( 2 )
مراسم الموتى :
حكى ابن فضلان تفاصيل مراسم الموتى لما فيها من غرابة تلفت نظره بصفته مبشرا مسلما ورجلا متحضرا آتيا رأسا من بغداد عاصمة الخلافة العباسية مهد الحضارة ومهبط القصاد من كل صوب عصرئذ . فمن عادة البلغار " إذا مات المسلم عندهم أو زوج المرأة الخوارزمية غسلوه غسل المسلم ثم حملوه على عجلة تجره وبين يديه مطرد حتى يسيروا به الى المكان الذي بدفنونه فيه . فاذا صار اليه أخذوه عن العجلة وجعلوه على الأرض ثم خطوا حوله خطا ونحوه ثم حفروا داخل ذلك الخط قبره وجعلوا له لحدا ودفنوه وكذلك يفعلون بموتاهم . ولا تبكى النساء على الميت بل الرجال منهم يبكون عليه ... " ( ص 143 ) ومن عادة الروس اذا مات لهم مملوك أن يتركوه " على حاله تأكله الكلاب وجوارح الطير . . . " ( ص 154 ) ويقومون بحرق موتاهم ويبدو انهم متاثرون فى ذلك بديانة الهنود وقد ذكر أبو الريحان محمد بن أحمد البرونى فى كتابه " تاريخ الهند " ان ناراين narayana رسم للهنود دفع الأجساد الى النار " فمنذ ذلك الوقت يحرقونها فلا يبقى منا شئ من وضر أو عفونة أو رائحة إلا ويتلاشى بسرعة ولا يكاد يتذكر والصقالبة فى زماننا يحرقون الموتى ... ويقول الهند ان فى الانسان نقطة بها الانسان انسان وهي التى تتخلص عند انحلال الأمشاج بالاحراق وتبددها ورأوا فى هذا الرجوع أن بعضه يكون بشعاع الشمس تتعلق به الروح وتصعد وأن بعضه يكون بلهيب النار ورفعها اياها كما كان يدعو بعضهم أن يجعل الله طريقه اليه على خط مستقيم لأنه اقرب المسافات ولا يوجد الى العلو الا النار أو الشعاع ... "
وحكى ابن فضلان تفاصيل عجيبة عما كان الروس يفعلون برؤسائهم عند موتهم في فصل جد ثرى ومفيد للمؤرخ وعالم الأجناس لفت انتباه المستشرق " فراهن " منذ سنة 1823 . وهاك ما عاينه ابن فضلان بنفسه فى مأتم :
" كنت أحب أن أقف على ذلك حتى بلغني موت رجل منهم جليل فجعلوه فى فبره وسقفوا عليه عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه وخياطتها وذلك أن الرجل الفقير منهم يعملون له سفينة صغيرة ويجعلونه فيها ويحرقونها . والغني بجمعون ماله ويجعلونه ثلاثة أثلاث فثلث لأهله وثلث يقطعون له به ثيابا وثلث ينبذون به نبيذا يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتحرق مع مولاها .
وهم مستهترون بالنبيذ يشربونه ليلا ونهارا وربما مات الواحد منهم والقدح في يده . اذا مات الرئيس منهم قال أهله لجوارية وغلمانه : " من منكر يموت معه ؟ فيقول بعضهم " أنا " فاذا قال ذلك فقد وجب عليه لا يستوى له أن يرجع أبدا ولو أراد ذلك ما ترك وأكثر من يفعل هذا الجوارى .
فلما مات ذلك الرجل الذي قدمت ذكره قالوا لجوارية : " من يموت معه ؟ " فقالت إحداهن " أنا " فوكلوا بها جاريتين تحفظانها وتكونان معها حيث سلكت حتى أنهما ربما غسلتا رجليها بايديهما ، وأخذوا فى شأنه وقطع الشاب له واصلاح ما يحتاج اليه . والجارية فى كل يوم تشرب وتغنى فرحة مستبشرة .
فلما كان اليوم الذي يحرق فيه هو والجارية حضرت الى النهر الذى فيه سفينته فاذا هي قد أخرجت وجعل لها أربعة أركان من خشب الخدنك وغيره وجعل ايضا حولها مثل الانابير الكبار من الخشب ، ثم مدت حتى جعلت على ذلك الخشب . واقبلوا يذهبون ويجيئون ويتكلمون بكلام لا أفهم وهو بعد فى قبره لم يخرجوه . ثم جاءوا بسرير ، فجعلوه على السفينة وغشوه بالمضربات الديباج الرومي والمساند الديباج الرومى ، ثم جاءت امرأة عجوز يقولون لها ملك الموت ففرشت على السرير الفرش التى ذكرنا . وهي وليت خياطته واصلاحة وهى تقتل الجوارى ورأيتها جوان بيرة ضخمة مكفهرة .
