقت العصر من يوم الجمعة جاء وابا الجارية . . " ( 157 ) " وكان وصولنا اليه يوم الاحد لاثنتى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة عشر وثلاثمائة . . . " ( ص 111 ) .

وفى الامكان ضبط تسلسل تاريخى لمراحل سفارة ابن فضلان بالاستناد

الى اشارات فى النص وهذه ميزة من ميزات اليوميات وليس فى الامكان ضبط تسلسل تاريخى للاوصاف الواردة فى كتب المسالك .

ب) شخصية المؤلف

وثمت ميزة أخرى فى رحلة ابن فضلان وهى أنه يفرض شخصيته فى سير الاحداث فيسجل لحينه ما يلفت انتباهه ولا يكتب الا ما يتأكد من صحته بالمعاينة أو بالرواية . وان ظهور العنصر الشخصى والشعور الفردى فى ملاحظة الكاتب العالم المحيط به ظاهرة جديدة فى هذا النوع من الادب العربى : ألا ترى أن ابن فضلان يلح على الأشياء التى عاينها وعلى الاحداث التى عاشها وعلى الامور التى مارسها كما فى المثال التالى : " ولقد رأيت الجباب ( م . الجب ) بها تكسى البوستينات (Pelisses) من جلود الغنم لئلا تتشقق وتنكسر فلا يغنى ذلك شيئا . ولقد رأيت الارض تنشق فيها أودية عظام لشدة البرد وأن الشجرة العظيمة العادية لتنفلق بنصفين لذلك ( ص 86-85 )

وتكثر فى رسالة ابن فضلان الملاحظات الدقيقة المتعلقة بشخصه ، فاقرأ له هذا الوصف لاثر البرد الشديد فى لحيته وخده : " ولقد كنت أخرج من الحمام فاذا دخلت الى البيت نظرت الى لحيتى وهى قطعة واحدة من الثلج حتى كنت أدنيها من النار .

ولقد كنت أنام فى بيت جوف بيت وفيه قبة لبود تركية وأنا مدثر بالاكسية والفرى فربما التصق خدى على المخدة " ( ص 85 )

وبهذه الصورة تفوق الملاحظة المباشرة الرواية فى حكاية الرحلة .

ج) المشاعر القوية ( مغامرات مهولة وأوضاع مضحكة ):

واعتنى ابن فضلان الرحالة الكشاف بتسجيل ما جال فى نفسه من مشاعر الدهشة والعجب والفزع والخوف والفرح والغبطة اعتناء خاصا فقد اعتراه خوف شديد لما صادف فى الدمغان ابن قارين من قبل " الداعى " الشيعى عدو بنى العباس فتنكر ابن فضلان ورفاقه أعضاء وفد السفارة فى القافلة . ( ص 74 )

وكان خوفه أشد لما أوقف طرخان - وهو القائد العسكرى التركى الاعرج الاعمى الاشل - رسل السفارة وهددهم بقطعهم نصفين نصفين وأخذ ما معهم فقال ابن فضلان فى وصف هلعه وهلع رفاقه فى تلك الظروف : " فما زالوا ( أى طرخان وجماعته ) يتراجعون بينهم هذه الاشياء سبعة أيام ونحن فى حالة الموت حتى أجمع رأيهم على أن يخلوا سبيلنا ونمضى . ( ص 104-103 )

ولم يغفل ابن فضلان عن تسجيل المفاجآت السيئة كبيرها وصغيرها مما

يعانيه مسافر قادم من بغداد ومتوغل فى آسيا الوسطى وفى بلدان أروبا الشرقية فى ذلك العصر .