فلما وافوا قبره نحوا التراب عن الخشب ونحوا الخشب واستخرجوه فى الازار الذى مات فيه فرأيته قد اسود لبرد البلد ، وقد كانوا جعلوا معه فى قبره نبيذا وفاكهة وطنبورا فاخرجوا جميع ذلك فاذا هو لم ينتن ولم يتغير منه شئ غير لونه .
فالبسوه سراويل ورانا وخفا وقرطقا وخفتان ديباج له أزرار ذهب ، وجعلوا على رأسه قلنسوة ديباج سمورية وحملوه حتى أدخلوه القبة التى على السفينة وأجلسوه على المضربة وأسندوه بالمساند وجاءوا بالنبيذ والفاكهه والريحان فجعلوه معه .
وجاءوا بخبز ولحم وبصل فطرحوه بين يديه وجاءوا بكلب فقطعوه نصفين وألقوه فى السفينة ، ثم جاءوا بجميع سلاحه فجعلوه الى جانبه ، ثم أخذوا دابتين فأجروهما حتى عرقتا ثم قطعوهما بالسيف وألقوا لحمهما فى السفينه ثم جاءوا ببقرتين فقطعوهما أيضا وألقوهما فيها ثم أحضروا ديكا ودجاجة فقتلوهما وطرحوهما فيها .
والجارية التى تريد أن تقتل ذاهبة وجائية تدخل قبة من قبابهم فيجامعها صاحب القبة ويقول لها : " قولى لمولاك انما فعلت هذا من محبتك " .
فلما كان وقت العصر من يوم الجمعة جاءوا بالجارية الى شئ قد عملوه مثل ملبن الباب فوضعت رجليها على أكف الرجال وأشرفت على ذلك الملبن وتكلمت بكلام لها فأنزلوها ، ثم أصعدوها ثانية ففعلت كفعلتها فى المرة الاولى ثم انزلوها أصعدوها ثالثة ففعلت فعلها فى المرتين ، ثم دفعوا اليها دجاجه فقطت رأسها ورمت به وأخذوا الدجاجة فألقوها فى السفينة .
فسألت الترجمان عن فعلها فقال : " قالت فى أول مرة أصدوها : هوذا أرى أبي وأمى وقالت فى الثانية : هو ذا أرى جميع قرابتى الموتى فعودا قالت في المرة الثالثة : هو ذا أرى مولاى قاعدا فى الجنة . والجنه حسنة خضراء ومعه الرجال والغلمان وهو يدعونى فاذهبوا بى اليه ، فمروا بها نحو السفينة فنزعت سوارين كانا عليها ودفعتهما الى المرأة التى تسمى ملك الموت وهي التى تقتلها ونزعت خلخالين كانا عليها ودفعتهما الى الجاريتين اللتين كانتا تخدمانها وهما ابنتا المرأة المعروفة بملك الموت .
ثم أصعدوها الى السفينة ولم يدخلوها الى القبة وجاء الرجال ومعهم التراس والخشب ودفعوا اليها قدحا نبيذا فغنت عليه وشربته ، فقال لى الترجمان " انها تودع صواحباتها بذلك "
ثم دفع اليها قدح آخر فأخذته وطولت الغناء والعجوز تستحثها على شربه والدخول الى القبة التى فيها مولاها . فرأيتها وقد تبدلت وأرادت دخول القبه ، وأدخلت رأسها بينها وبين السفينة فأخذت العجوز رأسها وأدخلتها القبة ودخلت معها .
وأخذ الرجال يضربون بالخشب على التراس لئلا يسمع صوت صياحها فيجزع غيرها من الجوارى ولا يطلبن الموت مع مواليهن . ثم دخل الى القبة ستة رجال فجامعوا بأسرهم الجارية . ثم أضجعوها الى جانب مولاها وأمسك اثنان رجليها واثنان يديها وجعلت العجوز التى تسمى ملك الموت فى عنقها حبلا مخالفا ودفعته الى اثنين ليجذباه . وأقبلت ومعها خنجر عريض النصل فأقبلت تدخله بين أضلاعها موضعا موضعا وتخرجه والرجلان يخنقانها بالحبل حتى ماتت .
ثم وافى أقرب الناس الى ذلك الميت فأخذ خشبة وأشعلها بالنار . ثم مشى القهقرى نحو قفاه الى السفينة ووجهه الى الناس والخشبة المشعلة في يده الواحدة ويده الاخرى على باب أسته وهو عريان حتى أحرق الخشب المعبأ الذي تحت السفينة من بعد ما وضعوا الجارية التى قتلوها فى جنب مولاها .
ثم وافى الناس بالخشب والحطب ومع كل واحد خشبة قد ألهب رأسها ، فيلقيها فى ذلك الخشب فتأخذ النار فى الحطب ثم فى السفينة ثم فى القبة والرجل والجارية وجميع ما فيها .
ثم هبت ريح عظيمة هائلة فاشتد لهب النار واضطرم تسعرها وكان الى جانبى رجل من الروسية فسمعته يكلم الترجمان الذي معى فسألته عما قال له فقال انه يقول أنتم يا معشر العرب حمقى ، فقلت لم ذلك ؟ قال انكم تعمدون الى احب الناس اليكم وأكرمهم عليهم فتطرحونه فى التراب وتأكله التراب والهوام والدود ونحن نحرقه بالنار فى لحظة فيدخل فى الجنة من وقته وساعته
ثم ضحك ضحكا مفرطا فسألت عن ذلك فقال " من محبة ربه له قد بعث الريح حتى تأخذه فى ساعة " فما مضت على الحقيقة ساعة حتى صارت السفينة والحطب والجارية والمولى رمادا ثم بنوا على موضع السفينة وكانوا قد أخرجوها من النهر شبيها بالتل المدور ونصبوا فى وسطه خشبة كبيرة خدنكا وكتبوا عليها اسم الرجل واسم ملك الروس وانصرفوا " ( ص 165-155 )
ومن غريب الرسوم فى المآتم ما كان يقع فى بلاد الخزر عصرئذ عندما يموت ملكهم الاكبر ، فاقرأ فى هذا الموضوع عينة طريقة من تقرير ابن فضلان :
" ورسم الملك الاكبر اذا مات أن يبنى له دار كبيرة فيها عشرون بيتا ويحفر له فى كل بيت منها قبر ، وتكسر الحجارة حتى تصير مثل الكحل وتفرش فيه وتطرح النورة ( chaux vive ) فوق ذلك . وتحت الدار نهر ، والنهر نهر كبير
يجرى ويجعلون القبر فوق ذلك النهر ويقولون " حتى لا يصل اليه شيطان ولا انسان ولا دود ولا هوام "
واذا دفن ضربت أعناق الذين يدفنونه حتى لا يدرى أين قبره من تلك البيوت . ويسمى قبره الجنة . ويقولون " دخل الجنة " وتفرش البيوت كلها بالذهب ( ص 171-170 ) .
الدين والعقائد :
ان دور المبشر المكلف بدعوة الشعوب التركية والصقلبية الى اعتناق الاسلام أساسى فى مهمة ابن فضلان ولذلك كانت الارشادات الدينية بارزة فى رسالته ألا ترى أن ملك البلغار بعث كتابا الى الخليفة المقتدر " يسأله فيه البعثة اليه ممن يفقهه فى الدين ويعرفه شرائع الاسلام ويبنى له مسجدا وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة له فى بلده وجميع مملكته ... " ( ص 68-67 ) وقد كلف ابن فضلان بالاشراف على فقيه فلا غرابة أن يوجه اهتماما كبيرا فى تقريره الى الملاحظات الدينية .
ويبدو - حسب شهادته - أن بلغار حوض الفولقا لم يعتنقوا الاسلام الا قبل وصول السفارة من بغداد بمدة قليلة والدليل على ذلك أن ملكهم زمنئذ اعترف لابن فضلان بأن أباه لم يكن مسلما . ودونك اعترافه فاقرأه : " ان أبى كان كافرا ولا أحب أن أذكر اسمه على المنبر وأنا أيضا فما أحب أن يذكر اسمى اذ كان الذى سمانى به كافرا ، ولكن ما اسم مولاى أمير المؤمنين ؟ فقلت جعفر " قال " فيجوز أن أتسمى باسمه ؟ " قلت " نعم " قال " قد جعلت اسمى جعفرا واسم أبى عبد الله فتقدم الى الخطيب بذلك " ففعلت " ( ص 118-117)
لكن ابن فضلان يناقض نفسه بنفسه فى هذا الموضوع عندما يفيدنا فى موطن اخر من تقريره أن أمير البلغار يعتقد أن تصادم السحاب والرعد انما هو عراك بين مؤمنى الجن وكفارهم ويزعم أن أجداده كانوا يقولون ذلك . ( ص 124 - 123 ) وههنا دليل على أن اسلام البلغار قديم العهد سابق لعصر ابن فضلان بقرن على الاقل كما يؤكده ابن رسته فى كتابه " الاعلاق النفيسة " اذ يذكر لهم فى عصره مساجد ومدارس ومؤذنين وأيمة .