وقد سجلت مناسبات المزاح بمثل الدقة التى سجلت بها حالات الفزع والخوف . والعجب كل العجب من تقى ورع يبيح لنفسه أحيانا مزاحا عاريا دنس الطعم كما فى العينة التالية : " وقال لى هذا الرجل يوما على لسان الترجمان " قل لهذا العربى الربنا عز وجل امرأة ؟ فاستعظمت ذلك وسبحت الله واستغفرته ، فسبح واستغفر كما فعلت " . ( ص 93 )

د) الاسلو-ب الغنائى :

ينقلب الوصف فى غير ما موضع من الرسالة غنائيا فنكتشف من خلاله أديبا موهوبا ورساما فنانا قد عوض الريشة والالوان فى لوحاته الجميلة بحسن بيان وجودة عبارة ودقة لفظ مع سهولة ويسر . وهاك لمزيد تيقن من انشائه الغنائى العذب عينة بمثابة اللوحة الناطقة وصف فيها السحاب والرعد ببلاد البلغار : " ورايت فى بلده من العجائب ما لا أحصيها كثرة من ذلك أن أول ليلة بتناها فى بلده رأيت قبل مغيب الشمس بساعة قياسية أفق السماء وقد أحمرت احمرارا شديدا وسمعت فى الجو أصواتا شديدة وهمهمة عالية فرفعت رأسى فاذا غيم أحمر مثل النار قريب منى واذا تلك الهمهمة والاصوات منه واذا فيه أمثال الناس والدواب أتبينها وأتخيلها واذا قطعة أخرى مثلها أرى فيها أيضا رجالا ودواب وسلاحا فأقبلت هذه القطعة تحمل على هذه كما تحمل الكتيبة على الكتيبة ففزعنا من ذلك وأقبلنا على التضرع والدعاء وهم يضحكون منا ويتعجبون من فعلنا .

وكنا ننظر الى القطعة تحمل على القطعة فتختلطان جميعا ساعة ثم تفترقان فما زال الامر كذلك ساعة من الليل ثم غابتا . فسألنا الملك عن ذلك فزعم أن أجداده كانوا يقولون ان هؤلاء من مؤمنى الجن وكفارهم يقتتلون فى كل عشية وأنهم ما عدموا هذا مذ كانوا فى كل ليلة ( ص 118-117 )

ويتجلى الاسلوب الغنائى كما تتجلى الحساسية الشعرية بكل وضوح فى لوحتين رسم فيهما ابن فضلان بألوان لغته الطلية طلوع الشمس فى بلد البلغار والليالى الشمالية النيرة بشفقها الاحمر الذى لا يغيب ( nuits boreales ) فاقرأ له هذا الوصف الجميل :

" ورأيت البلد عند طلوع الشمس يحمر كل شئ فيه من الارض والجبال وكل شئ ينظر الانسان اليه حين تطلع الشمس كأنها غمامة كبرى فلا تزال الحمرة كذلك حتى تتكبد السماء وعرفنى أهل البلد أنه اذا كان الشتاء عاد

الليل فى طول النهار وعاد النهار فى قصر الليل حتى أن الرجل منا ليخرج الى موضع يقال له " اتل " - بيننا وبينه أقل من مسيرة فرسخ - وقت طلوع الفجر فلا يبلغه الى العتمة الى وقت طلوع الكواكب كلها حتى تطبق السماء . فما برحنا من البلد حتى امتد الليل وقصر النهار .

ورأيت النهار عندهم طويلا جدا واذا أنه يطول عندهم مدة من السنة ويقصر الليل ثم يطول الليل ويقصر النهار . فلما كانت الليلة الثانية جلست خارج القبة وراقبت السماء فلم أر من الكواكب الا عددا يسيرا ظننت أنه نحو الخمسة عشر كوكبا متفرقة واذا الشفق الاحمر الذى قبل المغرب لا يغيب عنه بتة . واذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجل الرجل فيه من أكثر من غلوة سهم ( ص 126-125 )

ه) ولع بالعجائب وفطانة :

ان رغبة ابن فضلان الطلعة فى ملاحظة عجائب المخلوقات وغرائب الاشياء تذكرنا نفس الرغبة عند ممثلى أدب العجائب والغرائب كابن الفقيه صاحب " كتاب البلدان " وبزرك بن سهريار مؤلف كتاب " عجائب الهند " وأبى زيد لسيرافى أو التاجر سليمان اللذين تنسب اليهما متفرقين " رحلة الصين والهند " .