وعلى نقيض البلغار المسلمين كان أهل ذمتهم البشرد عبدة أصنام " وكل واحد منهم ينحت خشبة على قدر الاحليل ويعلقها عليه فاذا أراد سفرا أو لقاء عدو قبلها وسجد لها وقال " يارب افعل بى كذا وكذا " ( ص 108 )
" ومنهم من يزعم أن له اثنى عشر ربا ، للشتاء رب ، وللصيف رب ، وللمطر
رب ، وللماء رب ، وللريح رب ، وللشجر رب ، وللناس رب ، وللدواب رب ولليل رب ، وللنهار رب ، وللموت رب ، وللارض رب . والرب الذى فى السماء أكبرهم الا أنه يجتمع مع هؤلاء باتفاق ويرضى كل واحد منهم بما يعمل شريكه " ويستغفر ابن فضلان ربه من كفرهم وشركهم فيقول : " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا " . ويفيدنا أيضا أن طائفة منهم " تعبد الحيات وطائفة تعبد السمك وطائفة تعبد الكراكى . . " ( ص 109-108 )
وعلى عادته يجتهد ابن فضلان فى ترغيب الاتراك الغزية فى الاسلام لانهم ما تمسكوا بدين وما عبدوا شيئا فشبههم بـ " الحمير الضالة لا يدينون لله بدين ولا يرجعون الى عقل ولا يعبدون شيئا بل يسمون كبراءهم أربابا . فاذا استشار أحدهم رئيسه فى شىء قال له : " يارب ايش أعمل في كذا وكذا ؟ " ( ص 91 )
وفى الخزر سادت اليهودية لان خاقان ملكهم الاصغر وسراة قومه اعتنقوا ذلك الدين . قال ابن فضلان : كان اتصل بملك الخزر عن ابنة ملك الصقالبة جمال فوجه يخطبها فاحتج عليه ورده فبعث وأخذها غصبا وهو يهودى وهى مسلمة فمات عنده " .
وقد حذف سامي الدهان من الاصل العربى لرسالة ابن فضلان فقرة مفيدة عن دين الخزر وعن النزاع القائم آنذاك بين ملكهم اليهودى وبين رعاياه من المسلمين . ففى "اتل" عاصمة الخزر على نهر الفولقا بلغ عدد المسلمين عصرئذ عشرة آلاف وكان لهم مسجد جامع بمئذنة وثلاثون مسجدا .
وأخبر ابن فضلان فى ذلك الفصل المحذوف فى طبعة سامى الدهان المثبت فى الاصل فى تحقيق زكى فالدى وفى ترجمته الالمانية كما فى الترجمة الفرنسية لذلك النص عند ماريوس كانار ، أن خاقان أمر بهدم صومعة المسجد وقتل المؤذنين لما بلغه نبأ هدم معبد لليهود فى بلد اسلامى .
وابن فضلان فقيه مبشر فى تلك الفقرات الطويلة التى نقل فيها تفاصيل هامة عن عقيدة الروس الذين اعتنقوا دينا عمليا فكانوا عبدة الاه كبير وآلهة صغيرة منقوشة على أنصاب خشبية يبتهلون اليها أن تيسر لهم بيع بضاعتهم اذ كانوا تجارا وكانوا على غرار البراهمة الهنود يقدسون النار فى المآتم فحسب
ودونك هذه الفقرة الهامة الثرية بالمعلومات من ديانة الروس فى أوائل القرن الرابع الهجرى الموافق لمطلع القرن العاشر الميلادي :
" وساعة توافى سفنهم الى هذا المرسى ( إتل عاصمة البلغار على نهر الفولقا ) بخرج كل واحد منهم ومعه خبز ولحم وبصل ولبن ونبيذ حتى يوافى خشبة طويلة منصوبة لها وجه يشبه وجه الانسان وحولها صور صغار ، وخلف تلك الصور خشب طوال قد نصبت فى الارض فيوافى الى الصورة الكبيرة ويسجد لها ثم يقول لها : " يارب قد جئت من بلد بعيد ومعنى من الجوارى كذا وكذا رأسا ومن السمور كذا وكذا جلدا " حتى يذكر جميع ما قدم معه من تجارته ثم يقول : " وجئتك بهذه الهدية " ثم يترك الذي معه بين يدى الخشبة ويقول : " أريد أن ترزقني تاجرا معه دنانير ودراهم كثيرة فيشترى منى كل ما أريد ولا يخالفني فيما أقول ، ثم ينصرف .