ومن بين العجائب التى شاهدها ابن فضلان فى بلاد ملك البلغار معركة الجن فى السماء والليالى الشمالية التى لا يغيب شفقها الاحمر والحيات العظيمة التى تتجاوز مائة ذراع وقوم يأجوج ومأجوج وسدهم . وهاك عينة من غرائبه :

" ورأيت الحيات عندهم كثيرة حتى أن الغصن من الشجرة لتلتف عليه العشرة منها والاكثر ولا يقتلونها ولا تؤذيهم حتى لقد رأيت فى بعض المواضع شجرة طويلة يكون طولها أكثر من مائة ذراع وقد سقطت واذا بدنها عظيم جدا فوقفت أنظر اليه اذ تحرك فراعنى ذلك وتأملته فاذا عليه حية قريبة منه فى الغلظ والطول . فلما رأتنى سقطت عنه وغابت بين الشجر فجئت فزعا فحدثت الملك ومن كان فى مجلسه فلم يكترثوا لذلك وقال " لا تجزع فليس تؤذيك " . ( ص 127 )

وتمتزج العجائب بالحقيقة والواقع عند هذا السفير الكاتب وكثيرا ما يكون ولعه بالغرائب سلبيا مجانيا غير أنه يبرهن عن يقظة فى غير ما موضع من رسالته عندما يتوقف ليتثبت فى صحة الروايات . فلما حدثه " تكين " عن رجل عظيم الخلق فى بلد البلغار سأل عنه الملك فور وصوله فقال له : " نعم قد كان فى

بلدنا ومات ولم يكن من أهل البلد ولا من الناس أيضا . . وان هذا الرجل من يأجوج ومأجوج . . . ولم يكن ينظر اليه صبى الا مات ولا حامل الا طرحت حملها وكان ان تمكن من انسان عصره بيديه حتى يقتله فلما رأيت ذلك علقته فى شجرة عالية حتى مات . " فقال ابن فضلان : " أنا والله أحب أن انظر عظامه ورأسه . " فركب الملك معه الى عيضة كبيرة فيها شجر عظام وهاك ما حكاه الكاتب : " فرأيت رأسه مثل القفير الكبير واذا أضلاعه أكبر من عراجين النخل ( ص 137 )

وفى عديد من الفقرات يسأل ابن فضلان شهود عيان ويقوم بتحقيق الاخبار ولكنه لا يخرج عن صفة رجل القرون الوسطى المولع بالعجائب ، والعجائب تكتسى صبغة اسلامية لانها ضرب من التعبد والتسبيح والاعتبار بقدرة الله على خلق مخلوقات عجيبة غريبة .

و) الرسم الخلقى :

إن قراءة ملية لهذه الرسالة تمكننا من اكتشاف ملاحظ بشر بارع ورسام أخلاق فنان فى لوحات نثرية لازيتية تمثل نماذج بشرية من الاتراك والبجناك والغزية والباشغرد والصقالبة والروس زمن سفارة ابن فضلان أى فى القرن الرابع الهجرى الموافق للقرن العاشر الميلادى .

ز) القيمة الادبية :

تجلت لك الآن الآن القيمة الادبية لهذه الرحلة . فأسلوبها قصصى ذو الوان عديدة ولغتها طلية ثرية ومؤلفها أديب أريب يسجل الجوانب المؤثرة فيما يشاهده من مخلوقات وأشياء بأسلوب ملائم فيجتنب القوالب ويجود الوصف ويسوق الحوار الحى كما يصنع الكاتب الممتاز ومن العجب توفر تلك الصفة فى فقيه مبشر قد اعتاد الاسلوب القضائى الجاف .

فهذه الرسالة لا تشبه فحسب أدب الرحلات أو اليوميات بل انها تتصل أيضا بالفن القصصى وهذا سر شهرتها ونجاح مؤلفها واعجاب المستشرقين لها اذ اكتشفوها ودرسوها ونقلوها الى ثلاث لغات على الاقل ومن بعدهم حظيت باهتمام بعض الناشرين والدارسين العرب المعاصرين مثل محمد كرد على والدكتور سامى الدهان .

اشترك في نشرتنا البريدية