فان تعسر عليه بيعه وطالت أيامه عاد بهدية ثانية وثالثة فان تعذر ما يريد حمل الى كل صورة من تلك الصور الصغار هدية وسألها الشفاعة وقال : "هؤلاء نساء ربنا وبناته وبنوه" فلا يزال يطلب الى صورة يسألها ويستشفع بها ويتضرع بين يديها فربما تسهل له البيع فباع فيقول : " قد قضى ربى حاجتى وأحتاج أن أكافيه " فيعمد الى عدة من الغنم او البقر فيقتلها ويتصدق ببعض اللحم ويحمل الباقى فيطرحه بين يدى تلك الخشبة الكبيرة والصغار التى حولها . ويعلق رؤوس البقر أو الغنم على ذلك الخشب المنصوب فى الارض . فاذا كان الليل وافت الكلاب فأكلت جميع ذلك . فيقول الذي فعله : " قد رضى ربي عني وأكل هديتى " . ( ص 153-152 )
السياسة :
لم يكن للسفارة هدف ديني فحسب بل كان لها أيضا وبضفة أخص هدف سياسي جد هام لملك البلغار نفسه . فبواسطة رجاله المبعوثين فى وفد السفارة اراد الخليفة المقدر أن يلقن البلغار تعاليم الاسلام ويستجيب لرغبة ملكهم المسلم في بناء حصن يتحصن فيه من أعدائه ملوك الخزر اليهود .
ويفيدنا التقرير بعديد من الارشادات ذات القيمة السياسية ويكشف لنا خاصة عن سبب تعثر مهمة السفارة . فرغم جهر ملك البلغار بالولاء للخليفة العباسى فانه رفض اتباع المذهب الشافعي السائد فى بغداد عصرئذ وفضل البقاء على مذهب أبي حنيفة على غرار الحنفية فى آسيا الوسطى والسمانيين ، فلعله أراد بوقوفه ذلك الموقف أن يعبر عن خيبة أمله فى السفارة لان المقتدر لم يلب جميع رغباته وأهمها ارسال المال من بغداد لبناء الحصن .
وابن فضلان مدرك لاهمية الدور الذى لعبه لتركيز سلطة الخليفة العباسى
الروحية فى حوض الفولقا فقد أفادنا مثلا أن الخطبة قبل حلوله بلاد البلغار كانت تلقى فى المساجد باسم ملكهم فجعلها للخليفة المقتدر . ( ص 118-117 )
أما السمانيون فى خراسان فكانوا معترفين بالسلطة الروحية للخليفة العباسى حسب ما أورده ابن فضلان فى حديث جرى بين وفد السفارة وبين الامير السامانى نصر بن أحمد امير خراسان ، فاقرأ هذا الحديث لاهميته السياسة : " فدخلنا اليه وهو غلام أمرد فسلمنا عليه بالامرة وأمرنا بالجلوس ، فكان أول ما بدأنا به أن قال : " كيف خلفتم مولاى أمير المؤمنين ؟ أطال الله بقاءه وسلامته فى نفسه وفتيانه وأوليائه " .
فقلنا : " بخير " قال : " زاده الله خيرا " . ( ص 77 )
فى فصل آخر سجل ابن فضلان حديثا جرى بين وفد السفارة وبين أمير خوارزم ، وهذا الحديث يدل على أن الامير لم يكن ينظر بعين الرضا الى قيام علاقات متينة بين بغداد وبلاد البلغار كما تبينه العينة التالية : " فدخلنا على أميرها ( أمير خوارزم ) محمد بن عراق خوارزم شاه فأكرما وأنزلنا دارا . فلما كان بعد ثلاثة أيام أحضرنا وناظرنا فى الدخول الى بلد الترك وقال : " لا آذن لكم فى ذلك ولا يحل الى ترككم تغررون بدمائكم وأنا أعلم أنها حيلة أوقعها هذا الغلام - يعنى تكين ( دليل السفارة ) لانه كان عندنا حدادا وقد وقف على بيع الحديد ببلد الكفار وهو الذى غر " نذيرا " وحمله على كلام أمير المؤمنين وايصال كتاب ملك الصقالبة اليه . والامير الاجل - يعنى أمير خراسان - كان أحق باقامة الدعوة لامير المؤمنين فى ذلك البلد لو وجد محيصا ... " ( ص 81-8 )
ويفيد التقرير أن اقليم الديلم وطبارستان جنوب بحر القزوين سيطر عليه زمنئذ العلويون الامر الذى أدى بأأعضاء السفارة الى التنكر في القافلة بالدامغان حيث صادفوا " ابن قارن " من قبل الدعى الشيعى فساروا مجدين حتى قدموا نيسابور . ( ص 74 ) .
ويشير التقرير الى خضوع الاتراك الباشغرد للبلغار وخوارزمشاه للسمانيين
ومن جهة أخرى سجل ابن فضلان ملاحظات طريقة فى رسالته عن مراتب الحكومة وأدب السلوك عند ملوك الخزر ، فأشار الى السلطة الاسلامية لخاقان ( أو خاقان الكبير ) والى السلطة الفعلية لخليفته خاقان به . وحتى عصر ابن فضلان أى الى أوائل القرن الرابع الجهرى أمكن لمملكة الخزر أن تحافظ
على قوتها وتقف في وجه الخلافة العباسية : فاقرأ هذه العينة الدالة على نظام الحكم وأدب السلوك عند ملوك الخزر :
" فأما ملك الخزر واسمه خاقان فانه لا يظهر الا فى كل أربعة أشهر متنزها ويقال له خاقان الكبير ويقال لخليفته خاقان به وهو الذي يقود الجيوش ويسوسها ويدير أمر المملكة ويقوم بها ويظهر ويغزو وله تذعن الملوك الذين يصاقبونه . ويدخل فى كل يوم الى خاقان الاكبر متواضعا يظهر الاخبات والسكينة ولا يدخل عليه الاحافيا وبيده حطب فاذا سلم عليه أوقد بين يديه ذلك الحطب فاذا فرغ من الوقود جلس مع الملك على سريره عن يمينه . ويخلفه رحل يقال له كندر خاقان ويخلف هذا أيضا رجل يقال له جاوشيغر .
ورسم الملك الاكبر أن يجلس للناس ولا يكلمهم ولا يدخل عليه أحد غير من ذكرنا . والولايات في الحل والعقد والعقوبات وتدبير المملكة على خليفته خاقا به . ( ص 170-169 )
وتدل وثيقة ابن فضلان على أن مملكة الخزر فى القرن الرابع الهجرى كانت أقوى من مملكة البلغار كما تدل أيضا على أن سلطة ملوك الخزر كانت تمتد بعيدا الى الشمال الغربى فكان البرطاس والبلغار يؤدون ضريبة الى الخزر اليهود ( انظر رحمة ماربوس كانار ص 142 وقد حذف هذا الفصل من طبعة سامى الدهان لرسالة ابن فضلان ) .
قام ابن فضلان بمهمته بكبير جد وحزم كما يشهد بذلك تقريره وان لم تحقق سفارته جميع ما كانت تأمله . ويؤكد " ماريوس كانار " فى مقدمة ترجمته للرسالة التى نحن بصدد درسها أن الحكاية التى وصلتنا عن السفارة ليست تقري برا رسميا ويفترض أن التقرير قد ضاع ( ماريوس كانار ص 143 ) . واذ ننقصه البراهين لاثبات رأيه فان النص على حالته الحالية والمعلومات القليلة التى لدينا عن كتابه لا تسمح بالجزم فى اعتبار هذا التأليف قسما من التقرير الرسمى أولا .
ومهما يكن من أمر فان هذه الوثيقة تهدف الى افادة الخليفة وادارته المركزية افادة مباشرة . غير أنها ليست مجرد تقرير فحسب بكل ما فى كلمه تقرير من معنى إذ لم يكن ما كتبه ابن فضلان الا استجابة لرغبة حكومية فى ظروف السفارة .
انها شئ آخر بالاضافة الى كونها تقريرا . انها نوع من أدب الرحلة ومؤلفها هو طبعا رحالة مكلف بمهمة ولكن هذه الصفة لم تمنعه من لتجرد . ألشافا مغامرا وطلعة دقيق الملاحظة تشهد حكايته على اتصاله المباشر بالبشر وبالطبيعة طوال رحلة السفارة ؟ ( يتبع )

